أحمد نجيم -مراكش: خير الأمور أوسطها، هذا الأمر ينطبق على برمجة أفلام المسابقة الرسمية، فقد عرض في اليوم السادس للمهرجان أفلام على مستوى سينمائي كبير. جاءت هذه البرمجة لتجعل المهرجان في مصاف المهرجانات العالمية. أفلام جميلة رائعة وممتعة.

فيلم quot;الحافةquot; للمخرج الروسي أليكسي يوشيتل، هو الفيلم الثاني المعروض في المسابقة الرسمية للدورة العاشرة من مهرجان مراكش الدولي للفيلم. من منظور تاريخي قدم المخرج رؤيته لروسيا.

ستالين خرج عن السكة
ففي خريف 1945 نقل عدد ممن نعتوا بquot;خونة الوطن الأمquot; إلى وسط سيبريا، مهمتهم العمل في الغابات الكثيفة وتزويد مصانع الاتحاد السوفياتي بالخشب. كل المتواجدين في السجن المفتوح خانوا الوطن خلال الحرب العالمية الثانية، الخيانة لا تعني إفشاء أسرار عسكرية أو التخابر مع العدو، بل تعني إقامة علاقات حميمية أو حتى علاقة حب مع العدو (خاصة جيوش هيتلر)، سيلتحق بهذه القرية وسط روسيا إكنار، جندي روسي حارب الألمان وهزمهم، هو والمسؤول عن المخيم يمثلان الاستثناء. إكنار مهووس بالقطارات، فقد كان بطلا قويا لكونه استطاع أن يقود قطارا روسيا بسرعة أكثر من 160 كلم في الساعة (رقم قياسي عالمي آنذاك). سينسج البطل علاقات عاطفية الأولى مع الروسية صوفيا، خانت الوطن لأنها أحبت ألمانيا، ثم مع ألمانية تدعى إلزا، هربت قبل انطلاق الحرب العالمية الثانية وظلت في الغابة القريبة من القرية. هذه الألمانية لا علم لها بوقوع حرب وهزيمة بلدها. في فضاء مفتوح (غابات سيبريا) منغلق (ممنوع مغادرته) سيقدم المخرج نقدا للفترة الستالينية ويربطها بالحاضر، يقول البطل في إحدى حواراته عن قطار سريع سماه quot;ستالينquot;، quot;كنت أملك قطارا اسمه ستالين، سرعته 165 كلم في الساعة، لقد زاغ ستالين عن سكته، لذا أنا اليوم عليلquot;. فالبطل الجندي المنتصر في الحرب يعاني مرضا عصبيا، يحاول مجهدا أن يتعايش مع ألمانية رغم أن كوابيس مشاركته في الحرب ضد ألمانيا تلاحقه. بذكاء كبير نجح المخرج في تقديم فيلم جميل ورائع، نقل بكاميراه وحشة المكان وقسوة الطبيعة ومكر التاريخ، اعتمد استعارات ذكية لم يسقط في المباشر، واختار نهاية سعيدة مفتوحة على الحياة والمستقبل.

التاريخ لا يصنع الحاضر
للفيلم الروسي حظ كبير لنيل إحدى جوائز مهرجان مراكش، ولم لا النجمة الذهبية؟ فيلم آخر سينافسه على هذه الجائزة، يتعلق الأمر بquot;غيومquot; للمخرج المكسيكي أليخاندرو كربر بيسيكي، يتقاطع هذا الفيلم مع الفيلم الروسي من خلال توظيف التاريخ لفهم الحاضر، لكن يختلف معه لكون التاريخ الذي يعود إليه الفيلم المكسيكي تاريخ اجتماعي، من خلال مسار ثلاث شخصيات: خوسي وفيليبي وأوندريس، يعود إلى أواسط الستينيات. الأول يعمل مكرها مع والده (أو من تبناه) في مصنع للثلج والثاني يدير مقهى للأنترنيت والثالث مسكون بتاريخ المكسيك القديم الحافل بالانتصارات، قد أن يدنسه كريستوف كولومبوس. درس هؤلاء في قسم واحد وعاشوا حادثا أليما ظل يطارد فيليبي. من خلال هذه الشخصيات قدم المخرج رؤيته لبلده الغارق في الخرافات والمسكون بحب جنوني للمسيح. مشاهد جميلة ورائعة للحظات الطفولة للحظات البحث عن الذات ثم الضياع في أحياء مكسيكو الفقيرة. شد هذا الفيلم انتباه القاعة لتماسكه وقدرة مخرجه على نقل أحاسيس شخصياته إلى المشاهد الذي تفاعل معه كثيرا رغم عدم فهمه لكثير من الرموز والدلالات الدينية والثقافية الموظفة من قبل المخرج. هذا التجاوب يجعل منه أحد الأفلام المرشحة لإحدى جوائز مهرجان مراكش في دورته العاشرة.
ربما أفلام يوم غد الخميس وأفلام الجمعة تحمل مفاجئات أخرى، وهذا ما يطمح له متتبعو مهرجان مراكش الذي اكتسب مكانة عالمية من خلال جودة أفلام مثل التي عرضت في اليوم السادس، وهو بذلك يصبح في مصاف كبرى المهرجانات، على مستوى البرمجة، رغم أنه مازال يافعا لا يتجاوز عمره عشر سنوات.