الشاعر الإيراني : سهراب سبهري
ترجمها عن الفارسية محمد الأمين
عند الغروب في زحمة حضور الأشياء المجهد
ثمة نظرة متربصة تبصر حجم الوقت
وعلى الطاولة ضجيج فواكه ناضجة
ينساب نحو جهة إدراك الموت المبهمة
فيما الريح تهب لحاشية الحياة الوديعة
شميم الحديقة المترامي فوق بساط الفراغ
وكمهفاة يمسك الذهن سطح الوردة البراق
ويروّح عن نفسه
نزل المسافر من الحافلة
يا لها من سماء صافية
وخطف امتداد الشارع غربته.
عند الغروب
كان صوت ذكاء النباتات يطرق السمع
المسافر قادما
جالسا على مقعد وثير جوار العشب
قلبي منقبض
لكم منقبض قلبي
طوال الطريق كنت منشغلا بشيء واحد
وكان لون السفوح يخطف انتباهي
فيما خطوط الطرق منغمسة في حزن السهوب
يا لها من وديان مدهشة
ـ والحصان هلا تذكرته؟
كان ناصعا كمفردة نقية
كان يعلف صمت الوديان الأخضر
ثم الغربة الزاهية للقرى المحاذية
ثم الأنفاق
قلبي منقبض
ولا شيء لا هذي اللحظات الشذية التي تنطفئ فوق أغصان النارنج
ولا هذي الصداقة الزائلة المتراوحة بين أغصان الخزامى
لاشيء يحررني من هجمة الأطراف الفارغة
وها أنذا أفكر
إن هذا الإيقاع الموزون للحزن سيبقى مسموعا إلى الأبد.
هوت نظرة المسافر على الطاولة
يا له من تفاح جميل
الحياة منتشية بالعزلة
وسأل المضيّف
ـ ما تقصد بـ جميل؟
ـ أقصد فصاحة الأشياء عن حبها
والحب وحده الحب
يؤنسك بدفء تفاحة
وحده الحب
اقتادني إلى رحاب أشجان الحيوات
إلى مقام صيّرني فيه طائرا
ـ وماذا عن نبيذ الحزن السحري؟
ـ انه يمنحك صوتا إكسيرياً مصفى .
والآن، حل الليل
كان المصباح وضاء
والمسافر والمضيّف يرتشفان الشاي .
ينبغي أن نكون ممسوسين
وإلا فسيحظر علينا الترنم بالدهشة بين مفردتين
والحب
سفر إلى الضياء الراعش لعزلة الأشياء
والحب صوت المسافات الـ..
ـ . . . غارقة في المجاهيل
ـ كلا
إنما صوت المسافات الزاهية كالفضة
المتكدرة اثر سماعها للاشئ
دائما وحيد هو العاشق
دائما يد العاشق في يد الثواني الشفيفة
هو والثواني يمضيان نحو الوجه الآخر للنهار
هو والثواني ينامان على حصير النور
ويمنحان الماء أفضل كتاب في العالم
ويدركان جيدا
ما من سمكة قط
استطاعت أن تحل انعطافات النهر
وفي منتصف الليالي ه و والثواني
يستقلان قارب الإشراق المندرس
هائمين في بحار البصيرة
مجذفين نحو مقام الدهشة
ـ نكهة حديثك
تجذب الإنسان إلى أزقة الحكايا
فيا للدم الطازج الحزين المنساب في عروق لحن كهذا.
كانت الباحة متوهجة
الرياح تهب
وكان دم الليل سائباً في صمتهما.
الغرفة فضاء ناصع للتفكر
يا لأبعادها المتواضعة
قلبي منقبض
لا أنوي أن اخلد للنوم
اتجه نحو النافذة
جلس على مقعد عتيق
ما زلت مواصلا سفري
أشعر أن زورقا ما يمخر أمواه العالم
وأنا منذ ألوف الأعوام
أغني لكوى الفصول مواويل طازجة لملاحين انقرضوا
وأجذف وأجذف
ترى إلى أين يقتادني السفر؟
في أي مكان سينطبع اثر القدم ناقصا
في أي مكان ستحل أنامل الفراغ الطرية
رباط الحذاء؟
أين هو المكان الذي يفرد فيه بساط للراحة
والتنصت لصوت إناء
يشطف بماء صنبور مجاور؟
وأنت في أي ربيع ستمكث
لتمتلئ سطيحة روحك بالأوراق الخضر.؟
ينبغي ارتشاف النبيذ
والسير فوق ظل يافع
وحسب.
