إن الدول العربية، تعيش اليوم، مرحلة التفكك بعد أن ذبحتها مرحلة الانقسامات.. لقد أثبتت الأحداث التاريخية منذ أن دخل العالم القرن الواحد والعشرين، أن ما يسمى بمنظومة (أو: جامعة) الدول العربية هي ظاهرة خطابية سياحية مهرجانية ليس الا، وان المبادئ التي جمعت هذه الدول العربية سواء المؤسسة، أو التابعة، قد انتهت من دون رجعة.. تلك quot; المبادئ quot; التي تضمنها النظام الداخلي لهذه quot; الجامعة quot;، والتي اتفق على أن يكون أهم مبدأ فيها يقول بدفاع الدول الأعضاء عن أي دولة منها تتعرض لأي خطر خارجي! ولقد كان هذا quot; المبدأ quot; أكذوبة حقيقية منذ أن نشأت هذه quot; المنظومة quot; الهشة التي لم تستطع أبدا الاستجابة لتحديات الأعضاء، ونزق بعضهم، وهشاشة الآخرين مع أجندة ما يسمى بدول عربية كبيرة تريد فرض شعاراتها وأفكارها سواء ابتعدت أو اقتربت من مبادئ العضوية..
أحداث غزة اليوم، لا تختلف عما سبقها من أحداث مريرة في تاريخ المنطقة، بل هي واحدة في سلسلة الصراع الدائم في المنطقة التي لم تأتلف ولا لمرة واحدة على quot; إستراتيجية موحدة quot; أبدا، بل أن الصراعات السياسية الداخلية التي كانت منذ خمسين سنة محتدمة أيديولوجيا، غدت اليوم متهرئة قيميا، ومنتجة لانقسامات لا حدود لها حتى ضمن البيئة الواحدة، أو البلد الواحد. ولا ندري هل سيبقى مثل هذا quot; الوضع quot; المزري، أم أنها باقية تعيش انقسامات التاريخ حتى يومنا هذا، بل وتساهم في التعمية على الانقسامات والضعف؟؟ فما دورها إذن إن لم يجتمع كل العرب في أروقتها عند الأزمات؟ ومن خولها وحدة الموقف إن كان الأعضاء قد انقسموا على أنفسهم؟
لقد كنت قد طرحت منذ سنوات خلت على صفحات جريدة النهار البيروتية أن تعلن جامعة الدول العربية استقالتها من التاريخ.. كي يبحث العرب عن منظومة جديدة، تساهم من خلال نظامها الداخلي في تأسيس نظام عربي جديد يتلاءم والتحولات الجديدة؟ ولقد ثارت ثائرة سدنتها وقت ذاك، وبدءوا يرددون شعارات الإصلاح، ولكن من دون أي نتائج عملية، كونها ضحك على الذقون.. ثم انبثق ما يسمى بـ البرلمان العربي والذي وصفته بأضحوكة جديدة، وزعلوا مني مرة أخرى.. واليوم، أسألهم بضمائرهم: أين هو الإصلاح؟ وأين هو البرلمان العربي؟ ومجتمعاتنا تسحق، وغزة تدّمر بعد حصار شديد؟
هل يعقل أن تصبح quot; الدولة quot; العربية منفصمة عن مجتمعها بالكامل؟ أم أنها كانت منذ أن وجدت على طرفي نقيض هي والمجتمع الذي تحكمه؟ وهل كانت البلاد العربية جديرة بالحفاظ على جغرافياتها التي صنعها الأوائل، ولم يصنها الأواخر بأي شكل من الأشكال؟ وعلى امتداد قرن كامل فشلت المجتمعات العربية من خلال ما لها من quot; دول quot; أن تؤسس تقاليد تاريخية لها، وكانت الأجيال ضحية أهواء ونزوعات وبقايا ومواريث ومخلفات ماضي الآخرين!! ولماذا بقي العرب حتى اليوم اكبر عجزا من إيران أو تركيا في تشكيل إرادة موحدة إزاء إسرائيل، واذ ينظر لتركيا وسيطا للسلام، تبدو إيران مثيرة للمشكلات.. العرب اليوم منقسمون سياسيا، كالعادة، ولكنهم اليوم، قد تشّظوا اجتماعيا ضمن خنادق طائفية ودينية وعرقية ومذهبية وجهوية.. من ناحية أخرى، صحيح أن الناس خرجت إلى الشوارع تعبر عن رفضها لما تقوم به إسرائيل ضد غزّة، ولكنه تعاطف من اجل التنديد والاستنكار لا من اجل أهداف معينة.. يتساءل أي مراقب: ما الذي يريده الناس؟ هل يريدون الحرب أم يريدون السلام؟ وإذا كان العرب لا يدركون ما الذي تريده إسرائيل حتى الآن، فان السؤال الآخر: بأية شروط تريد إسرائيل التعايش مع العرب، وهي تعيش سلسلة حروب تشعلها في كل مرحلة من المراحل؟ لقد كان العرب إلى جانب الفلسطينيين في الميدان سابقا، ثم غدوا وحدهم من دون العرب في المواجهة، ولكنهم هم أنفسهم، قد انقسموا ليس سياسيا فحسب، بل انقسموا استراتيجيا بين كيانين وحكومتين وسلطتين وواقعين.. وان كلا من الاثنين محاصرين، وكما هو حالهم، فان العرب أساسا منقسمين بين معسكر التفاوض وبين معسكر الرفض.. وإذا عدنا إلى تاريخ هذا التصنيف، لوجدنا أن العرب كلهم كانوا من جبهة الرفض ومع اللاءات الثلاث، ولكن سرعان ما تبلور معسكر القبول بالسلام، ليتبلور على الطرف الآخر معسكر الرفض الداعي للحرب.
