حجم المتغيرات في الشرق الاوسط
في سيمنار علمي بمنظمة السلام العالمي ودائرة المستقبل بهيئة الدراسات العليا بجامعة فيكتوريا التي عقدت أعمالها في الماريوت تورنتو قبل أيام.. تجاذبنا أطراف الحديث عن العالم، ومتغيراته الصعبة، والسريعة، والمذهلة، وأخذنا الحديث عن الشرق الأوسط اليوم، وما يعيشه من إخفاقات جراء الواقع المتأخر بكل عوامله، وجراء التدخلات الأجنبية، وجراء التنازع الإقليمي بين القوى المختلفة.. إذ يعد الشرق الأوسط، مربعا للازمات، كونه أحد أهم المجالات الحيوية في العالم.. واغلب شعوب العالم، قد أدركت بنا لا يقبل مجالا للشك، حجم تأثيرات الاستقطاب العالمي على منطقتنا كلها، إذ غدت quot; السيطرة quot; التي انتقلت بالولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية من صراع سياسي (امبريالي) في النفوذ، والهيمنة، والمصالح إلى صراع اقتصادي (كابيتالي) في النفوذ، والسيطرة على المصالح. ولكن الشرق الأوسط برمته، قلما يفكّر بحجم ما حدث من متغيرات في الخمس والعشرين سنة الأخيرة.. بعد أن كان قد أضاع فرصا ثمينة قبل ثلاثين سنة للانشغال بالحرب الباردة، أو أن يكون جزءا تابعا أو ذيلا أو بيدقا في اللعبة الكبرى.. صحيح، أن العالم دخل مرحلة جديدة مع انطلاق ظاهرة العولمة التي لا يقف أمامها أي حاجز، ولا تهتم لأي مبدأ سياسي، أو وطني، أو قومي، أو أممي، أو أيديولوجي، أو عقائدي ديني، أو حتى مثالي أخلاقي.. إنها ظاهرة العصر التي تسود العالم اليوم بلا منازع!
العرب في الميدان بلا اية استراتيجية اقليمية
إن الشرق الأوسط، اليوم، تحكمه معادلة غير مستقيمة، نظرا لوجود ثلاث استراتيجيات قوية وفاعلة في المنطقة مع انعدام أي إستراتيجية عربية، والاستراتيجيات الثلاث، هي: الإيرانية، والتركية، والإسرائيلية.. وهي التي نعلمها، وكما تتضح فكريا وإيديولوجيا وسياسيا وإعلاميا على الملأ كله.. في حين اخفق العرب من خلال منظومتهم القديمة المسماة بـ (جامعة الدول العربية) بخلق أي حالة من الاتفاق والتوازن والتعايش لفهم متغيرات العالم اولا، والادراك المتبادل للاستراتيجيات الإقليمية الثلاث.. هذا إذا اقتنعنا أن العرب غير قادرين على صنع إستراتيجية إقليمية لهم، وهم مكّون أساسي من مكونات المعادلة الإقليمية للشرق الأوسط برمته. دعونا الآن نتساءل عما يدور في الأروقة السياسية العربية:
إن اغلب تصريحات المسؤولين العرب تصريحات غير مسؤولة، بل وغير واقعية أيضا! فهل العرب بحاجة إلى إذابة الجليد في ما بينهم ـ كما يصّرح أحد وزراء الخارجية العرب ـ؟؟ في حين ان الواقع، يؤكد ان بينهم صحاري محرقة وعلاقات ساخنة منذ خمسين سنة؟ هل نجحوا يوما بصنع إستراتيجية متفوقة على المستوى الإقليمي، يمكنهم أن يشاركوا من خلالها الآخرون؟ وهنا لا اقصد اتفاقاتهم الآنية لظروف خاصة سرعان ما تبطل، كما هو حال اتفاقاتهم الدفاعية أو الحربية المشتركة ـ كالتي كانت في حربي 1967 و 1973! أو تلك التي عبرّت عنها مشروعاتهم الوحدوية، أو مجالسهم العربية، أو قممهم الزعاماتية!! وبالرغم من كونهم لا يدركون أين هي معادلة الشرق الأوسط اليوم، فهم لا يفقهون أين هي متغيرات المنطقة، ليس الدولية، ولكن الإقليمية أيضا. إنهم يتعاملون مع تركيا وإيران، وكأن كلا من الدولتين دولة عادية من دون أي إدراك بثقل كلتيهما في معادلة الشرق الأوسط. إن ما يسمى بالمصالحات العربية وتبادل الابتسامات والزيارات والكلام المعسول سوف لا يدشّن ـ كما يقولون ـ حقبة جديدة من العلاقات غير المتشنجة بين دولتين عربيتين أو أكثر! كما يصّرح ذلك بعض المسؤولين العرب.
