بصراحة ودون أدنى مبالغة لم تعد تفزعني الأرقام والإحصائيات المخجلة، التي ظللت أطالعها طيلة عمري في الولايات المتحدة ـ كمهاجرة مصرية، وزوجة مهاجر مصري ـ والتي لم يكن آخرها تلك الدراسة التي أعدها باحثون عرب يتبعون quot;مركز زايد للتنسيق والمتابعةquot; بدولة الإمارات، وقد خلصت إلى أن إجمالي ما ينفق على الطالب في مصر في مجال التعليم سنوياً لا يتجاوز 129 دولار، أما في إسرائيل فيبلغ 3500 دولار، وفي أميركا 10 آلاف دولار، وفي سويسرا 12 ألف دولار، وأضافت أن كافة البلدان العربية مجتمعة لم تنفق إلا نحو 1.2% من مجمل الإتفاق العالمي على التعليم العالي، وهو ما يضعها في أدنى مرتبة بين مناطق العالم بعد أفريقيا.
لم تعد تفزعني تلك الأرقام والإحصائيات بعد أن اعتدنا على قراءتها، وأصبحنا نتعايش مع نتائجها وما تعنيه من دلالات تؤكد تخلفنا على نحو يثير الخجل، لكن ما أفزعني حقاً، هي تلك الواقعة التي شهدتها عدة ولايات أميركية مؤخراً، ولكن كان جميع أبطالها من الطلاب المصريين، الذين أتوا مبتعثين من جامعة المنصورة إلى الولايات المتحدة ضمن برنامج للتبادل الطلابي في جامعة مونتانا.
ومن أصل 17 هم كل أفراد البعثة اختفى 11 طالباً دون إخطار جامعاتهم، أو إبلاغ سلطات الهجرة بمكان وجودهم، كما تقضي بذلك القوانين الأميركية التي صدرت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، في مسلك يثير الشبهات خاصة وأن واقعة الاختفاء تزامنت مع الإعلان عن كشف مخطط لتفجير طائرات أميركية قادمة من لندن، الأمر الذي أثار مخاوف من أن يكون من بين هؤلاء الطلاب من ينوي ارتكاب عملية إرهابية هنا أو هناك، لهذا رفعت درجة الاستنفار الأمني حتى تم العثور عليهم جميعاً، كما أثارت الواقعة اهتمام كافة وسائل الإعلام الأميركية بصورة ملحة، حيث ربطت بين اختفائهم المفاجئ ومخططات لتنظيمات إرهابية تهدد بتنفيذ تفجيرات في كل مناسبة، وحتى من غير مناسبة.

إرث حضاري
بكل صدق وتجرد، أرى أننا أصبحنا الآن أكثر من أي وقت مضى مضطرين إلى تذكير أنفسنا قبل الآخرين بأن مصر طيلة تاريخها الضارب في عمق الزمن كانت معروفة بأنها quot;بلد البنائين العظامquot;، وليست قاعدة للتخريب ونشر الذعر بين الأمم والشعوب، فقد بنى جدودنا حضارات عظيمة وشرعوا القوانين التي تنظم حياة الناس، وحتى في العصر الحديث فقد شاركنا في عمليات سلام عديدة، وكانت مصر دائماً واحة للمضطهدين، ففي ربوعها تجد الأرمني الهارب من اضطهاد الأتراك، واليوناني الباحث عن الرزق الوفير، وحتى اليهودي وجد ضالته في ربوع مصر وتسامح أبنائها وميلهم الفطري إلى السلام والأمن حين كانت أوروبا تضطهد اليهود، وغير ذلك من النماذج في مصر الليبرالية الجميلة.
كل هذه مجرد نماذج على سبيل المثال لا الحصر، من تراث بلد عريق يحمل أبناؤه على كتوفهم إرثاً حضارياً عظيماً، وأرى أنه ينبغي علينا جميعاً أن نتخذ كافة الاحتياطات اللازمة للحفاظ على تاريخنا، وأن نعمل ـ وليس فقط نتحدث ـ على إقناع العالم أننا نحن المصريون العريقون في صنع الحضارات، وليس في تدميرها والتورط بجرائم الإرهاب والكراهية .
وحين تابعت أزمة الطلبة المصريين، وما أثاره سلوكهم المثير للشبهات في الصحف ومحطات التلفزيون الأميركية، تذكرت سلوك أعضاء البعثات التعليمية الأولى الذين سافروا من مصر إلى مختلف بلدان أوروبا وأميركا، منذ القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وكيف نهل المبتعثون الأوائل من المعارف الحديثة في كل العلوم والفنون وشاركوا أبناء العالم بجهودهم ودراساتهم، وأسهموا بجدية في صنع الحضارة المعاصرة، لكن بعد مسيرات طه حسين والشيخ محمد عبده ونبوية موسى وغيرهم، يبدو أن الأمر تغير كثيراً، فهاهم من يفترض أنهم quot;صفوةquot; طلاب جامعة المنصورة، يتصرفون على نحو يثير الشبهات والشكوك، ويلطخ سمعة بلادهم، ومع كل ذلك هناك من يلقي باللوم على القوانين الأميركية، دون التوقف أمام سلوك أبنائنا، الذين هربوا من الجامعات ليعملوا في مهن لا تليق بمستقبلهم، لو أنهم كانوا جادين في دراستهم وتأهيل أنفسهم.