أين سمت الحياة؟
من أي الجهات سأصل إلى الهدهد؟
أنصت انه ذات الحديث الذي لوع طوال السفر
نافذة الحلم
فأية نغمة كانت ترن في كل الطرق في أذنيك؟
فكر
أين هي النواة المحتجبة لهذا الترنم الغامض؟
أي وزن منعش ودافئ كان يثقل جفنيك؟
لم يكن السفر طويلا
أن مرور سنونوة يقلص وطأة الوقت
وفي محاورة الريح والصفيح
ترجع الشارات صوب مطلع الذكاء
لكن ماذا حدث في تلك البرهة
حين كنت تتأمل من شرفة الصيف جاجرود المضطرب
فحصدت الزرازير حلمك؟
كان موسما للحصاد
كلما حط زرزور على غصن شجرة
تورق كتاب الموسم
وكان السطر الأول
الحياة إغفاءة زاهية لإحدى دقائق حواء
كنت تتأمل
فيما ذهن الريح منفرط بين البقرة والعشب
انظر
دائما ثمة شرخ على محيا المشاعر
دائما ثمة شيء كأنه نباهة الحلم
طري كخطوات الموت
يدركنا من الخلف
يربت على أكتافنا
فيما نرتشف عند الوقيعة دفء أنامله المشعة وكأنه سم لذيذ
وهل تذكر ldquo;فينيسياrdquo;؟
ووجه الارخبيل الهادئ؟
ففي ذلك الشجار الصدئ بين الماء والقاع
يبصر الوقت عبر موشور
ارتج ذهنك اثر اهتزاز القارب
دائما يصعد غبار العادة في لجة التأمل
دائما ينبغي معاودة السير بنفس طازج
وان تشهق وتزفر بعمق
كي يصير ناصعا وجه الموت..
أين حجر رينوس؟
قادم انا من جوار شجرة
عليها بصمت أيدي الغربة الناعمة
للذكرى كتبت عبارة من وحي الكآبة
اسقوني النبيذ هلموا
عائد أنا من السياحة في ملحمة
وكالماء رقراق ومتلاش عن ظهر قلب
كحكاية سهراب والنبيذ السحري.
إلى مزرعة طفولتي اقتادني السفر
وقفت كي يستقر قلبي
أنصت لحفيف فراشة
وحينما أشرع الباب، انكفأت على وجهي اثر هجمة الحقيقة.
مرة أخرى ، تحت سماء المزامير
عندما استيقظت جنب ضفة نهر بابل
كان نغم البربط منطفئا
وحينما أصغيت، بكاءات كانت تتوافد
وبضعة برابط هائجة
في تلك الرحلة كان الرهبان الطاهرون
يشيرون إلى ستارة النبي ارميا الصامتة
وأنا بصوت عال ارتل سفر الجامعة
فيما فلاحون لبنانيون
يجلسون تحت أشجار نبق هرمة
يحصون في أذهانهم ثمار أشجارهم.
على قارعة الطريق
كان الأطفال العراقيون العميان
ينظرون إلى خط مسلة حمورابي.
طالعت كل صحف العالم.
كان السفر مليئا بسيلان
فيما سقفه مأزوم ومسخم
يفوح برائحة الدخان اثر صخب الآلة
وعلى الرمال، قناني نبيذ فارغة.
تجاور شقوق الغريزة وظلال الاحتمال.
في منتصف الطريق،
كان صوت السعال يصاعد من مصحات المسلولين
بينما العاهرات يتابعن بنظراتهن
أثر دخان الطائرات النفاثة،
الممتد في سماء المدينة، الزرقاء
الأطفال يلاحقون الطائرات الورقية
كناسو الشوارع يرددون الأناشيد
فيما الشعراء الكبار
يصلون على وريقات مهاجرة.
وطريق السفر النائي يمضي بين الإنسان والحديد
قاصدا جوهر الحياة الخفي
متصلا بغربة ساقية يافعة
ببرق صدفة صامتة
واتساع لون بألفة لحن.
إلى المناطق الاستوائية اقتادني السفر
وكم أتذكر تحت أشجار البانيان الصامدة
جملة ولجت في مستنقع الذهن
كن واسعا،وحيدا مطأطئ الرأس وصلدا.
قادم أنا من صحبة الشمس
أين هو الظل؟
لكن مازالت القدم دائخة اثر تشعب الربيع،
رائدة الحصاد تفوح من يد الريح
وحاسة اللمس مغمى عليها.
خلف غبار مزاج النارنج
في هذا التجاذب الزاهي
من يعلم في أية نقطة من الموسم ستستقر صخرة عزلتي؟
مازال الغاب يجهل أبعاده اللامتناهية
مازالت الأوراق تستقل الحرف الأول من مفردة الريح
مازال الإنسان يسر شيئا للماء
وساقية حوار تسري في ذاكرة العشب
وعلى مدار الشجرة
ثمة دوي لجناح حمامة هو الحضور الغامض لسلوك الإنسان
همس همهمة يأتي. المحاور الوحيد لرياح العالم انا.
لي فقط،همست انهار العالم سر الفناء الطاهر.
