قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

انتهت حرب غزة في شتاء 2009م بعد ثلاث أسابيع من اندلاعها، وقتل فيها أكثر من ألف إنسان، قسم كبير منهم نساء وأطفال، ومن قبل انفجرت حرب لبنان في عام 2006م ودامت أكثر وكلفت أكثر.
وفي كلا الحربين خرجت إسرائيل بحماقة أكبر من حماقة هبنقة وأشعب معا، بظنها أن القوة سيدة الحلول، وغفل عنها أن القوة تخلق من العدو غولا، كما فعلت قرطاجنة من قبل مع روما، التي أصبحت ورما لا يكف عن التضخم، حتى التهم من حوله ونفسه في النهاية..
وكذلك ستكون نهاية إسرائيل، كما يتوقع لها السلامي الإسرائيلي أوري أفنيري في مقالته عن قميص نيسوس، وهو كائن أسطوري رأسه إنسان وجسمه حصان، كلفته امرأة هرقل أن يذهب بقميص نسجته لهرقل، أن يغمسه في ينبوع الحب كي يزداد هرقل لها حبا؟ فغمسه نيسوس في ينبوع البغضاء فلبسه هرقل فمات به؟؟
يقول أفنيري وكذلك سنموت بهذا القميص الفلسطيني الذي لبسناه..
والموضوع ليس هنا فقد خرجت إسرائيل من حرب لبنان بمراجعة قاسية للذات، أو بمصطلح علم النفس بما يعرف بـ (النقد الذاتي) واستجوبت 74 رأسا مهما من ماكينة الحرب والدولة لتصل بتقرير فينوغراد أن لعبة لبنان بالنار لا يجعل النار لعبة..
وهي راجعت نفسها على أبأس مع حرب غزة التي ستكون ربما آخر حرب بين بني صهيون والفلسطينيين، بعد أن وضعت أوزارها مع الحكومات العربية..
ولكن السؤال الكبير والتأسيسي أنه لا في حرب لبنان عندنا قام رجل رشيد فقال لنقوم بنقد ذاتي ونقول ماذا ربحنا وماذا خسرنا، وما هو الأرجح بين الربح والخسارة؟؟ فهكذا تفعل الأمم الحية..
إن هذه الروح أي روح النقد الذاتي لا توجد في قواميسنا الفكرية بالأصل سواء من يمشي خلف آيات الله عفوا أو من يمشي خلف أولياء الشيطان من أي اتجاه كانوا..
ونحن لسنا في صدد اتهام شخصية أو حزب أو اتجاه..... فسهل النيل من أحد وعظيم أثر النقد وجميل أثر الثناء، ولكن علينا تأسيس طريق بين ذلك قواما..
فهي محاولة في وضع وتنهيج طريق مزدوج سريع للبناء الحضاري، أعني بنا ء وتأسيس منهج النقد الذاتي، الذي هو إعلان الوعي والعقلانية وتدشين وحدة العمل الناجحة وشق الطريق بعقلية علمية تقية للمستقبل..
فهل يا ترى تقوم القيادات في المنطقة بمراجعة تجربة غزة في هذا الضوء؟؟

