الثلاثاء 6/1

* تتقطع نياط قلبي وتسوء حالتي العامة، كلما استمعت إلى تفاصيل مأساة، مما تحفل به الحياةُ من حولي. ولشد ما حاولتُ مراراً وتكراراً، أن أضع مسافةً بيني وبين ما أسمع، إنما بلا جدوى. فكيف تكون شاعراً، بل إنساناً عادياً ولا تتأثر؟ إن الحجر ذاته يتأثر لو سمع. فما أولى الشاعر والأب والمواطن، أن يتأثر ويذوب من هول ويومية ما يسمعه ويراه، كأنّ المآسي هي القاعدة، في بلادنا المبتلاة، والحياة العادية هي الاستثناء. إلهي رحمتك! لقد تكسّرت النصالُ على النصال، ومن حق هذا الشعب الطيب أن يرتاح قليلاً. ففي حياة مصبوغة بالدم اليومي، طوال تسع سنوات صحراوية، من حقنا أن نرتاح ولو قليلاً. فهذا ليس ترفاً، بل ضرورة لكي تستمر الحياة، وإلا كانت العدميةُ هي عنوان حياتنا البائسة. آه كم أشتاق إلى يوم واحد في الشهر بلا شهداء وبلا دموع!

* بعد الأسبوع الأول من الحرب، لم تعد تُثيرني مآثر شعبي. بعد الأسبوع الأول من الحرب، أصبحتُ، كلما سمعتُ عن مأثرة _ أضع يدي على قلبي! فالمآثر تجرُّ المآثر _ هكذا علّمتني مآثر الانتفاضات السابقة. كم أودّ يا شعبي أن تعيش كما يعيش الناس: يشربون حليبهم بسلام ويستقبلون الصباح بابتسامة.

* بكيت في ليلي الكانوني الطويل والبارد. أحد الأطفال من جيراني ذهبَ ليشتري فلافل لأبيه، فباغتته شظية صاروخ قريب في رقبته وظهره. هو الآن في حالة موت سريري. تُرى: ما الأفكار التي تعبر الآن رأسَ الأب؟ الموت من أجل عشر حبّات فلافل؟ أثمة عبث في فجور الفنتازيا أقسى وأقصى من هذا العبث؟ لِيُصبّر الله أباك يا معتصم عوض الله! أما أنا فلي جنوني الذي أُسيطر عليه.

* عن صحيح: هل كان باراك طفلاً ذات يوم؟ هل كان quot;إيهودquot; هذا طفلاً في الماضي السحيق؟ من ناحيتي أنا فعلاً أشكُّ، ولهذا السبب أنا موجود quot;ولكنْ إلى حينquot;! فطائراتهم اقتحمت المكان الآن، وها أنذا أستمع إلى هديرها .. من يضمن نفسه بعد دقيقتين؟ من يضمن نفسه في سياق كهذا السياق؟

* الجحيم كلمة. أما باراك فثلاثون سنة من الجبروت والظلم، ثلاثون سنة بمليارات التفاصيل، فلماذا نجبر اللغة على وصف ما لا يوصف؟

* [تعقّلْ يا ألمي، واهدأ قليلاً] هل كان بودلير يُخاطب قرحةَ المعدة؟

الأربعاء فجراً

* تعويد النفس على التكيّف مع هاجس الموت، هو أفضل حلٍّ للمسألة الكبرى برمّتها.أما إذا تقدّمتَ خطوة إضافيّة في هذا المضمار، فتعايشتَ مع ذلك الهاجس وكأنّه صديق ثقيل لا مفرّ من صداقته؛ فإنكَ _ آنئذٍ _ تكون قد بلغتَ أولى مراتب الحكمة. فإذا تقدّمتَ خطواتٍ أبعد، فنظرتَ إلى الموت كضرورةٍ أخيرة وجميلة لاكتمال حياتكَ. وأحياناً: كخاتمةٍ لا تخلو من لذّةٍ وغبطةٍ عميقتين، خاتمة مُتمنّاة، فإنكَ آنها تكون قد بلغتَ الفلسفة. فما الفلسفة سوى امتداح الموت. وما الفلاسفة سوى مدّاحي موتنا على هذه الأرض .