يبدو أن كلا من الجانبين، أي المعسكرين غير مؤهلين أبدا لانجاز المهام أو الأهداف التي يريدان الوصول إليها.. وكثيرا ما ينقسم المجتمع بانقسام السياسات، علما بأن ليس هناك أي سياسة أفضل من أخرى، إلا بقدر تعّلق الأمر بحسابات ذكية في وصول أصحابها لتحقيق ما يريدون بأقصر الطرق وارخص الأثمان.. صحيح أن من لا يريد التفريط بالحقوق يصمد ويناضل حتى أنفاسه الأخيرة، وهو يعتبر صموده بمثابة انجاز تاريخي إزاء العدو المتغطرس الذي لا يهمه إلا أن يسحق ويقتل ويدمر ويشرد.. ولكن من يرضخ للحلول والمفاوضات يعلن عن جملة مبادئ، منها: الحكمة، والجنوح للسلم، والقبول بالأمر الواقع لقاء ما يمكن الحصول عليه من خلال المفاوضات! إن الانقسام الفلسطيني هنا ليس كما يردد البعض، هو انعكاس لانقسام العرب، بل لأن طرفا ثالثا، أو رابعا قد دخل اللعبة، أو هكذا يبدو، انه داعم لهذا quot; المشروع quot; أو داعم لذلك quot; الموقف quot;، أو مزود بالسلاح، أو دافع للأموال، ناهيكم عن فقدان إسرائيل مصداقيتها أولا، وعدم اعترافها بالحقوق الفلسطينية ثانيا.
السؤال الآن: لماذا اخفق العرب في بناء نظام عربي جديد يؤسس لتاريخ جديد، أو قل لمستقبل من نوع جديد، كما طالبنا بذلك في أكثر من مكان منذ نهايات القرن العشرين؟
صحيح أن أنظمة سياسية عربية عديدة طرحت شعارات quot; الإصلاح quot;، ولكنها كذبت، كونها أرادت إقناع العالم أنها مع تحولات القرن.. فعادت إلى المربع الأول حيث لا يمكن مقارنتها اليوم، بما كانت عليه في الماضي القريب.. صحيح أن جميع العرب (باستثناء العراق المهزوم عام 1991) قد صفقوا لمؤتمر مدريد، وشاركوا فيه، ولكنهم لم يكونوا على استعداد إعلامي بالاعتراف بإسرائيل، علما بأنهم معترفون بها خفية كل على انفراد.. إنهم عاشوا زمنا طويلا يشتهون إسرائيل، ولكنهم يستحون من الاعتراف بها .. يتعاملون سرا مع إسرائيل، ولكنهم يبيعون الوطنية على شعوبهم.. هذا الانفصام العربي خلق لدى إسرائيل استهانة كبيرة بالعرب الذين يتكلمون بأكثر من لغة معها أو ضدها في آن واحد!
إن أي نظام عربي بحاجة إلى جملة شروط حقيقية لتأسيس حياة سياسية جديدة بعيدة عن كل المألوفات التي أصابها الوهن والعفن معا.. إن تأسيس إستراتيجية عربية لا يمكنها أن تولد من منظومة جامعة دول عربية لم تعد لها أي نفع أبدا، فإذا كانت قد أخفقت في الثلاثين سنة الأولى من حياتها، فقد كان هناك مشروعات عدة للتغيير والانقلابات والتحولات التي لم يكن الناس تتصور أنها ستفشل جميعا.. في حين أن إخفاقاتها المتتالية في الثلاثين سنة الثانية قد قادت إلى أن تكون ميدانا لتصفية الحسابات العربية ولم تعد تنفع إزاء حروب ومشكلات وغزوات وحصارات واحتلالات.. الخ
اليوم، نجد إسرائيل تسحق غزة، ولم تستطع الجامعة أن تظفر باجتماع واحد لوزراء الخارجية العرب، فكيف لاجتماع قمة عربي كان لابد أن ينعقد لا من اجل توحيد الفلسطينيين وانتشالهم من انقسامهم، ولكن من اجل الاتفاق على مبادرة عربية موحدة لتخليص غزة من محنتها والابرياء من الانسحاق.. لم نسمع بأي لغة عربية جديدة كالتي تروج أيام الأزمات والحروب! لم نسمع بأية تهديدات كالتي كنا نسمعها من زعماء سابقين! إن من يريد تأسيس نظام عربي جديد، لا يتعاون لوحده مع أي نظام دولي أو إقليمي بمعزل عن الإرادة الموحدة.. إننا أمام حالة تاريخية هشة لا تتمتع بأي ثقل في مواجهة العالم.. وسيبقى العرب يدورون في دوامتهم من دون أي نظام جديد يحدد سيرورتهم التاريخية إزاء العالم في القرن الواحد والعشرين!

www.sayyaraljamil.com