أياد علاوي، ربما يكون السياسي العراقي الوحيد ndash; من الوزن الثقيل - الذي يستطيع ان يبدأ حملته الانتخابية من أي مكان في العراق يشاء. فالرجل اختار ابتداء ان يقف على مسافة واحدة من الجميع، حتى عندما كان ذلك الموقف الاصيل، يمثل تهديدا لمستقبله السياسي، يوم صار ضجيج الطائفية يطغى على كل الاصوات.


أياد علاوي الذي بدى مؤخرا شديد الحيوية ومتفائلا أكثر من أي وقت مضى، اختار بالامس ان ينطلق من النجف الاشرف في خطوة تشكل صفعة لخصومه السياسيين في دلالاتها وتوقيتها، وهو يرى المشروع الوطني الذي بشر به مبكرا يسجل انتصارا على الطائفية، وفرطا لعقدها ورجالاتها.


فهو وان لم يكن السياسي الوحيد الذي يزور النجف ويلتقي بمرجعياتها الدينية، الا ان رئيس الوزراء العراقي الاسبق ربما يكون السياسي الاكثر حظوة وتقديرا بين المرجعيات الدينية في النجف، حتى من قادة الاحزاب السياسية الدينية التي خيبت امال المرجعية وسببت لها كثيرا من الحرج امام اتباعها.


اياد علاوي السياسي العلماني تجمعه مع المرجعية الدينية كثير من المشتركات مما لم يتحقق لغيره، اذ بين النجف ndash; المرجعية الدينية الروحية، وبين الدكتور اياد علاوي ndash; المرجعية السياسية الوطنية، مساحات واسعة لارضيات مشتركة، كلها تلتقي عند مصلحة الشعب العراقي:


فكلاهما ( المرجعية وعلاوي ) يمتلكان موقفا اصيلا وثابتا وشجاعا في رفض مفاهيم التمييز القائمة على العرق او الدين او المذهب او الطائفة او الجماعة او أية اعتبارات تتجاوز القيم الوطنية الانسانية.


وكل من المرجعية الشريفة وعلاوي كانا سباقين ايضا في الدعوة الى اشاعة روح التسامح والمصالحة الاجتماعية وتحريم العنف والانتقام في التعاطي مع المشاكل الموروثة عن الماضي، وحصر الحلول في الاحتكام الى مباديء العدالة، وسيادة القانون من خلال مؤسسات الدولة القضائية.


الا ان الاستهداف والعداء كان التحدي الذي مثل المشترك الابرز الذي واجه مسيرة الطرفين وهما يرتقيان مصافي المسؤولية الاخلاقية والشرعية.


فالمرجعية العليا في النجف الاشرف بزعامة السيد آية الله العظمى علي السيستاني كانت في مرمى حجر المتهمين لها بالتواطيء مع المحتل، وخيانة الامة، والصمت على الظلم، ولم تسلم ايضا حتى من تطاولات بعض المحسوبين عليها، ناهيك عن الاستهداف الاكبر من التكفيريين والمتطرفين والطائفيين الذين وجدوا في حكمة المرجعية مايقطع الطريق على توجهاتهم في حرق البيت العراقي بمن فيه.


وبدوافع مماثلة تم توجيه حملة عدائية ضد السيد علاوي لعرقلة مشروعه الوطني في بناء دولة مدنية حديثة تقوم على مبدأ المواطنة، فكانت تهمة ( البعث ) سلاحا اعتمد على استثارة مشاعر الضحايا، وتهييج مجتمع عانى من قسوة البعث واجرامه. والحق يقال ان موقف الدكتور اياد علاوي هو أكثر المواقف اقترابا الى حد يصل الى التطابق مع موقف المرجعية في التعامل مع ملف البعث، وكلا الموقفين يقوم على تفعيل هذه المسالة قضائيا للاقتصاص من الجناة، وتبرئة ساحة المتهمين الذين لم يتورطوا بجرائم ضد الاخرين او بحقهم، ووقف الاستغلال والتوظيف السياسي لتلك المشكلة ذات الطابع الانساني الخطير.


الا ان أكثر القضايا اثارة للاهتمام والتي تمثل اهم المشتركات بين سياسات المرجعية الرشيدة والسيد اياد علاوي هو الفهم المتماثل تقريبا لمؤسسة الدولة ومفاهيمها المعاصرة.


ويبدو الفصل بين الدين والدولة واضح المعالم الى حد كبير في فكر ومنهجية السيد السيستاني، منذ احداث العام 2003، حيث لم تطرح مرجعية السيستاني نفسها بديلا عن النظام المؤسسي للدولة، كما لم تعمل على سحب الولاية القانونية عن الدولة باتجاهها، فكان اصرارها على ان يكتب الدستور بايد عراقية منتخبة، وان يخضع اعتماده الى الاستفتاء الشعبي، اقرارا واضحا بفصل الدين عن الدولة في بلد متعدد الديانات والمذاهب والطوائف، كما ان تاكيدها على تمثيل الطوائف الاخرى بشكل عادل في مؤسسات الدولة المختلفة اشارة بليغة الى ان ارادة البلد وقرارات الحكومة، يجب ان تستند الى الارادة العامة وليس الى رؤية دينية محددة. وفي ذات الاتجاه يصب موقف المرجعية الدينية من ان العراق لايحكم بالاغلبية الطائفية بل من خلال الاغلبية السياسية، وهو مايمثل رفضا لحكم الدولة القائم على اساس ديني بواسطة الطائفة الاكبر، حتى لوكانت تمثل اغلبية سكانية، وتبني مفهوم الدولة المدنية التي تعتمد نظام الاغلبية السياسية الديمقراطي.


ونرى ان تلك المواقف تمثل جوهر وقيم الدولة المدنية لذات النهج والمشروع الذي يتبناه السيد علاوي وقائمته العراقية الوطنية.


ونلاحظ ان المرجعية الدينية قد احالت القضايا المصيرية الى الارادة العامة لتقريرها، مكتفية بالارشاد والتاثير الروحي، نائية بنفسها عن لعبة الصراع السياسي، مما يرفع الدعم عن القوى السياسية الحاكمة التي اساءت الى المرجعية من خلال التستر بها، وهو ما يشكل دعما للمشروع الوطني الذي يتزعمه السيد اياد علاوي، وان كان بصورة غير مباشرة.


المضمون الاهم في زيارة رئيس الوزراء العراقي الاسبق الى مدينة النجف الاشرف ولقاءاته بمراجعها الكبار لاستحصال الدعم للمطلب الشعبي في اعتماد القائمة المفتوحة في الانتخابات العامة القادمة، كان في الرسالة التي مفادها ان علاوي ليس على خلاف ولم يكن متقاطعا مع الدور الخطير للمرجعية الدينية في أي يوم كان، كما انها تتضمن رسالة اخرى مفادها التاكيد على صحة المشروع الوطني الذي يقوده علاوي ويحظى بمباركة المرجعية ورموزها، الذين اكدوا حرصهم الدائم على انفاذ الارادة الشعبية وتحسين الواقع المعاشي والخدمي للناس، والذين لايخفون استياءهم من الاداء الحكومي.



هادي والي الظالمي
العراق ndash; السماوة
[email protected]