*تعاطفتُ مع بشر مُختلفين وخذلوني: جاء دوري لكي أتعاطف مع أشجار مُختلفة.

*ما إن تسخن يدي في الكتابة، فتروق الكتابة وتحلولى، حتى يحين موعد القصف! ثمّ: على إيشْ أسهر حتى الصباح؟ ألا يكفي السهر حتى الواحدة صباحاً؟

* ما قمتُ مرّةً، لأُغطّي الأولاد في الليل، إلاّ أجبرني تأمّلي الحزينُ على التفكير في هشاشتهم، ومن ثمّ: هشاشة الوضع البشري برُمّته. يا إلهي كم تفتقرُ طينتُنا إلى الأمان. ويا إلهي _ كم كان مُوفّقاً حكيمُ المجرّة!

* وماذا بشأن الأشجار؟ والأنهار؟ والنزهات الخلويّة؟ وأكْل السمك مرّتين في الأسبوع؟ والترقية في الوظيفة؟ وعدم الخوف من نفاد (لا نفاذ) السجائر؟ وشراء ملابس للأطفال؟ وإكرام بنت الناس؟ وماذا بشأن الأحلام الأخرى الكبرى والصغرى؟ وماذا بشأن الحياة ذاتها؟ ألم يؤن الأوان لتحياها؟

* كُفُّوا عن إطلاق مدافعكم. إن ليس من أجل الرحمة، فعلى الأقلّ من أجل الحفاظ على وقار روح الليل!.. أيها السفَلَة. نعم: أيها السفلة الكولونياليّون! .. كُلُّ هذه الجحيم بسبب طلْقةٍ تعطُسُ؟.. والحمار الذي على الجانب الآخر _ حمارنا نحن هذه المرّة: ألا يريد هو الآخر أن يكفّ؟

* السكينة ويناير وأنا: أضلاع ثلاثة هي الأضلاع الوحيدة في الكون التي لا تصلح لتكوين مُثلث.

* مَحْمِيٌّ بهرطوقيّة الصدفة. وأحياناً، بقناع الذّهول _ أنا وشعبي.

* النوم هو عبقريّة زوجتي في أيام الحرب الأخيرة. والسهر حتى الصباح (وليس الفجر) هو عبقريّتي في سنوات عمري الأخيرة. شوفْ كم تتشابه العبقريّات.

* ما فعلته فينا إسرائيل كَبشرٍ عاديين وكمثقفين، شيءٌ فوق التصوّر: لا أقلّ من إعاقةٍ في روح كلّ فردٍ منّا. ولكي نتجاوز هذه الإعاقات نحتاج على الأقلّ إلى نصف قرن من الزمان. فهل رأيتم خسارات عُظمى كهذه الخسارات؟ ثم يأتي إليك مَن يطالبك بنسيان الماضي! وكأنّ الذاكرة البشريّة كذاكرة الكمبيوتر: بضغطة زرّ يمكن مسحها. أيّة جلافة وأيّ افتراء؟!

* ثمّة مَن يُجهّزُ نفسه من الآن لكي يَعُدّ على أصابعه تعاسات أيامنا المُقبلة.

* تربّينا على أنّ للكاتب مسؤوليّة إزاء العالم. ولكن.. ماذا عن مسؤوليّة العالم إزاء الكاتب؟ على أيّة حالٍ، صدقَ أحدُهم إذ قال: quot;إنّ العالم بكلّ واقعه البغيض، شيءٌ لا مهرب منه في الأخيرquot;.

* قُلْ لباراك أن يفتري كيفما شاء. فدائماً: العالمُ لا يخلو من نازيين. أما أنتَ: فلكَ مسالكُ أخرى للمقاومة. في صباحات الحرب تُجهّز الفطور لأطفالك. وفي مساءاتها: تقرأ وتُحبُّ الإنسان.