بناء الضمير
وإزاء كل ما يحدث اليوم في العالم سألت نفسي: كيف كان يفكر هؤلاء الطلبة المصريون؟، ولماذا وصل حال التعليم في جامعاتنا إلى هذاالمستوى، وماذا نعلمهم، وأين الصدق واحترام النفس ولماذا انهارت أخلاقياتنا على هذا النحو الخطير؟، وحتى أين الـ Common Sense وماذا حدث للشخصية المصرية العامة وهل هذا ما تستحقه أميركا بعد أن منحت آلاف الفرص للطلاب المصريين ليتعلموا مجاناً في الجامعات الأميركية؟
أتساءل هنا تحديداً عن الخلل في بنية الضمير، كيف يسمح المرء لنفسه بأن يكون جاحداً لمن مد له يد العون، وأن يتنكر لمن ساعدوه ومنحوه فرصة لإثبات ذاته؟
سألت نفسي أيضاً إن كانت مثل هذه التصرفات تصب في خانة تأكيد حقيقة بعض القصص التي أسمعها دائماً من أبناء الجالية العربية الفقيرة التي حضرت إلى أميركا واستفادت من برامج الدعم الاجتماعي لمساعدة محدودي الدخل، وحصلوا على المساعدات، لكنهم ما لبثوا أن أبدوا شعورهم الحقيقي بشتم أميركا التي منحتهم الفرص وساندتهم, وهنا أذكر أن صديقتي زينب أحمد فهيم حدثتني مراراً عن عدم ارتياحها من هذه الشكاوى من الجالية العربية الفقيرة وقالت أنها تشعر بأن مواطنيها يكرهون وجودهم في هذا البلد، ويرددون في مجالسهم الخاصة إن (اللي ييجي منهم أحسن منهم) .قصارى القول أن ما أقدم عليه الطلاب المصريون من سلوك غير منضبط ومخالف لقوانين البلد التي يدرسون بها (أميركا) قد أضر كثيراً بسمعة مصر، والخطير أن سلوكهم سوف يؤثر سلبياً على مستقبل زملائهم الطلاب الجادين في المستقبل.
وأخيراً، وحتى نفهم ما حدث من تخريب في شخصية المصريين، فإن الإجابة ـ أو جانباً منها ـ تحملها دراسة صادرة من مركز البحوث الجنائية في مصر تقول إن إنفاق المصريين على الدجل والشعوذة يتجاوز ثلاثة مليارات جنيه سنوياً، وإن هناك 300 ألف مصري يزعمون العلاج بتحضير الأرواح.

ناشطة مصرية تعيش في الولايات المتحدة