نصـر المجـالي: لم تكد حكومة المهندس علي ابو الراغب الثالة في عهد الملك عبد الله الثاني تنال الثقة بعد صفقات سرية وعلنية كثيرة، حتى فجرت ديانا كرزون الفائزة في سوبر ستار العرب خلافا لم يكن في الأساس خافيا بين الاسلاميين الـ17 في البرلمان الجديد والحكومة المخضرمة التي نالت ثقة 84 نائبا من اصل 110 ومن جملتهم السيدات العشر اللواتي جاءت بهن الكوتا النسائية بقرار أعلى.
فالمشادة التي كادت تصل الى التشابك بالأيدي بين نائب إسلامي هو علي العتوم ووزير الثقافة الشاعر حيدر محمود على خلفية التعليق الذي ابداه هذا الأخير في جلسة البرلمان أمس قائلا فيه ان الحكومة لم تصدر قانونا مؤقتا يمنع الفرح، أثار حفيظة النواب الإسلاميين الذين احتجوا في جلسة سابقة على ما أسموه "المسخرة الإعلامية والثقافية" على هامش فوز الفتاة الأردنية (الفلسطينية الأصل) ديانا كرزون في مسابقات فضائية المستقبل اللبنانية (سوبر ستار). وكذا الحال مهرجان جرش.
وظل الإسلاميون في البرلمان الأردني الجديد للأيام الأخيرة يوجهون سهام الانتقاد لأداء الإعلام الرسمي وثقافته الرسمية في شأن رد الفعل على فوز ديانا كرزون وإقامة مهرجانات ثقافية في البلاد وعلى رأسها مهرجان جرش، فيما الأردن ومعه العالم الإسلامي يواجه اعتى قضاياه فلسطينيا وعراقيا.
ولجلستين سابقتين سيطرت هذه المسائل الإعلامية والثقافية على مناقشات البرلمان المنعقد حاليا في دورة استثنائية، اذ ان دورته العادية الدستورية تبدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
والواضح ان ممثلي جبهة العمل الإسلامي في البرلمان الذي قاطعوا انتخاباته في العام 1997 احتجاجا على نظام الصوت الواحد في الانتخاب وقضايا أخرى تتعلق في الحال السياسي في البلاد وخصوصا لجهة ما يقولون انه "كبت الحريات والاستمرار في تنفيذ اتفاقية وادي عربه السلمية مع اسرائيل"، لهم مواقف مسبقة ليس من حكومة ابو الراغب على وجه التحديد ولكن من مجمل الحكومات الأردنية المتعاقبة منذ عودة الديموقراطية في العام 1989 .
وإذا كانت انتخابات 1989 أعطت الاسلاميين دورا كبيرا في صياغة سياسة البلاد وما تلاها من مواقف ادت الى سلبيات كثيرة على الأداء السياسي الأردني لجهة قضايا عربية كثيرة، فإن دورتي الانتخابات التشريعية التي تلت لم تكن لصالح التوجهات الاسلامية، لذلك حين عادوا الى خوض المعركة الانتخابية هذا العام فإنهم خاضوها لصالح أجندة واحدة لا غير وهي الثأر من أية حكومة قائمة.
لذلك، وعلى خلفية هذه الصورة في المناكفة بين الاسلاميين وحكومة المهندس علي ابو الراغب، فإن الذي يجري تحت قبة البرلمان الأردني والذي يعد الأول من نوعه منذ تسلم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية ينطبق عليه تعبير المثل المعروف في بلاد الشام "ما هي رمانة وانما قلوب مليانه"، وهي ثارات امتدت سنين عجافا طويلة.
معروف ان جبهة العمل الاسلامي في الأردن، هي الذراع السياسي لحركة "الإخوان المسلمين" المسجلة كجمعية ذات اغراض اجتماعية ونفعية منذ الغاء الأحزاب في العام 1957 ، وتأسست الجبهة واعترف بها رسميا لتشارك في الفضاء السياسي الديموقراطي المتاح من العام 1989 .
يذكر ايضا ان حركة "الإخوان المسلمين" في الأردن ظلت وعلى مدى تاريخها الطويل معتبرة انها صاحبة تحالف علني او سري مع الحكم الهاشمي في عمان الذي آوى على ارضه مطاردين من انصار تلك الحركة سواء كانوا من مصر او من سورية التي عادت عمان لعقود لإيوائها قيادات من الإخوان المسلمين المناهضين لها.
