قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل يموت الشعراء؟ وكيف يموت من جعل الدهر منشدا لأشعاره؟ فبموت الشاعر يودع تراثه ولغته وأصداء عصره واسلوبه وعقليته تراثا للأجيال القادمة.
وعند دراستي للشعر العربي الحديث اعجبت بغنائية شعر الشاعر فاروق شوشة وجزالة لفظه وعمق جذوره في التراث العربي وذوقه الرفيع في اختيار اجمل قصائد شعر الحب الإلهي والوجداني.
كنت مولعا بدراسة حركات التجديد في الشعر العربي الحديث والتحرير من قيود القافية والوزن بتأثير الشعر الأوروبي والامريكي وكان شاعرنا الفقيد احد السائرين في ركاب الشعر الحر المنوّع القافية والمتغيّر في عدد التفاعيل في ابيات القصيدة الواحدة الذي يعبر عن تجارب شعرية يعانيها الشاعر. وعندما زرت القاهرة في أواخر القرن الماضي كنت مهتما بتاريخ مصر في عصر الجبرتي وكان خير من مد الي يد المساعدة هو البروفيسور ايمن السيد من دار الكتب القومية بالقاهرة والاديب الكبير المرحوم أنيس منصور ولم أحاول الاتصال بالشاعر فاروق شوشة لانه كان يعمل في دار الإذاعة المصرية وكان المثقفون المصريون آنذاك في مثل هذه المناصب مشبعين بعربوية مصر الناصرية ويخشون كلمة التطبيع خشيتهم من جمر الغضى، ولذلك امتنعت عن احراجه بعد ان لاقيت ما لقيت من اعراض امثاله من الموظفين الحكوميين والعربويين والاخوانجية في تقوقعهم الثقافي والعلمي حتى في خدمة الأدب والشعر العربي.
ومع ذلك فقد غفرت لهؤلاء المتعصبين الذين يأبون التعاون العلمي في الأبحاث الأدبية والفنية وفضلت الاهتمام بشعراء الإنسانية الكبار من امثال صلاح عبد الصبور والشاعر عبد المعطي حجازي. فهؤلاء الشعراء فهموا قواعد الثورة الكبرى التي قام بها الشاعر العراقي المبدع المرحوم بدر شاكر السياب في شعره الحر الذي انتقل من مقومات الشعر العربي الخطابي والحكمي التقليدي بعدد تفاعيل الابيات الثابتة والقافية الرتيبة المهومة، ووحدة البيت بانتهائه بقافية يتشوف اليها المعنى، الى شعر التجربة النفسية في حالة حدوثها متجنبا تحنيطها وإعادة وصفها الخارجي.
ومع ذلك فقد اعجبت بذوق شاعرنا الرفيع في مختاراته لقصائد الحب ومشاعره حول ما آلت اليه الأوضاع السياسة في العالم العربي، وواكب احداث العالم العربي في برامجه الإذاعية. وخير مثال لشعره الوطني والقومي هو قصيدته عن بغداد، فأثارت أشجاني وانا ابن بغداد بمرثيته الرائعة عنها حين صاح مزمجرا كالاسد الهصور ، بغداد يا بغداد التي هزت كياني :
كيف الرقاد ! وأنت الخوف والخطر
وليل بغداد ليل ماله قمر !

ها أنت فى الأسر : جلاد ومطرقة

تهوي عليك وذئب بات ينتظر

وذابحوك كثير ؟ كلهم ظمأ

إلى دماك ؟ كأن قد مسهم سعر

أين المفر؟ وهولاكو الجديد أتى

يهيئون له أرضا فينتشر

أنى التفت فثم الموت ؟ تعزفه

كفان بينهما التاريخ ينشطر

بغداد حلم رف واستدار

كما يزف طائر

نأى به المدار

وحينما قصدت بابها الوصيد ذات يوم

على أضيع فى رحابها الفساح

أسلمت نفسى للهوى القديم واستكنت

فتحت هذه الحجارة المهمشة

يرقد

-في شوارع الرشيد والمنصور أو أبى نواس -

جميع من قرأت من نجومها

ومن رجالها الأقمار

ومبدعى ديوانها المملوء بالفتوح

والأفراح والجراح والعمران

والخراب والفنون والجنون

والثورات والثوار !

وليلها المزهر فى سماء عنفوانها !

كأنه نهار

وها أنا

أسير بين الكرخ والرصافة

أبحث عن عيون هاته المها

أسأل كيف طاب لابن الجهم

موسم الغرام ؟ والأشعار
رحم الله الشاعر الغنائي الكبير فاروق شوشة، واسكنه فسيح جنانه.
الجامعة العبرية باورشليم-القدس