quot;دليل جين اوستن للبونوغرافياquot;

إعداد عبدالاله مجيد: يشهد الوسط الفني والثقافي عمومًا في بريطانيا اتجاهًا أدبيًّا يستوحي أعمالاً كلاسيكيّة في كتابات حديثة. وطال هذا الاتجاه في الآونة الأخيرة الروائية البريطانية جين أوستن (1775-1815) المعروفة بنقدها اللاذع لروايات القرن الثامن عشر العاطفية. فصارت اليزابيث بينيت الشخصية الساحرة في رواية quot;كبرياء وهوىquot; تصارع جثثا لكنها ليست ميتة، فيما يمضي آل داشوود في quot;احساس ومعقوليةquot; الى منازلة مخلوقات بحرية ذات مجسات متعددة لتتحول الرواية الى quot;إحساس ومعقولية وزومبيونquot; (1). في غضون ذلك تعمل شركة سينمائية على انتاج فيلم بعنوان quot;كبرياء وضواريquot;. وأبى المسرح ان يتخلف عن الركب فانتقلت مسرحية quot;دليل جين اوستن للبونوغرافياquot; المثلية من العرض على هامش مهرجان ادنبرة الى وسط لندن على خشبة باتيرسي. وبالطبع كان جميع الممثلين من الذكور المثليين مع جرعة لا يستهان بها من الايحاءات الجنسية. وتدور المسرحية حول كاتب بورنو مثلي quot;زهَقت روحهquot;من تدبيج الحوارات المبتسرة وموضوع الجنس فيضعه المؤلف في مواجهة اوستن نفسها وهي تحتضر بعدما نال منها ايضًا السأم من قصصها فتستيقظ مرعوبة من عودة السيد دارسي متقمصًا شخصية أخرى. يشرع الاثنان في البحث عن الإلهام من أحدهما الآخر: جين تريد شيئًا من الإثارة الجنسية في روايتها الجديدة والكاتب المسرحي بريت يريد ان يرفد اعماله بحب حقيقي.
تلاحظ اليسون فلود في صحيفة quot;الغارديانquot; ان هناك، كما هو متوقع، عناصر الغاية من ادراجها استفزاز ذوي التفكير التقليدي المحافظ أو استخدام مؤثر الصدمة من قبيل quot;لنجعل اوستن تقول quot;ياله من قضيب ضخمquot;. ولكنها تقر بنجاح المؤلف في اضفاء هذا البعد الجديد، ولا سيما عندما يختصم بريت وجين حول ايجاد افكار لحبكة رواية. وهي ترى ان هذه العناصر المضافة سخيفة لكنها مضحكة. وفي هذا الاطار تقول جين للكاتب المسرحي بريت بكل حزم: quot;لم يُغمَ على احد في رواياتي بالمرة ما عدا ايما، هي الوحيدة التي أُغمي عليها ولم يكن السبب انها التقت ذلك الشخص quot;الذكرquot;quot;. والعلاقة الغرامية التي تزدهر بين الممثلين/الشخصيتين اللتين تبتدعهما جين مع بريت علاقة جائزة وممكنة بشكل جميل. وهي تصل احدى ذرواتها بتنويع ذكي على مشهد ماريان عندما تلوي كاحلها في رواية quot;احساس ومعقوليةquot;. وترى فلود ان حديث المسرحية عن ممارسة اللعق في الجنس وتقويل جين اوستن ان ذلك يبدو quot;متوسطيا على نحو مخيفquot; سيثير حفيظة جمعية اصدقاء جين اوستن ولكنها تضيف ان المسرحية تقدم صورة محببة عن الروائية الانكليزية وتأمل ألا تتحرك الجمعية ضدها.
ولكن فلود تتساءل عن هذا الاتجاه في ربط جين اوستن واعمالها بالجنس بل ان احدهم نشر كتابًا عن quot;المشاهد الجنسية المحذوفةquot;. ولعل هذا ناجم عن الطبيعة المغلقة أو المكبوتة لشخصيات اوستن. فإنّ أقرب ما يصل اليه القارئ في معايشة قدر من الدعابة والعبث عند اوستن هو مشهد السيد نايتلي عندما يضع يد ايما تحت ذراعه.
تشير اليسون فلود في مدونتها بصحيفة quot;الغارديانquot; الى ان المسرحية قد لا تكون ناضجة أو قد تكون استفزازية بشكل مقصود ولكن شهيتنا الى استنساخ الشخصيات وعرضها في صورة ما بعد حداثية على طريقة الكومبيوتر بالقطع واللصق لن يشبعها إلا كتاب حاذقون. وفي حالة اوستن فإن القراء يعشقون شخصياتها ويؤمنون بعلاقاتهم العاطفية وبالتالي فهم يريدون quot;ان يعرفوا ويروا المزيدquot; عنهم ومنهم.
وكما كتب جوناثان جونز فان الأدب الكلاسيكي يستطيع ان يتحمل كل ما يُرمى عليه اليوم. وكان جونز يشير الى نتاج اوسكار وايلد ولكن الشيء نفسه يصح على جين اوستن التي رُمي على اعمالها أكثر مما تلقاه غالبية الكتاب الآخرين. ولعل جين اوستن لم يخطر ببالها قط ان تكون بطلة في مسرحية مع رجلين عاريين لكن فلود لا تملك سوى الاقتناع بأن اوستن ستقابل ذلك بقهقهة صداحة. فإن ما في رواياتها من فكاهة وطرافة وحكمة يوحي بأنها ما كانت لتأخذ أيًا من هذا الذي نراه اليوم على محمل الجد.
هامش:
1- Zombie جثة يُظَن أنها أُعيدت الى الحياة واصبحت شخصا عديم الإرادة: أبله.