لماذا كان الحبس الانفرادي للسجين عذاباً لا يطاق؟
يعتبر الحبس الانفرادي للسجين عذاباً لا يطاق بسبب الوحدة، فقد جاء في كتاب (الخواطر) للفيلسوف الفرنسي (باسكال) ما يلي:
(كلما حاولت البحث في أفعال الإنسان المختلفة وجدت أن شقاء الناس كله راجع إلى أمر واحد هو عجزهم عن الاعتكاف ومن هنا جاء ولع الناس بالضوضاء والجلبة ومن هنا كان السجن عذابا مريعا ولذة الوحدة أمرا يستعصى فهمه)
وألم الوحدة مصدره فقدان الاتصال بالعالم الخارجي ومواجهة الذات، فمواجهة الذات إذاً هي ذلك الحقل المملوء بالصخور والعناء والمجهول، وهذا يعني بكلمةٍ أخرى أن أعظم اكتشاف لم نمارسه بعد هو معرفة حقل النفس الداخلي، وأن القارة المجهولة التي لم نطأها بأقدامنا بعد؛ ليست تلك المختفية وراء لجج المحيطات، بل هي دماغنا الذي نتعامل بواسطته مع العالم كل لحظة حتى في النوم، فقد تمت دراسة الدماغ كهربيا وقت النوم؛ فظهر أنه يستمر في العمل بدون توقف، وهذا يفسر انكشاف حلول بعض المعضلات بعد النوم، لان الدماغ اشتغل منفردا على حلها بآلية مستقلة...
وإذا كان وعي الذات هو أرفع أنواع الوعي؛ فإنه يمثل انقلاباً نوعياً في تصور المشاكل وهندسة معالجتها ، فالبشر اعتادوا وما يزالون عند اندلاع المشاكل اتهام الآخر وتنزيه الذات، وهذا يحمل مجموعةً من الأخطاء القاتلة.
ومثلا وباعتماد آلية (لوم الآخر) نكون بشكل آخر قد أحيينا آلية (تنزيه الذات) وتقديسها بعصمتها من الخطأ، فالعلاقة مرتبطة جوهرياً وبشكل غير مباشر، بين (إدانة الآخر) و(تقديس الذات) وعبادتها، وكأن طرفي العلاقة طرفي رافعة.
ومع انطفاء روح المراجعة الذاتية، وتجميد آلية نقد الذات، يكون الحقل الذي يجب أن نحفر فيه لحل المشكلة قد زُحزح تماماً، وفي الوقت الذي نعترف بمشاركتنا ولو الجزئية في المشكلة، نكون قد بدأنا بالحراثة في الحقل الخصب، أما اتهام الآخرين وتنزيه الذات؛ فإنها تلحق الشلل الكامل بآلية تطهير الذات وإمكانية تصويبها
وهو الأمر الذي جعل بلدية هيروشيما تغير العبارة الواردة حول جهنم النووية من عبارة لن ندعهم يعيدون الشر إلى عبارة لن ندع الشر يتكرر، فهو اعتراف غير مباشر أن الكل شارك في إيقاد جهنم النووية..

لماذا إذن 400 رأس نووي عند إسرائيل؟؟
ونحن في الشرق الأوسط قد نكون سببا في تفجير حرب نووية، فالعقل العلمي منفتح على كل الاحتمالات، وإسرائيل حسب كتاب سيمور هيرش عن سلاح المعبد، انتقى بعناية عنوان الكتاب من قصة موجودة في التوراة عن شمشون ودليلة، حيث مارس الرجل لعبة الانتحار الأعظم على نفسه وأعداءه!!
ولكن يبقى سؤال جانبي لا ينتبه له أحد وهو لماذا بنت إسرائيل هذه المدرعة النووية من 400 رأس نووي من كل الأجيال الخمسة، الانشطاري والالتحامي والنتروني والمكبّر والمصغّر، إذا كان الأمر يتعلق بمسح عشر عواصم عربية مع سد النيل ودجلة والفرات، وإحداث ما يشبه طوفان نوح في المنطقة؟

لماذا إذن 400 رأس نووي؟؟
إنني أزعم لنفسي أن إسرائيل في لحظة غرغرة الموت، سوف تمسح قبل العواصم العربية، الحواضر الألمانية انتقاما لآوسشفيتس، وما أدراك ما سقر؟؟