* يأتيني صوت عباقرة quot;الجزيرةquot; من راديو الجيران. يأتيني صوت فطاحل quot;العربيةquot; من راديو الجيران. يأتيني صوت نوابغ البي بي سي من راديو الجيران. سعيدٌ ذلك الشعب الذي لا تُحلل أخبارَهُ _ كبرت أم صغُرت _ الفضائيّات!

* وَفِّرْ لي سجائرَ، وقهوةً، ومعدةً تحتملُ السجائرَ، ومعدةً تحتملُ القهوةَ، وليلاً، ومعدةً تحتملُ الليلَ، وسَهراً، ومعدةً تحتملُ السهرَ _ثُمَّ تعال حاسبني! لقد تطوّر ألمُ معدتي إلى مناشير تنشر العمود الفقريّ بظهري حتى وصلتُ إلى حدّ النوم خمسَ ليالٍ وأربعةَ أيام في المستشفى! وما من شفاء على أيدي أطباء الباطنة وما من أملٍ في الشفاء. [وكيف يكون الشفاء وما من شفاء _ بالتجربة _ إلاّ عبر حُبيبات (اللُوزِكْ) باهظة الثمن؟] وَلَّا أقولُ لكَ: وفّرْ لي أنتَ المعدةَ، وأنا عليّ السجائر والقهوة والليل والسهر والقرطاسيّة أيضاً فأيضاً! ..حلوةٌ (أيضاً فأيضاً) هذه. إنها المرّة الأولى في العربية أقرأُ (أيضاً فأيضاً)، أمّا المرة الأولى التي أقرأ فيها (أيضاً وأيضاً) فكانت عند توفيق صايغ عنواناً لإحدى قصائده!

*منذ أُعطيتُ الحياة لم يفارقني الشعورُ بهشاشتها. أذكرُ من طفولتي المُبكرة، أنني كنت أعاني من سوء التغذية، وبسبب ذلك، كان يتلبسني أحياناً وَهَنٌ غريب؛ فإذا كنتُ واقفاً أتهاوى وأجلس: لا شيء يصلب طولي. إنها الإغماءة.. ويا شدَّ ما كانت تزورني بين الأسبوع والآخر. لذلك لم يتسنّ لي أن أثق تمام الثقة _ في أي يوم _ بأُعطية الحياة. على العكس: لقد كان يرافقني الإحساسُ الفاجع بأنّ هذه الأُعطية يمكن أن تُؤخذ منّي في أيما وقت. وعندما كبرتُ، وقرأتُ، ولامستُ أفق الفلسفة: تثقّف إحساسي ذاك وتعزّز، يوماً بعد يوم، إلى أن تحوّل إلى شعور لا يبرح: الأسى! الأسى على الحالة البشرية، والأسى منها. لستُ كبيرَ ثقةٍ بما أراه وأسمعه وألمسه: ومن أين تأتي الثقة وكل ما حولي زائلٌ وسريع التبدّل؟ لَكَم تماهيتُ مراراً مع هشاشة النملة! ولكَم بكيتُ على عصفور مات أمامي ذات يوم! قد أبدو لنفسي أحياناً سنتمنتالياً، وقد أقولُ أحياناً لها: إنّ هذا لا يليق برجلٍ عاش وجرّبَ. غير أنّ حقيقتي في جوهرها الخالص هي هذا ولا شيء سواه. فلمَ أتعالى ولمَ أتقنّعُ ؟ كل كتاب أمتصُّ رحيقه، كل تجربة أضيفها إلى ما سبقها، كل تأمل كثيف أو خفيف: كل ذلك يُعيدني إلى النبع الأول: إلى الأسى. حتى أنه _ الأسى _ صار في نسيج ملامحي. ولا حول لي ولا قوة. أضحكُ فيكون ضحكي أسواناً، وأفرحُ فلا يختلف. الأسى دائماً وأبداً: الأسى من الحالة البشرية، والأسى عليها. ولا أظنني بعد الأربعين أغيّرُ وأُبدِّل: كان أسىً في القلب، وصار أسىً في العقل _ فعلى أيّ جانبيكَ تميل؟ وإلى أي مدرسة وكالة تهرب، وقد هرب بعض جيرانك الآن خوفاً من قصف الجار الرابع؟!