ووقفت حركة الإخوان المسلمين في الأردن الى جانب العرش في جميع معاركه ضد مناوئين له، وكان يطلق عليهم في الخمسينيات اسم "الجيش الأبيض"، وهو أدى قسطه الكبير في الوقوف الى جانب الحكم حين كانت المشاكسة على اشدها بين عرش الهاشميين في عمان وبين عبد الناصر في القاهرة والقوميين في دمشق، والحال ذاته حين اصطفت الحركة بكل قوتها مع الحكم اثناء أحداث ايلول العام 1970 بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية.
وقد ظل الإخوان المسلمون في الأردن دائمي الرغبة في جني ثمار ولاءاتهم وتحالفاتهم مع العرش، وهذا الأخير كان رده دائما "لقد اعطينا بما فيه الكفاية حيث وفرنا الحماية لإخوان آخرين من بلدان شقيقة وكانت النتائج سلبية على دورنا في الإقليم؟". واذ ذاك، فإنه مع عودة الإخوان المسلمين الى البرلمان في الإنتخابات التشريعية الأخيرة، فإنهم من دون اعلان ذلك يقدمون في كل جلسة برلمانية كشف حساب للحكومة، وهم جاهزون للاستمرار مهما كلف الثمن لتقديم هذه الكشوفات ليس مع حكومة ابو الراغب وحسب بل مع اية حكومة قد تتشكل في أي وقت.
ويعرف برلمانيو الجبهة الإسلامية ايضا انه على الرغم من ان حكومة أبو الراغب فازت بثقة غالبية اعضاء المجلس، فإنها ستواجه صعوبات جمة مع برلمانيين آخرين حتى لو انهم منحوها الثقة، ويدركون ان هذه الثقة ما كانت تعطى لولا صفقات سرية وعلنية تمت ما بين رئيس الحومة والجبهات البرلمانية الأخرى وخصوصا تلك التي يقودها وطنيون أردنيون مثل رئيس الحكومة السابق الصيدلاني عبد الرؤوف الروابدة او رئيس البرلمان السابق الجنرال المهندس عبد الهادي المجالي او مستقلين من امثال ممدوح العبادي او عبد الرحيم ملحس.
وإذا ما عرف ان الدورة الحالية للبرلمان الجديد، هي دورة استثنائية، انتظارا للدورة العادية التي ستفتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بخطاب العرش، ومن ثم انتخاب رئاسة جديدة للمجلس، وكذا حال انتظار تغيير الحكومة سواء عاد ابو الراغب لرئاستها ام لم يعد، فإن برلمانيي جبهة العمل الإسلامي حريصون على ان يكون لهم قصب السبق في إعلان هزيمتهم للحكومة.
الانتصار المفتعل الذي تخطط له جبهة العمل الإسلامي منذ الآن، حيث من غير المتوقع ان يعاد تشكيل الحكومة من بعد شهرين برئاسة أبو الراغب، سيعطي الجبهة زخما شعبيا جديدا هي بحاجة اليه وكانت فقدته منذ منتصف تسعينيات القرن الفائت حين نأت بنفسها عن التدخل في شؤون البلاد السياسية، وإن كانت فاعلة فيه عبر مظاهرات وبيانات كانت الحكومات المتعاقبة تواجهها بعدائة وعدم ثقة.
وعليه فإنه بات واضحاً ان التجاذب لن يكون بين حكومة بعينها في الأردن وبين حركة الإخوان المسلمين الذين ابتعدوا كثيرا عن مصادر القرار التعليمي والثقافي والتوجيهي في البلاد، وكانت عينهم عليه لعقود، وهم في معركتهم الراهنة على ما يبدو راغبين ان تعود عقارب الساعة الى الوراء لسنوات السبعينيات حين كانوا يمسكون بقرار السياسة التعليمية العليا سواء في وزارة التربية والتعليم او في الجامعات.
الواضح ان صاحب القرار الأعلى حاليا في الأردن غير مستجيب لهذا الطموح ابدا ولو انه في لقائه الأخير في القصر الملكي مع 22 نائبا في البرلمان منح ممثل جبهة العمل الاسلامي وأحد صقورها وهو الشيخ محمد ابو فارس حظوة الجلوس الى يمينه على مائدته.