في مواجهة تطورات متلاحقة خلال الفترة القصيرة المتبقية على تولي إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، وحيث تتشكل الكثير من القناعات لدى الفريق الرئاسي، وفي ظل استشعار كل من دول مجلس التعاون وإسرائيل للخطر الذي يتهددهم جميعاً جراء احتمالية تبني الإدارة الأمريكية المقبلة قرار العودة غير المشروطة للاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة الرئيس ترامب منتصف عام 2018، يصبح الخيار الاستراتيجي الأفضل بل الأمثل هو تنسيق الجهود والتعاون القوي بين جميع الأطراف التي تستشعر هذا الخطر من أجل نقل وجهات نظرها للفريق الرئاسي الأمريكي المقبل، واقناعه بحسابات الربح والخسارة التي لا ترجح مطلقاً كفة التراجع عن قرار الانسحاب من الاتفاق بالسرعة التي تبدو عليها الأمور الآن، ومن دون وضع إطار متكامل يضمن تصحيح الأوضاع ومعالجة الثغرات التي يتضمنها الاتفاق بصورته الحالية.

لاشك أن كل من دول مجلس التعاون واسرائيل حلفاء استراتيجيين تقليديين للولايات المتحدة، وبغض النظر عن مستويات التحالف والشراكات الاستراتيجية القائمة، فإنها جميعا علاقات تصنف في دوائر الأهمية القصوى بالنسبة للمصالح الأمريكية، ومن ثم فإن وجهات نظر هؤلاء الشركاء تبدو مهمة للغاية، ولا يمكن تجاهلها في حال تم التنسيق بين مختلف هذه الأطراف لتقديم مقترحات شاملة ومتكاملة للإدارة الأمريكية المقبلة، والتي سيصعب عليها في هذه الحالة تجاهل مطالب هذه المجموعة من الدول، لاسيما أن هناك علاقات رسمية قامت في الآونة الأخيرة بين اسرائيل وكل من دولة الامارات ومملكة البحرين، وهناك قناعات تتغير وتتبدل وتحتاج لبعض الوقت وظروف ملائمة لدى أطراف أخرى، وهناك آفاق مستقبلية جيدة للأطراف جميعها في ظل تغليب السعي للسلام والاستقرار وتفادي عوامل الصراع والتوتر التي ظلت تخيم على أجواء المنطقة طيلة عقود طويلة مضت.

الحاصل أن هناك وجهة نظر ترى ضرورة انضمام دول مجلس التعاون على الأقل لأي مفاوضات محتملة بين نظام الملالي الايراني ومجموعة "5+1"، وذلك على غرار المحادثات النووية السداسية التي جرت قبل أعوام بين كوريا الشمالية من جهة والولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الجنوبية واليابان (دول الجوار لكوريا الشمالية) من جهة ثانية، وتعتبر هذه هي الصيغة المثالية لوضع أساس قوي يضمن تحقيق الأمن والاستقرار الاقليمي، ولكن نظام الملالي لن يرضح لهكذا مطلب بسهولة؛ ليس لأنه غير واقعي ولكن لأن هذا النظام يمتلك نظرة فوقية متعالية تجاه جواره الجغرافي، ويرفض تماماً التطبيق الفعلي لمبدأ الندية والمساواة في علاقاته مع دول مجلس التعاون متجاهلاً كل المتغيرات التي حدثت في العقود والسنوات الفائتة، والتي جعلت هذه الدول تحقق نجاحات تنموية وتصنع لنفسها مكانة اقليمية ودولية تضعها على قدم المساواة إن لم يكن تفوق أي قوة اقليمية أخرى، فدول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الامارات تحولت إلى نمور جديدة بحكم ماحققت من قفزات ونجاحات اقتصادية تجعل منها رقماً صعباً للغاية ويصعب تجاهله في المعادلات الاقليمية.