* [أعتقدُ أنّكَ تظنني أحمق _ ومع ذلك فأنا أصبو إلى الموت. وليس إلى الحياة الأبدية يا نرسيس، فهذه لا تهمني أبداً، وبعبارة أوضح أقول أني لم أعد أؤمن بها. لا وجود لما يُسمّى بالحياة الأبدية. إنّ شجرة ذابلةً هي ميتةٌ إلى الأبد، وعصفور متجمّد لن يعود أبداً إلى تحريك جناحيه. فلمَ يجب أن تكون جثة الإنسان في حالٍ أفضل ؟hellip;،hellip;.] هيرمن هسّه من رواية quot;نرسيس وغولدموندquot;.

*..وأنتَ تنظرُ إلى برعمٍ نابتٍ، تَأَنَّ قبل أن ترفع نظرتكَ عنه.فليس من الحكمة أن يسرعَ الإنسانُ في إشاحة النظر عن أشباهه!

* أمرٌ غريبٌ ومريب: لا أشعر ب(المرح) إلاّ إذا رأيت شيمي العزيزamp;! شيمي _ رغم كلّ كذبه_ يُخلّفُ فيّ بعد مشاهدته _ وليس أثناءها _ قدرةً على المرح، لا أجدها أحياناً عند الممثلين المحترفين الكبار. ما الأمر حقاً؟ هل بدأتُ أفقدُ بعضاً من قواي العقلية، أم أنّ أفقي _ بالعكس _ يتّسع ويتّسع؟ على العموم: لا خطر على الإطلاق من أن يحسّ المرءُ بالمرح _ حتى وهو مع شَمْشَمْ ! أليس ذلك أفضل من الكآبة التي تُدخلني في قفصها مشاهدتي لكثيرٍ من الرؤساء العرب؟!


* قال بورخيس: quot;العالم _ لسوء الحظ _ واقعي؛ وأنا _ لسوء الحظ _ بورخيسquot; فماذا أبقى لي هذا الساحر المبصر، لأتفكّه مع ذاتي _ في الليالي شحيحة البهجة _ ومع قارئي المُفترض؟ مع بورخيس، لا أقترفُ الحبر، بل أواصل القراءة، مبتعداً ما استطعتُ عن خطيئة ابتذال البياضيْن: بياض ورقته هوَ وبياض ورقتي! لكنني الآن بحاجة إلى تغيير طفيف: أضع اسم بيريس مكان اسمه. ولا أظنّه في تربته سوف يزعل مني (فبورخيس كان، لمن لا يعرف، صديقاً منحازاً ومتعصباً أعمى لإسرائيل، وهذا موضوع آخر سأكتب عنه قريباً).

*في كانون الثاني/ يناير، من كل عام، أعرف ماذا تعني جملة quot;أدخله الله في التجربةquot; والتجربة في هذا السياق البارد، هي بالطبع _ إضافة إلى الحرب _: البرد والصقيع. حيث تندلع في كتفي اليسرى آلام الروماتزم الفظيعة المرعبة. يا إله الودعاء الطيبين: ألا يوجد واحد غيري تجرّب عليه كلّ هذه الفظاعات!

*وقور ومتروٍّ، حصيف ومقتصد اللسان. كما لو أنه فيكتور هوغو في فتوته .._ هذا الكولونيل الجديد quot;الناطق العسكري باسم جيش الدفاعquot; وهو يُطلّ من خلال الشاشة.