لا مصالحة من دون إستراتيجية متمكنة
لقد قلت في مقال سابق لي عنوانه: quot; إستراتيجية مصالحة أم ممانعة واعتدال quot;: quot; علينا أن نسأل سؤالا مباشرا وصريحا: هل هناك إرادة جماعية لتأسيس إستراتيجية عربية بعيدا عن أية انقسامات وأجندات؟ هل اقتنعنا بأن مصيرنا محكم بشراكة أساسية لصنع تاريخ جديد؟ هل صعَدَ المعتدلون نحو مطالب الممانعين؟ وهل نزِل الممانعون إلى ما يؤمن به أصحاب الاعتدال؟ هل كان مجئ اوباما سببا في مصالحات شكلية؟ لقد تابعت موضوع المصالحة العربية، فلم أجده يشغل حيزا من اهتمام الصحافة الغربية! إذ يبدو حتى الآن بأنها مصالحة داخلية غير مقنعة.. وسواء كانت بإرادة داخلية، أم بمباركة خارجية، فان أهم ما يمكن الاستفسار عنه: هل أنها تعّبر عن مصالح سياسية محلية خاصة بهذا البلد أو ذاك، أم أنها تشكّل إرادة إستراتيجية في موافقة كل من التيارين المنقسمين المتباعدين والمتنافرين على صفحة مبادئ وثوابت مشتركة؟ إن تاريخنا المعاصر حافل بالتنافرات والمقاربات.. بالانقسامات والمصالحات حتى دعيت مرحلة كاملة بـ quot; الحرب العربية الباردة quot; في الأدبيات الغربية وخصوصا تلك التي شهدها العرب إبان الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي quot; (البيان الاماراتية، 11 مارس 2009) هنا علينا أن ندرك بأن ليس من السهولة أبدا إزالة الأدران المكنونة بين الدول العربية، إذ قرأت بأن دولا مثل مصر والمغرب وربما السعودية ستغيب عن قمة الدوحة نهاية هذا الشهر في حال مشاركة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد الذي كان قد شارك في قمة الدوحة السابقة، ولا يعرف أن كان سيشارك في هذه القمة أم لا؟
مأزق جامعة الدول العربية؟
أما جامعة الدول العربية، فهي دوما في مأزق كبير لا تعرف كيف تتصرف وسط هذه المعادلة الصعبة، حتى سمعنا قبل أيام عن تصريح لأمينها العام بالعجز بعد سنوات من التنطع والتغيير! وهذا ما كنت قد نبّهت إليه قبل سنوات طوال.. ولم تنفع كل محاولاتها إنقاذ نفسها، فهي اليوم عاجزة عن صنع أي إستراتيجية عربية مشتركة، تنقذ ما يمكن إنقاذه من تدهور الاوضاع العربية أولا، وهي غير قادرة عن فهم الأجندة الإيرانية التي علينا أن نعترف بقوتها الشديدة في مختلف شؤون الشرق الأوسط، وتصل إلى أعماق بلاد المغرب ثانيا، وهي ـ أيضا ـ كما توضح اعجز من الإرادة التركية التي توضح كم لها من إمكانات قوية في اللعب بإحداث الشرق الأوسط حتى على مستوى الانهزام أمام خطاب اردوغان ثالثا.. وان إسرائيل هي الوحيدة التي تدرك كم هو وزن كل من تركيا وإيران في تحديد صورة الشرق الأوسط، والتي لا يدركها العرب رابعا.
المشكلة التي لم يستطع احد فك ألغازها هي أن لإيران إستراتيجية قوية لا يمكن التعامل معها باستهانة، أو تجاهل، أو تقليل من شأنها.. وحين نسمع ما أجاب عليه الأخ عمرو موسى عندما قيل له حول حضور إيران لقمة الدوحة، قال نصا: quot; لسنا في احتفالية..! واعتقد أن لن يكون هناك حضور غير عربي سوى للمنظمات الدولية والإقليمية quot;! هذا ليس جوابا واقعيا يدرك ما للشرق الأوسط من متغيرات جديدة؟ بل ما للمنظومة العربية من متغيرات إقليمية؟ إن إيران أقوى بتدخلاتها في الشؤون الأوسطية من تركيا، ولكنني اعتقد أن الدور التركي سيتفاعل يوما بعد آخر للإسراع بالمتغيرات التي لم يدركها العرب حتى الآن، فكيف سيكون للعرب إستراتيجية يمكنهم أن لا يستخفوا بالمصير، كما هو واضح اليوم. إن مشاركة إيران وتركيا في المعادلة أصبحت واقعا كائنا من دون أن نتغابى عن ذلك، أو أن نصف ذلك انه مجرد احتفالية! إن كلا من تركيا وإيران لا تلعبان أبدا. إن لكليهما أجندة واضحة ومكشوفة وصريحة لدوريهما في عموم الشرق الأوسط.
واخيرا: مشاكل وادوار اكبر من حجم العرب!
إنني دوما أقول بأن المشكلة ليست تافهة حتى نعالجها بسذاجة.. إننا بحاجة إلى اكبر من تنقية الأجواء العربية، أو من خلال المساومة على مشاركة هذا، أو عدم حضور ذاك.. إن المشكلة اكبر مما نتخيلها نحن العرب.. إنها مشكلة انعدام أية إستراتيجية عربية مشتركة.. إنها مشكلة انعدام الاعتراف بالأدوار التي يقوم بها الآخرون.. إنها مشكلة لا تخصنا وحدنا، واليوم لا تعتبر قضايا الشرق الأوسط هي قضايانا وحدنا فقط.. إنها مشكلة العجز عن التعبير العربي الموحد للحد الأدنى من الاتفاق.. إنها مشكلة الانزواء والهروب، وليس المشاركة والحوار الند للند.. إنها مشكلة الاعتماد على دول كبرى في مسائل إقليمية يمكن الوصول إلى حلول واقعية لها إقليميا في مخاطبة العالم.. على العرب أن لا يندهشوا من حالة الغزل الأمريكي الإيراني الجديدة التي عبر عنها اوباما بتهنئته إيران بعيد النوروز القومي وباللغة الفارسية وهو يستشهد ببيت شعر للشاعر الفارسي الكبير سعدي الشيرازي حول التجمع الإنساني لبني آدم على الأرض! إن العرب لا يدركون أن هي حساباتهم، وهم منشغلون بخلافاتهم أولا، وقد قضّت مضجعهم التوغلات الإيرانية في شؤونهم ثانيا.. ربما لا تحضر إيران مؤتمر الدوحة، ولكن علينا ان نعترف أن إيران تخترق المنطقة، وان لها حضورا كبيرا على كل مساحة ما كان يسمى بـ quot; العالم العربي quot;!
www.sayyaraljamil.com