حميد عقبي من باريس: فيلم كباريه للمخرج سامح عبد العزيز وجدَ اشادة من نقاد كونه لم يعتمد على بطولة نجم تظل الكاميرا والشخصيات اسيرة له ويظل كل حدث مرتبط به واحتوى على عدد من الافكار المهمة مثل ازدواجية الشخصية ليس المصرية بل العربية والمسلمة بشكل عام وسبق وان لمسنا مثل هذا في العديد من الافلام المصرية والتي يعرض بعضها تجار المخدرات او الحشيش اناس ابناء بلد يعطفون على الفقير ويساعدون المحتاج وهم شخصيات متدينة مثل فيلم quot;العارquot; وفيلم quot;ارض الخوفquot; وغيرها كثير كما يصف بعض النقاد تم تنفيذ العمل باسلوب جيد هذا الربط بين الداخلي والخارجي اي الكبارية والشخصيات التي تعمل في الكبارية ومحيطها الخارجي الاجتماعي واغلبها من الفئات الاجتماعية البسيطة والتي تعيش في حارات ولكل شخصية ظروف اجتماعية معينة لكن اغلبها اقتصادية بحته.
موضوع الارهاب والعنف موضوع مهم جدا ولا بد ان تخوض فيه السينما العربية بطريقة جريئة ومتعمقة والبحث عن جذور المشكلة وتقديم الارهابي اوالشخص المغرر به من قبل الارهاب بطريقة اكثر عمقا والتوغل بداخل هذه الشخصية وما يساورها من شك وايمان ولكن في الكثير من الافلام العربية المباشرة بالطرح والسطحية تقتل وتهبط بالعمل الفني وتفقده الكثير من الجماليات وذلك بالركض دوما وراء الحكاية والسرد القصصي الممل والمبالغة بالعرض لتفاصيل يمكن تمريرها بطرق غير مباشرة بالاعتماد على الرمز والاستعارة واستخدام الادوات بشكل بصري ايحائي واعطاء المتفرج فرصة من التفكير والتامل بالصورة واثارة نوع من الجدل غير المباشر واعطاء المكان قوة تعبيرية ودلالات فكرية وروحية تساهم بشكل ايجابي في العمل الفني.
كان لدى المخرج فرصة كبيرة للخروج بعمل اكثر تميزا بالربط بين المكان الداخلي اي الكباريه هذا العالم الصاخب المتناقض وبين الامكنة الاخرى خارج الكبارية اي المحيط الاجتماعي والانساني بكل قسوته وروعته ولذته وهمومه واحلامه وتناقضاته ايضا انا لا اتفق مع الراي الذي يقول بان السينما خطاب اجتماعي محض واجدها انها فرصة للتوغل في عالم النفس والروح واسلوب فني يختلف تماما عن التلفزيون او فنون العرض الاخرى ولها ادواتها الفنية الساحرة ولديها قوة اكبر في التعبير والتاثير والفيلم ليس خطبة سياسية ولا موعظة دينية ولا بيان اجتماعي وليس من مهمة المخرج البحث عن الحلول وتقديمها بشكل مباشر واسلوب مقالي ساذج هي اكبر من ذلك وهي اخطر من اي وسيلة فنية اخرى كونها لغة عالمية وانسانية خطيرة قادرة على الفضح والتعرية وقادرة على الغوص في اعماق الواقع وليس مجرد تصوير السطح الظاهر.
شخصية في اي فيلم وخصوصا الشخصيات المهمة نحن بحاجة للاحساس بها لرؤيتها لمعرفة ما يدور بدواخلها من تناقض اوافكار اوهموم واحلام نحن بحاجة للمسها للتحاور معها للاتفاق او الاختلاف معها لرفضها او التعلق بها وعلى المخرج ان يمنحنا فرصة هذه المتعة متعة الاكتشاف والتعرف والمعايشة والحوار معها، لكن اغلب الافلام لعربية للاسف ترى بان المشاهد ساذج لذا تسرف في تفاصيل او تقدم الشخصية بشكل مباشر، ولا يدرك البعض ان اختيار اللقطات وحركة الكاميرا لها تاثير ومدلول نفسي علينا، ففي لحظات معينة وخاصة في هذا الفيلم كان من المفروض اختيار لقطات كبيرة للوجه اواحدى الادوات وخاصة في لحظات القلق والتردد والاضطراب.
الكباريه ملتقى ومفترق لاغلب الشخصيات كونها مرتبطة به بطريقة مباشرة اوغير مباشرة مثلا الارهابي شعلان الذي يريد ان يفجر نفسه وينسف الكباريه لدافع هو الشهادة اي الجنة والحور والانهار والنعيم الابدي لم نلمس او نحس بهذا الحلم وهذا العالم الميتافيزيقي الغير مرئي المحرك الاساسي كون هدفه لم يكن سياسي او اجتماعي بل كان اخروي مبني على رؤية وخيال لحياة اخرى رسمها وعمقها ثقافة وفكر معين، ونحن لا ننكر الجنة ولا نشكك في وجودها ونعلم جيدا ان هذه الشخصية نموذج موجود بعالمنا العربي الم دقيقة يساوي حياة ابدية وحور حسان وانهار من لبن وعسل وخمر لذة للشاربين وهناك من يود اختصار الطريق لنيل كل هذه النعم بتفجير نفسه داخل كبارية اومحطة قطار في لندن او باريس او نيويورك او باص لوفد سياحي وهذا افرزته ثقافة ليس في مصر فقط بل في اغلب الاقطار العربية حيث توجد مؤسسات قوية لتنمية العنف والارهاب وتتخذ من الدين كاسلوب لتحقيق اهداف لا انسانية وتقودها ايادي خفية ممولة من جهات غير معروفة وتستغل الوضع المادي والاجتماعي لبعض الشباب وتحولهم الى مجرمين وسفاحين يغتالون الحياة والبسمة ويزرعون الخوف والقلق ليس فقط في المحطات والمدن بالغرب بل حتى في اوطاننا المسلمة ولا يستبعد ان اكون انا او انت اخي القارئ ضحية احدى هذه الجرائم في يوم ما.