*الموت؟
والله مش عارف .
إنما أكيد أنه: حياة أقلّ!

* أضع أحلامي تحت إشرافي الشخصي _ تلك أنجع الطرق للحفاظ على هذه الأحلام!

*أحتاج إلى الخبز قبل حاجتي إلى الدين. قالها أحدهم بصياغة مختلفة وسوقية، فابتهج عقلي لتوفر هذا النوع من الوعي لدى بعض من كنا نسميهم الرعاع.
أيها الأخوة: لا تقنطوا فالدنيا لم تزل بخير!

*خلت الشوارع من الأهالي، وانتشر في فضاء المدينة، حذر وتوجس، وجو من الكآبة السوداء. فلا أحد يعلم: أين بالضبط ستكون الضربة القادمة. ولا متى ستكون. الدكاكين أُقفلت والأطفال آووا إلى فراشهم. وشباب المقاومة يختبئون في الزوايا والزنقات. كل شيء هادئ هدوء ما قبل العاصفة: حتى الكلاب الضالة والقطط و الديوك. وليس ثمة غير هدير الطائرات يصمّ الأذان، ويذكّر المرء بما ينتظره الليلة. إنها كما أحدس، أجواء حرب وشيكة الوقوع. فاللعنة على حظنا الخائب، وعلى عجزنا عن المواجهة المتكافئة، فالحرب حين تقع هي الحرب. ولا أحد يرثي لحالنا ولا أحد يرحم عجزنا وقلة حيلتنا في مواجهة هذا الطوفان!

* إنه جنونهم المسلح ، ومقاومتنا العزلاء. فأين شرفهم العسكري والمهني إن بقيَ لهم من شرف؟ الفولاذ في مواجهة اللحم، ومع ذلك، لا نستجدي quot;العدلquot; من أحد. فنحن أدرى بشئون العالم المرائي، وبما وصلت إليه البشرية من بلادة وانحطاط.

* إنها أجواء مجزرة حقيقية لا مجرد حرب! فمنذ العصر، والطائرات بجميع أنواعها _ السمتية والنفاثة _ تحوّم كالغرابيب السود، فوق سماء المدينة. وثمة من جهة الشرق ، حيث حدود أراضيهم ، يُطلقون فوانيس التنوير الليلية، بكثافة غير معهودة، إلى درجة أُنيرَ معها كل شبر من أرض المنطقة التي أسكنها. فماذا يبيّتون لنا هذه الليلة؟ ترى ماذا يبيتون ! إنّ كل الدلائل تشير إلى طريق واحد، هو الاجتياح. فيا رب استر. . ويا رب أُسترْ!

* لا نوم بالطبع هذه الليلة. حتى يجيء الفجر فأتبيّن الخيط الأبيض من الأسود: إما اجتياح وإما لا اجتياح. فإن كان اجتياح فلا بد من الحذر واليقظة، وإن كان لا، فالنهار طويل، ومِلْحِقْ على النوم.

* أخشى أن ينكّلوا بالمدينة كما نكّلوا ببيت لاهيا وبيت حانون. إذ أُطلقت عليهم عدة صواريخ قسام وغراد، من الجهة الغربية من المدينة (وراء بيتي) وذلك لأول مرة منذ بدء الحرب. والأكيد أنهم لن quot; يفوّتوها لِ quot; خانيونس، كما هدد وتوعد القائد العسكري للقطاع، في نشرة أخبار أمس بالعبري. لقد قيل على لسان شهود عيان، أنّ تسعين دبابة وآلية عسكرية، تتأهب للدخول، وهي واقفة اللحظةَ بالقرب من المستشفى الأوروبي، على الإسفلت الشرقي، الواصل بين خانيونس ورفح، ولا تنتظر سوى إشارة الهجوم. والذي يؤكد هذا القول، تحليل آخر سمعته من إذاعتهم، يتكلم عن تقسيم القطاع إلى خمسة مناطق أو محاور معزولة عن بعضها البعض. وتركيز كل quot;الجهد العسكريquot; عليها واحدة بعد أخرى. فإذا كان التركيز الآن quot;مصبوبquot; على جباليا وقراها وغزة وأحيائها(خصوصاً حي الزيتون)، فهذا لا يعني نسيان المدن الأخرى. إنّ quot;الدورquot; قادم عليها لا محالة. إذن فالمسألة في منتهى الجدية، ويا خوفنا من القادم القريب!