أما اسرائيل فهي دولة قوية في مختلف قطاعات التنمية، بما في ذلك الصعيد العسكري، وتمتلك علاقات تحالف استراتيجي قوية للغاية مع القوى الكبرى جميعها، وهذا هو الواقع كي لا يتهمني أحدهم بالتحيز أو التعاطف أو غير ذلك من الاتهامات المقولبة أو الجاهزة التي يرددها البعض لإرهاب من يتفوه برأي موضوعي أو تحميله وزر الفشل والاخفاقات المتتالية في معالجة قضية عادلة كالقضية الفلسطينية، وبالتالي يصبح من المنطقي بل الضروري، تنسيق الجهود والاستفادة مما يمتلكه كل طرف (دول مجلس التعاون واسرائيل) من مزايا نسبية وأوراق ضغط وعلاقات وروابط مؤثرة في الداخل الأمريكي من أجل نقل وجهات النظر والدفاع عنها بقوة وشراسة، في مواجهة توجه قوي يتبلور لدى الإدارة الأمريكية المقبلة بشأن العودة غير المشروطة للاتفاق النووي، لأنه ببساطة ما سيحدث خلال خلال الفترة المقبلة سيكون محدداً لبوصلة الأمن والاستقرار الاقليمي على المدى المنظور.

هناك تقارير إعلامية أمريكية نُشرت مؤخراً تقول أن فريق الرئيس بايدن يخشى أن تسعى بعض دول الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق النووي وليس تحسين الاتفاق القائم، ولكنني اعتقد، أو هكذا يُفترض أن مثل هذه المخاوف لا مكان لها لدى دولة كبرى بحجم ومكانة الولايات المتحدة، وليس أدل على ذلك من قيام الرئيس السابق أوباما بالتضحية بإغضاب جميع حلفاء واشنطن في الخليج العربي والشرق الأوسط وتوقيع اتفاق نووي ملىء بالثغرات مع إيران.

الحقيقة أنني قرأت تصريحاً أعجبني لسفير دولة الامارات لدى الولايات المتحدة، معالي يوسف العتيبة، قال فيه إن أي اتفاق مع إيران سيؤثر على دول مجلس التعاون أكثر مما يؤثر على الدول الكبرى الموقعة للاتفاق، وهذه هي الحقيقة التي يجب على الجميع التعاطي معها بقدر من الوضوح والصراحة والمكاشفة، فهذه الدول هي التي تعاني في الوقت الراهن جراء انتهازية الملالي واستغلالهم لثغرات الاتفاق النووي في التمدد والتوسع والهيمنة على بعض دول الاقليم، ولعل النفوذ الايراني المتفشي في اليمن والعراق وسوريا، فضلاً عن التدخلات غير المشروعة في الشأن الداخلي البحريني، خير شاهد على الخطر الذي يداهم هذه الدول جراء الفشل الدولي في لجم الخطر والتهديد الايراني.

الكل يسمع ويرى كيف أن الملالي يهددون دول الجوار الخليجي واسرائيل كلما تعرضوا لأزمة أمنية أو مشكلة ما، فالتصريحات الرسمية الايرانية الجاهزة في مثل هذه الحالات متشابهة ومتكررة، وتصب جميعها في خانة تهديد دول الجوار باعتداءات عسكرية مباشرة وغير مباشرة، والتلويح بنفوذ الميلشيات الارهابية التي يمولها ويسلحها الملالي، حتى أمن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط برمته بات رهينة لسلوك الملالي غريبي الأطور، الذين لا يمتلكون مشروعاً تنموياً لشعبهم ولايرغبون في أي سلام ولا استقرار ويقتاتون على الفوضى والتوتر الدائمين اللذين يوفران لهذا النظام الذرائع التي يحتاجها، ويوظفها في صرف أنظار الشعب الايراني عن مشاكل ومعاناة الداخل واختلاق أزمات خارجية ويعتمد على ذلك في إطالة عمر نظام يحمل بين جوانبه جينات فشله وانهياره.

في ضوء هذا الواقع الاستراتيجي المعقد، يصبح التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون واسرائيل من أجل لجم الطموح والتهديد الايراني باقناع إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن بضرورة التأني ودراسة الموقف جيداً قبل توقيع أي قرار يخص العودة للاتفاق النووي، مسألة حيوية بالنسبة لكل من ينشد الأمن والاستقرار في منطقتنا.