مابين موقفين: آدم والشيطان؟
إنه لم يكن عبثاً أن تكررت قصة آدم والشيطان في كل الكتب المقدسة لأنها تحمل مجموعةً ضخمةً من الرموز لكل تجليات الوجود الإنساني، فالتناقض بين موقفي آدم والشيطان والتبعات الرهيبة التي بنيت عليهما؛ انبثقت من هذه الحركة في اتجاه النفس للداخل أو الخارج؟ في مراجعة الذات أو في اتهام الآخر؟
أما الشيطان فاختار الأسهل؛ وأخرج نفسه من المشكلة؛ فهو غير متهم ولا ملام عن موقفه؛ حين أحال خطأه إلى مصدر خارجي فعزاه إلى الله (بما أغويتني)، فهو إذاً لم يخطئ.. هو إذاً كامل؟!
بكلمة أخرى رفع نفسه إلى درجة الكمال الإلهي الذي لا يعتريه النقص ولا يقاربه الخطأ!!
في حين كان موقف آدم أنه قام بمراجعةٍ قاسيةٍ للذات، وكانت المرأة (زوجته حواء) معه يداً بيد في هذا الاختبار القاسي، الذي لولاها ودعمها ودفئها الروحي ما نجح فيه، فأنشد كلاهما (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، فالمرأة هنا لعبت الدور المصيري في إنقاذ الجنس البشري؛ كونها خزان الرحمة الذي لا ينضب، خلافاً للأسطورة الشائعة أن حواء هي التي أغوت آدم بالخطيئة، فأكل التفاحة من الشجرة المحرمة، ومع هذه المراجعة النفسية ومواجهة الذات والاعتراف بالخطأ، أمكن لنا نحن البشر أولاد آدم، أن ندشن إمكانية الارتفاع بدون توقف، في رحلة العروج الروحية إلى الله، في الوقت الذي فشل الشيطان في الرهان.

مجموعة من الأفكار التأسيسية
هناك مجموعة من الأفكار (التأسيسية) يجب أن نتعلمها ونعيدها ونحييها في الثقافة من جديد، ولا مانع من صياغتها على شكل قواعد، وفكرة النقد الذاتي من جملة هذه الأفكار (الحيوية) فهي تؤسس عندنا أن لا نلوم أحداً عند وقوعنا في الخطأ، مع كل إدراكنا الكامل أن الآخر مشترك في توليد الحدث، حرصاً على مبدأين:
الأول:(توفير الطاقة) فاللوم يشل طاقة الاستنفار للعمل والإصلاح، كونه يحذف الذات من الحدث، طالما كان كبش الفداء الممثل في الآخر موجوداً. وإذا كان فاعل الجريمة معروفا فقد توقف بحث الشرطة.. ولكن ماذا لو كان المجرم طليقا والشرطة تغط في النوم؟
هذا هو واقع العالم الإسلامي في معظمه...
والثاني:(توجيه الطاقة) للعمل في الحقل المفيد؛ فطريقة (الشيطان) حينما قام بتبرير خطأه، بأنه غير متسبب فيه، وأن الله هو الذي دفعه إليه (بما أغويتني)، ترتب عليها أنه دخل في طريق اللا عودة بالنسبة للتوبة والرحمة، أي قطع الطريق لأي إمكانية في الإصلاح المستقبلي، ومن الغريب أن الشيطان ينتبه إلى هذه الحقيقة ولكن بشكل متأخر حيث لا فائدة، فالقرآن يذكر عنه أنه يقوم (يوم القيامة) فيعترف أنه لم يكن له سلطان على الناس (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) وهذه الحكمة التي نطقها الشيطان تمثل قانوناً صارماً في التعاملات اليومية، وهي أن لا نسلط اللوم على أحد حتى ولو كان الشيطان!
وفي هذا الضوء الجديد، عندما يسلط على العامل الداخلي، يمكن فهم الأمور قد اختلفت أولياتها، فالحقوق تأتي ليس بالمطالبة بل بالقيام بالواجب، والاستعمار ظاهرة امتصاصية لوجود القابلية لها، والحضارات تنتحر داخلياً، والدول تنهزم بالتفكك الداخلي، والعضوية تمرض بضعف المقاومة أكثر من سطو الجرثوم، وسقوط الغصن بالنخر الداخلي أكثر من زوبعة الريح، ووجود إسرائيل بتناقضات الوسط العربي أكثر من جبروتها الذاتي وأسلحتها النووية الضاربة!.
وهكذا فآلية النقد الذاتي تتجه إلى الداخل، إلى العمق كي تكتشف الآليات النفسية الدفينة، فهي تقوم بإماطة اللثام عن نظام العوامل الداخلية التي يمكن السيطرة عليها، وبالتالي التدخل لاحقاً في توجيه الأحداث وهندسة مصيرها.