*هذيان الحديد ...، أجل فما تفعله دباباتهم، صباح مساء، هو بالحصر: حديدٌ يهذي.

الخميس صباحاً

الواقع أكثر سريالية من عتاة السرياليين. في اليوم الأول للحرب، ذهب جار لي ، ليسأل عن مستوى ابنه في المدرسة. ذهب لابساً الذي على الحبل ومتعطراً وفي كامل قيافته، ليعزز _ وهو الفقير _ من نفسية ابنه أمام التلاميذ والأستاذ معاً. وحين انتهى من السؤال داخل الفصل، خرج ليكمل حديثاً جانبياً مع الأستاذ، فوقفا في فناء المدرسة، وأثناء الحديث تكلما عن هموم الدنيا، وفجأة مرقت شظية صاروخ طائشة من موقع التدريب المقصوف بجوارهم، فاخترقت معدة الرجل، فصرخ من الألم، لثانية من الزمن، ثم خرّ على التراب ميتاً إلى الأبد! ما أشاع هرجاً ومرجاً بين التلاميذ وطاقم التدريس. ولم تكن هذه هي الحادثة الأولى، وإنما حدث مثلها، في مدارس أخرى، حوادث متشابهة. وما يهمنا الآن هو: كيف يتصور أحدكم ما حدث للابن؟ وما هي ردود فعله؟ بالتأكيد لم يستوعب عقله الصغير والبريء فداحة ما حدث. فما حدث هو فوق واقعي وفوق سريالي، مع أنّ عقلنا ككبار باردين يستوعبه بسهولة،لأنّ الحرب هي هكذا، كانت وستظلّ. إنما السؤال مرة ثانية: وماذا بالنسبة لعقل الولد، الذي صار، في أقل من لمحة، يتيماً للأبد.

*توضيح أول: أنا مقهور.
توضيح ثان: أريد البصاق على كل جنرالات إسرائيل.
توضيح ثالث: مش ظابطة معي.

* الساعة : 18، 2فجراً، وثمة صوت ينادي في المكبرات، بأن يتبرع سكان خانيونس بالدم، على نحو عاجل، لإخوانهم في مخيم جباليا وبلدات الشمال. الصوت واهن على غير العادة، ويقطر أسى وحزناً، ولذلك أنصتّ إليه وأثر فيّ. آه يا جباليا، يا معقل ومنطلق الانتفاضات: اليوم خمسون شهيداً ومئتا جريح في أقل من 24ساعة، فماذا سيخلّف quot;اجتياحهمquot; غداً وبعد أيام؟ الليلة ضربوا على الناس قذيفة مسمارية من دبابة، فكانت المجزرة. فماذا سيقذفون غداً من أسلحة محرمة؟ كلّ شيء مباح لهم، بعد أن نام ضمير العالم الخرتيت وشبع نوماً، فلماذا لا يروّعون الحجر والبشر، والطير في سمائها العالية؟