هناك على قارعة سرناك
فسرت معنى أقراط التيبت ذات الماركة العرفانية
لأذان فتيات بينارس الخالية من الاقراط
فيا نشيد صباح الفيدوات
ضع على كتفي كل ثقل الطراوة
فانني مصاب بحمى التكلم
ويا كل أشجار الزيتون الفلسطينية
حدثيني عن وفرة ظلالك
حدثي هذا المسافر الوحيد القادم من سياحة الطور المحموم
بحمى التكـلم.
لكن ذات يوم سيمحى التكلم
وفراشات الحواس المنتشرة
ستخلع البياض على شوارع الهواء
فيا للقصائد التي انشدوها لهذا الحزن الموزون.
لكن، مازال شخص ما يقف قرب شجرة
فارس ما يمكث خلف بوابة المدينة
حلم معركة القادسية الهنئ
يثقل جفنه الندي.
مازال صهيل خيول المغول المارقة
يصاعد من مزارع البرسيم الهادئة
مازال التاجر اليزدي يغمى عليه جنب طريق الحرير اثر تنشقه توابل الهند
وقرب هامون مازلت تسمع
استولى الشر على ارجاء الارض
الف عام انقضى
لم نسمع نغمة استحمام
ولم تنطبع صورة فتاة على الماء.
في منتصف الطريق على ضفة جمنا
كنت جالسا
محدقا بمشهد تاج محل الراجف فوق الماء
حيث الديمومة الرخامية للحظات الاكسيرية
واتساع الحياة في جسد الموت
انظر ان الجناحين الكبيرين
مازالا يواصلان رحلتهما إلى حافة روح الماء
انظر ثمة قدحات مدهشة جوار اليد
تعال وأشعل المصابيح في ظلمة الإدراك
شارة واحدة فحسب
الحياة ضربة هادئة على حجارة المغارة،
في مسير السفر
شطفت طيور روضة النشاط
غبار التجربة عن عيني
ودلتني على عافية سروة
جلست جوار تال
ورحت اترنم بدفء
اجلالا للمشاعر التي اضاءت اعماقي.
لابد من العبور
ومرافقة الافاق النائية
واحيانا نصب خيمة في شرايين كلمة
لابد من العبور
واحيانا التهام حبة توت من مطلع غصن..
كنت اتمشى قبالة الغزل
وكان الموسم موسم البركة
وتحت قدمي كانت تدهس اعداد الرمال
امراة سمعت ذلك
دنت من النافذة،القت نظرة على الموسم
كانت في بدء ذاتها
وكانت يدها البدوية تحصد بحنان
ندى اللحظات من مشاعر الموت.
وقفت وكانت شمس التغزل سامقة
كنت مواظبا على تبديد الاحلام
محصيا ضربات نبتة غريبة تطرق الذهن
كنا نظن اننا بلا هامش
كنّا نظن اننا عائمون بين النصوص الاسطورية لزهرة ريباس متشنجة
وان ثواني من الغفلة هي حصيلة كينونتنا..
كنا في مطلع العشبة الخطرة
حينما هوت علي نظرة امراة:
جاءت وقع خطاك
ظننتها الريح تلاعب ستائر بالية
كنت قد سمعت رنين خطاك جوار الأشياء
ـ أين هو حفل الخطوط
ـ انظر إلى التموج، إلى تشظي جسدي
الشاسع؟ ـ من اية جهة سأصل إلى السطح
واملأ امتدادي حد حافة الكأس الرطبة
عطشا
في أيما مكان ستصير الحياة ظريفة كما انكسار آنية
متى سيدر سر الفطر لعاب الحصان؟
ـ وفي حشد الأيدي الجميلة، سمعنا ،ذات يوم
إيقاع اقتطاف عنقود.
ـ في أيما مكان جلسنا على العدم
وغسلنا أيدينا ووجوهنا بدفء تفاحة؟
ـ قدحات المستحيل تصاعد من الكينونة
ـ في أيما مكان سيصير رعب التأمل لطيفا
وأكثر خفاء من مسار الطائر نحو الموت؟
في محاورة الأجساد لكم كان طريق الصفصافة نيرا
أي السبل تفضي بي إلى مزرعة المسافات؟
لابد من العبور
إنها همسة الريح، لابد من العبور
ومسافر انا أيتها الرياح الدائمة
خذوني إلى رحاب تشكل الوريقات
إلى ملوحة طفولة المياه
وإلى أن يتكامل جسد العنب
املئوا أحذيتي بنشاط الجمال
ارفعوا لحظاتي إلى ذرى الطيور
ودعوها تتسامى في سماء الغريزة الناصعة
وأحيلوا حادثة كينونتي المجاورة للشجرة
إلى صلة مفقودة وطاهرة
وحين أتنفس العزلة
بعثروا شبابيك مشاعري.
ابعثوني لمطاردة الطائرة الورقية للأيام تلك
ابعثوني إلى خلوة أوجه الحياة
ودلوني على مقام الهباء الملائم








التعليقات