(النقد الذاتي) أو علم الجرح والتعديل
آلية النقد الذاتي ترى أن هناك حقلين متشابكين للأحداث (داخلي وخارجي) ولا يوجد حدث بدون تشابك مجموعة العناصر هذه، ولكن هذين الحقلين مختلفان للغاية من ناحية الاتصال والتأثير، ولذا فهي تتوجه إلى الحقل المفيد، حيث يمكن التأثير في مجموع الأحداث، من خلال تبديل الحقل الداخلي، الذي نستطيع أن نتدخل فيه بجراحات خاصة، هي ضمن إمكانياتنا، ونصل بالتالي إلى تغيير شكل الحدث بالكامل، ويتولد من هذا المعنى نتيجة عملاقة عن دور الإنسان في هندسة الأحداث، والتخلص من الآثار النفسية الضارة للاستلاب تجاهها.
وبذلك يكون النقد الذاتي أداة رائعة لنمو الذات ونضجها، وليس كما يخيل للبعض أنها أداة نهش وتجريح.
وكان علماؤنا سابقاً محقين حينما عكفوا على إنتاج علم رائع لتمحيص الحديث الذي جُند كأداة في حرب الفرق المتصارعة، فأسسوا علماً في إطار (النقد الذاتي) أعطوه لقب علم الجرح والتعديل.

أعظم ظلم هو ظلم الإنسان لنفسه؟
لعل القرآن انفرد بمصطلح غفل عنه العالم الإسلامي حتى اليوم وهو (ظلم النفس) فعشرات الآيات المتناثرة تؤسس معنى يمشي في اتجاه واحد، وهو أن الظلم في تجلياته العظمى هي (ظلم الإنسان لنفسه) أكثر من ظلم الآخرين أو أي جهة خارجية (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)وهذا يكشف الغطاء عن أعظم آلية خلف العطب النفسي ـ الاجتماعي بأن العجز والخطأ هو داخلي بالدرجة الأولى، وبذلك نفهم أيضاً طرفآ من (ميكانيكية الدعاء) فهي توجه داخلي.. وتذكير للنفس.. تأمل وجداني.. وشغف وتعلق وتمني للوصول إلى حالة نفسية، وهو ما يسمى في علم النفس بــ (قانون التوقع EXPECTANCE LAW) فعندما ترغب النفس في شيء وتحرص عليه وتتوجه إليه يتحقق في العادة. وعندما شعر نبي الله يونس عليه السلام أنه غرق فجأة في بطن الحوت لم يلعن الظروف التي قادته إلى هذا المصير الفظيع والظلمات تطوقه من كل جانب بل توجه باللوم إلى نفسه (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)
إن العالم الإسلامي اليوم عنده استعداد أن يبحث بدون ملل في توجيه اللوم وتوزيع اللعنات في كل اتجاه، واكتشاف الأعداء الذين يقفون خلف عجزه!
وليس عند معظم سكان العالم الإسلامي استعداد للوقوف لحظة واحدة لاكتشاف هذا السرطان المرعب (مرض ظلم الإنسان لنفسه) وهذا التوجه يخترق كل طبقات التفكير والشرائح الاجتماعية والمجموعات الفاعلة في الساحة الاجتماعية، فالفرد يلعن الأفراد الآخرين المتسببين في وضعه الذي لا يعجبه، فإذا رسب الطالب في الامتحان لعن الأستاذ أو الأسئلة الصعبة أو الحظ السيئ أو الشيطان الرجيم، وعندما تفرغ الجعبة من كل تلك الأسلحة التبريرية يبقى في اليد السلاح الأعظم الذي لا يرد، وهو نفس السلاح الذي عمد إليه الشيطان في تبرير خطأه واستعمله فيما سبق (بما أغويتني) فيتم التوجه إلى الإرادة الإلهية التي هي خلف هذا الفشل، وهو سلاح يخدع الكثيرين أشار إليه القرآن على لسان المشركين الذين أرجعوا شركهم إلى الإرادة الإلهية (لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا).