* أولمرت يهرب إلى الأمام. يريد أن يفرض اتفاقاً على مزاجه هو. دون أن يفكر في الشعب الآخر، وفي مطالبه العادلة. استعلاء وأي استعلاء. إنه لا يؤمن بأفق سياسيّ، وإنما بحق القوة فقط. ولذا سوف تطول وتطول معاناتنا ومأساتنا. إنما في الأخير لا بدّ من حلّ، وحلّ نرضى به، لا حلاً يُفرض علينا تحت تهديد السلاح. فمتى تفهم إسرائيل هذه البديهة البسيطة؟ ومتى تراها تنصت لدروس وقوانين التاريخ؟ هؤلاء هم أغبى احتلال كولونيالي في العصر الحديث. هزموا بعضنا، وظنوا أنّ بإمكانهم هزيمة الشعب الفلسطيني كله. خسئوا، فهذا أمر بعيد عن عيونهم بعد السماء عن الأرض. إنّ الشعوب لا تُهزم، وإن هُزمت خمسين سنة، فلن تُهزم إلى الأبد. ونحن لهم والزمن طويل. بلحمنا العاري نواجه دباباتهم وعنجهيتهم. فمتى يفهمون أنها إرادة شعب وأحلام شعب يريد حريته لا أكثر؟ متى يفهمون؟ ألا يكفي كلّ هذا الدم أيها القتلة في كبينيت الجنون؟ ألا يكفي يا حثالة السياسيين، ويا عار عصرنا الأسود؟ معلش: نحن وأنتم والزمن طويل.

*راضياً أُقاربُ الموتَ الأعزل. لقد ذقتُ خيرات هذه الأرض. ويحلو لي أن أفكر، أن الناس سيجدون، من بعدي، أنفسَهم أسعدَ وأفضل وأشد تحرراً. لخير الإنسانية القادمة، كتبت نتاجي وحييت حياتي _ quot;أندريه جيدquot;.

* ليس ثمة إلا شيء واحد _ الآن _ هو هذا الليل الكبير بهوائه البارد الأسود hellip;

* أكتب وطائرة quot;الزنّانةquot; ما فتئت تزنّ فوق رأسي، رغم أنّ الساعة الآن قد بلغت الثالثة والنصف فجراً. ترى: ماذا تصوّر وعمّا يبحثون! أعرف من قديم أن هذه الطائرة التي بلا طيار ، قد طورها الإسرائيليون، بحيث صارت لا تستكشف فقط وإنما تضرب الصواريخ بدقة متناهية حتى على الأفراد ليلاً. إنها مفخرة سلاح جوهم ومصدر رزق لخزينتهم. العجيب أنها لا تُرى، وإنما تُسمع فقط، وعلى نحو يصيب المرء بالعصاب والعصبية. فهذا الإلحاح الصوتي لأيام متواصلة أحياناً، يجعل البعض منا لا يستطيع أن يركّز في شيء، وخصوصاً الطلاب والأدباء التعساء من أمثال كاتب هذه السطور. أحتاج لطبيب نفسي ليزيح عني تأثير هذه الطائرة الملعونة. شيء فوق التصور والاحتمال. معقول؟ معقول تزنّ فوق سقف بيتك منذ ثلاثة أيام بلياليها، ودون حتى خمس دقائق راحة؟
أكره ما أكرهه: الإلحاح عليّ في أيما شيء. لا أحتمل إلحاح طفلي دقيقتين، عندما يطلب مني شيئاً، أعطيه هذا الشيء في الحال، مهما يكن غالي الثمن. فكيف سأحتمل هول هذا quot; الزّنّ quot; الراعب المرعب؟ يلعن أبوكم حِلّوا عن آذاننا ومهلْ عليكم تحلّوا عن ظهورنا: إنني أيها السفلة الكولونياليون أديبٌ وشاعرٌ وتجرحني النسمة فما بالكم بهذا الزّنّ المرعب؟ حتى لكأنني أشرف الآن على شفا حفرة من الجنون، بعد أن أشرفت على شفا أربعين ألف حجرة من الصداع والهلوسة والهذيان والرغبة في الموت ولا هذا الصوت الملح الملحّ الرهيب الرهيب!
ضرب جديد من ضروب التعذيب العصبي والنفسي الجماعي: أي معاقبة الجميع وتعذيب الجميع!

* الحقير باراك ونقطة .

amp; شيمي هو اسم التدليل لشمعون بيرس رئيس دولة إسرائيل.