اذن هي قضية مهمة ومصيرية تهمني وتهمك وحياتنا جميعا في خطر وحياة اطفالنا وامهاتنا وابنائنا هي الاخرى في خطر بسبب هذه النزعة وهذا الكم الكبير من الكراهية للحياة والسلام، ولا بد ان يعمل الفن بكل وسائلة للكشف وتعرية هذا الاجرام وفضحة ولكن في نفس الوقت يجب الا يبرره بطرق ساذجة، كل شخصية في الكبارية هي شخصية مزدوجة وكانها مريضة نفسيا كما يعرضها الفيلم او كما قد يفهم البعض ولعل البعض قد يحكم فعلا بالاعدام او الموت على كل شخصية بداخل هذا الكباريه، لنتمعن مثلا في شخصية علام الذي يسقي ويشرف على الزبائن وهو يؤدي الصلوات بانتظام لكنه اسير هذا الكباريه لغرض مادي، لنرى السيد كيت المكلف بجمع النقود وهو شخص فقير ويسعى للسرقة من اجل تامين مصاريف رسوم ابنته،لنرى فرعون المحارب القديم الذي يقتل ويحرق في سبيل صاحب الكباري واخيرا تغتال كرامته ويدوس عليه صاحب الكبارية مثل الكلب، او صاحب الكبارية الذي سرق اخوه ويقاسم العاهرات ويصب الخمر للزبائن وهولا يشرب الا العصير ويستعد للذهاب للعمره، اوذلك الشخص السائح الخليجي الذي ياتي لمصر من اجل الشرب وخيانة زوجته، او ذلك الفنان الذي يمتلك زوجة صالحة ويسقط في احضان ثرية من اجل المال، اغلب الشخصيات تم تقديمها ومحكمتها والحكم عليها او تلك العاهرة التي تبيع جسدها وتنشر الفساد من اجل ان تجمع المال لامها كي تذهب للحج، هذا الربط بين الديني والدنيوي بهذه الطريقة كان استفزازيا ولا يعني هذا انه لا يوجد نماذج بالمجتمع تفكر بهذه الطريقة لكن الطرح المباشر بهذه الطريقة افقد الشخصيات احيانا جزء من عمقها، اتذكر اني قرات قصة الجريمة والعقاب منذ سنوات لكني مازلت اتذكر تلك العاهرة الطاهرة الملاك التي كانت تبيع جسدها من اجل رعاية اسرتها ويأتي ابوها لاخذ المال منها فيبكي من اجلها، وكلما شاهدت فيلم ماما روما للرائع بازوليني والذي قدم ماما روما العاهرة والام الحريصة على ابنها والاسيرة لظروف اجتماعية قاسية وكلما تحاول الخروج من سجنها وتاريخها المقزز ياتي القواد ليهددها واخيرا تفقد ابنها في ذلك المشهد الانساني المفزع بكيت وانا ارى الشاب الابن مقيد ومصلوب في ذلك المشهد الرائع والمحزن والمفجع يقدم لنا المخرج العملاق قسوة الواقع وفظاعته معتمدا على الايحاء والاستعارة والامثلة كثيرة جدا ان اردنا ضربها من خلال اعمال سينمائية عالمية.
اذا كان المخرج يريد ان يلقي موعظة دينية باعتبار النهاية هو العقاب اي الحجيم للعصاة، فالسينما ليست فن المواعظ هي فن التامل والفكر والروح وتقديم الموعظة بهذا الاسلوب المباشر كان كارثيا على الفيلم، ولوان النهاية توقفت للحظة قبل تفجير الحزام مثلا او جمع بين الحياة والموت بطريقة اكثر ذكاء ولوان المخرج لم يقدم هذه النتيجة مثلا الانتحاري يناشد زميلة بان هناك اشخاص لا يستحقون الموت وهم هنا بالخطاء امر جميل لكنه لم يقدم لنا هذا عبر جهة نظر الشخصية، اي اننا لم نرى الاحداث كلها عبر وجهة نظر الشخصية كونها هي المقرر الاول لمصير هذه المكان اذن الخلل في السيناريووالخلل كان قاتلا وربما لوان المخرج اتبع الاسلوب الجدلي الغير مباشر اي (ان نرى الاحداث او الشخصيات من وجهة نظر الشخصية التي لديها القدرة على انهاء وتدمير المكان اواحيائه) اي الحياة والموت لوان هذا تم لكان العمل قفز قفزة رهيبة جدا ونجح بشكل اروع واصبح عملا فنيا متميزا بشكل كبير للاسف بسبب المباشرة ورؤية الاشياء بشكل سطحي فقد العمل الكثير من الجماليات وفقدت الكثير من الافكار المهمة رونقها واهميتها.
- آخر تحديث :











التعليقات