الدينامية النفسية في العلاقات الإنسانية
لنتأمل جدلية النقد الذاتي والدينامية النفسية في العلاقات الإنسانية، عند تورط الإنسان في مشكلة ما (مثلاً تسريح موظف من عمله) فإن موقف الإنسان يأخذ أحد اتجاهين؛ إما مراجعة الذات ونقدها الصارم، وإما لعن الطرف الآخر المتسبب في المشكلة، بل وحتى تكريس الدعاء في الصلاة في استمطار اللعنات عليه (الدعاء الذي شرع بالأصل لتوليد معنى الاستعلاء والمقدس والرحمة) فتمرض النفس بالكراهية؛ لتتكثف مع الوقت إلى حقد مدمر أعمى، كما في تحول مرض النزلة البردية البسيطة الذي يزول في بضع أيام إلى التهاب جيوب مزمن معند، ومع الحقد تتوقف أية إمكانية للرؤية الواضحة ومحاولة الإصلاح، وهذا الوضع النفسي هو في الواقع الأرضية المهيأة للحرب، فمع الحقد الأعمى المدمر وروح الانتقام الضارية تكون الحرب الأهلية الخفية قد بدأت، كل ما تنتظره هو مواتاة الفرص لاندلاع الحرب الأهلية بالأسلحة المعروفة، ونلاحظ هنا أن المضي في هذا الاتجاه مع الوقت يعطي صلابة للموقف، وصعوبة بالغة في التراجع عنه، فهناك بعض العائلات التي اختلف فيها الأخ مع أخته فقاطعها فاشتد في الكراهية، فازدادت الجرعة، فتكثف الحقد، فتصلب الموقف فأصبح التراجع اقرب إلى الاستحالة، وفي الصورة المقابلة ومنذ البدايات يعتبر التوجه المقابل ذو ثمرات مختلفة تماماً، فعندما يراجع هذا الموظف موقفه (الذي يشعر أنه مظلوم من الآخرين وليس ظالماً لنفسه) ووضع ولو (مجرد احتمال) كونه مشاركاً في المصير الذي وصل إليه!.

التوبة حسب مصطلح القرآن
إن إمكانية مراجعة الموقف أصعب من قطع الأنف بالمنشار وبدون تخدير؟! إن إدخال فكرة (الاحتمالية فقط) تنبع في الواقع من أرضية عقلية وتربة نفسية، فالأرضية العقلية التي ترى كما رأى آدم أنه (قد يكون) قد (ظلم نفسه) في موقف ما، والتربة النفسية هي في القدرة على الاعتراف بالخطأ، فمع القدرة على فتح ملف مراجعة النفس يمكن اكتشاف الخطأ، فإمكانية الاعتذار، أو الحذف والإضافة وإصلاح الموقف، أي (التوبة) حسب مصطلح القرآن، فالمسار الأول شيطاني لأنه يحذف إمكانية التوبة، والمسار الثاني رحماني لأنه يفتح الطريق على التوبة وإمكانية إصلاح الأخطاء وترميم الثغرات، فمع تنشيط أداة النقد الذاتي نكون قد فتحنا الطريق إلى الحوار، وفرملة الصدام، ونزع فتيل العنف، وتوليد روح الديمقراطية، فالديمقراطية ليست حلويات توزع، وهدايا تمنح، بل هي عملية عضوية بطيئة تزرع في النفوس فلا يمكن اقتلاعها.
فالنقد الذاتي كما نرى هي آلية مفاتيح التحكم بالنفس الإنسانية، وإيجاد جو
التوازن العقلي والأخلاقي في مستوى الفرد ليشمل في النهاية الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحضاري.

اكتشاف القيم المخبأة داخل كل واحد منا...
النقد الذاتي بهذه الطريقة هو استبدال الآليات العقلية القديمة بجديدة، فيتحول الفرد إلى كائن يميل إلى المغفرة والتسامح مع الآخرين، وإيجاد العذر لهم، وتبرير تصرفاتهم، وقبولهم كما هم، وحبهم مع كل الاختلاف معهم، وبتوليد هذه المعاني الراقية يكتشف الانسان جوهره باكتشاف هذه القيم المخبأة داخل كل واحد منا، فيتخلص من مشاعر الرثاء والشفقة الذاتية واحتقارها، ويصبح الانسان بالتالي عظيما، والآثار المباشرة العقلية من هذا النوع هو الإيمان بالاختلاف والتعددية، فيرى الآخر في صورة جديدة، فهو شديد الحذر في كشف عورات الآخرين، لأن أسلوب الإدانة يحمل السلاح المضاد معه، والعكس بالعكس؛ فإن احترام الآخر سيحمل احترام الذات، والمحافظة على الآخر سيحمل المحافظة على الذات، أما عقلية التآمر والاغتيال وقتل الآخرين؛ فإنه يحمل معه تدمير الذات بنفس الوسائل.

اللامفكر فيه
إن إمكانية ولو مجرد التفكير بالدخول إلى هذا الحقل (اللامفكر فيه) واستخدام هذه الأداة مؤشر (نضج) فآدم دخل مرحلة جديدة بعد تجربة السقوط المريرة، وكانت مرحلة النضج هذه هي (رب إني ظلمت نفسي) التي توجت رأسه بإكليل خلافة الله في الأرض.
جاء في الحكاية أن أهل قرية ذهبوا إلى صلاة الصبح، ولكن لم يعثروا على المؤذن فأَّذن أحدهم ثم قاموا فصلوا، وفي طريق العودة وكانت الشمس قد بدأت في البزوغ رأوا المؤذن وهو يُهرع مهرولاً في اتجاه المسجد، وعندما سألوه عن سبب التأخر كان جوابه:
(إنني جئت كالعادة ولكن يبدو أن الشمس قد أشرقت أبكر من عادتها؟!).
هذه القصة تحمل في طياتها آلية نفسية فاضحة، فنحن نضحك لانكشاف النكتة، فلا يعقل أن يضطرب النظام الكوني لنزوة رجل، ولكن المعنى الدفين في هذه القصة المسلية، هو استعدادنا أن ندخل الكون في تناقض، فهذا أسهل لعقولنا وأريح من مراجعة أنفسنا لاكتشاف التناقضات العقلية الكبرى، وإذا كانت هذه القصة مكشوفة، إلا أنها تفتح البوابة عريضةً لكثير من أوهامنا التي نحياها وليس عندنا القدرة على لمسها.
إن إمكانية ولو مجرد التفكير بالدخول إلى هذا الحقل (اللامفكر فيه) واستخدام هذه الأداة مؤشر (نضج) فآدم دخل مرحلة جديدة بعد تجربة السقوط المريرة، وكانت مرحلة النضج هذه هي (رب إني ظلمت نفسي) التي توجت رأسه بإكليل خلافة الله في الأرض.
جاء في الحكاية أن أهل قرية ذهبوا إلى صلاة الصبح، ولكن لم يعثروا على المؤذن فأَّذن أحدهم ثم قاموا فصلوا، وفي طريق العودة وكانت الشمس قد بدأت في البزوغ رأوا المؤذن وهو يُهرع مهرولاً في اتجاه المسجد، وعندما سألوه عن سبب التأخر كان جوابه:
(إنني جئت كالعادة ولكن يبدو أن الشمس قد أشرقت أبكر من عادتها؟!).
هذه القصة تحمل في طياتها آلية نفسية فاضحة، فنحن نضحك لانكشاف النكتة، فلا يعقل أن يضطرب النظام الكوني لنزوة رجل، ولكن المعنى الدفين في هذه القصة المسلية، هو استعدادنا أن ندخل الكون في تناقض، فهذا أسهل لعقولنا وأريح من مراجعة أنفسنا لاكتشاف التناقضات العقلية الكبرى، وإذا كانت هذه القصة مكشوفة، إلا أنها تفتح البوابة عريضةً لكثير من أوهامنا التي نحياها وليس عندنا القدرة على لمسها.