أحدث المسلسل الكويتي quot;ساهر الليل 3 - وطن النهارquot; جدلاً في صفوف الكويتيين والعراقيين على حدٍّ سواء، وهو الذي يتتطرق لأيام الغزو العراقي للكويت في عهد الرئيس السابق صدام حسين.


الرياض: استطاع المخرج دحام الشمري أن يحيي مقولة quot;الدراما ذاكرة الأُمَّةquot; في مسلسل quot;ساهر الليل 3ndash; وطن النهارquot;، وذلك من خلال توثيق حقبة تاريخية مهمة عاشتها الكويت إبان غزو العراق لها في العام 1990، في إطار درامي مفعم بمشاعر متعددة، ما بين قصص حب، وخوف على الوطن، وعلاقات اجتماعية وإنسانية عاشها الشعب الكويتي آنذاك.

وكان من الضروري عدم التسرع وإبداء الرأي أو الكتابة عن العمل مثلما فعل الكثيرون بعد حلقتين أو أربع حلقات على الأكثر، والانتظار حتى تقترب الصورة الفنية من الاكتمال إلى حد كبير بعد عرض عشر حلقات أو أكثر حتى الآن.

وإذا بدأنا بالقصة والسيناريو والحوار الذي تظهر عليه الحبكة والتشويق وربط الخيوط الدرامية ببعضها حتى إن المشاهد لا يستطيع أن ينفك عنها أو يتشتت من وقت لآخر، فنجد أن الأشخاص والأحداث الدرامية جاءت مترابطة بدرجة متناسقة ومتدرجة؛ فالعلاقة بين مريم وابن عمها يوسف من طرف واحد، واقترابها من الخطوبة بآخر، ولكن غزو العراق للكويت يمنع ذلك، وعلاقة نوف بزوجها محمد الذي يسهر دائمًا بالليل خارج المنزل ويحتسي الخمور كثيرًا، وعلاقة أحلام بجارها راشد الذي يريدها وهي لا تريده بسبب فشلها في زواجها الأول... هذا جانب واحد فقط من العلاقة الدرامية في العمل وهو العلاقات العاطفية.

ولو نظرنا إلى جانب آخر فنجد جاسم، وهو دبلوماسي كويتي سابق يتخفى لأن القوات العراقية تبحث عن أي دبلوماسيين كويتيين، في الوقت الذي يعمل فيهابنه شرطيًّا، ويختفي عندما تغزو القوات العراقية الكويت، ويقع أسيرًا في أيديهم ويُعتقل، وفي الوقت نفسههذا الدبلوماسي السابق أخوه يتولى إدارة أعمال تجارية ورثاها عن ابيهما، ولكن الخلافات بدأت تدب بينهما بسبب مغالطات حسابية. كل هذه العلاقات تبين الترابط القوي في الخيوط الدرامية، وكيف استطاع المؤلف والمخرج إبراز أكبر كم من السمات الاجتماعية للمجتمع الكويتي في تلك الفترة.

أما من ناحية القضايا التي تم عرضها في إطار القصة الدرامية؛ فنجد المشاكل الزوجية وعلاقتها بإدمان الكحوليات باعتبارها أحد أسباب الانفصال بين الزوجين، وتهديدها للأسرة وترابطها، وهذا يظهر من العلاقة بين نوف وزوجها محمد بسبب شرب الخمر والسهر خارج المنزل، كما يسلط الضوء على قضية الأسرى الكويتيين إبان الغزو العراقي، وما تعرضوا له من تعذيب وإهانة وقتل، وهذه تُحسب للعمل، والتي لم يتعرض لها أحد من قبل بهذا التركيز.

وبعد الغزو العراقي تبدأ الشخصيات في إحداث دراما تتعلق بالحدث الجديد، فنجد مريم لها رأي في مواجهة الغزو العراقي بالخروج في مظاهرة سلمية، ويتطور الأمر مع يوسف ويبدأبتشكيل تنظيم مسلح، وحتى الشباب في سن الدراسةالذين يجسد شخصياتهم يوسف البلوشي ومحمد صفر اللذان يقومان بدور فعَّال بكتابة عبارات على الأسوار والحوائط في الشوارع تناهض الغزو العراقي وتهاجم صدام وترفضه، وتؤيد الكويت وشعبها.

كما نجد يوسف الموظف في الحكومة الكويتية كيف كان حريصًا على نقل الملفات المهمة التي تخص أسماء الكويتيين ورواتبهم إلى السعودية للحفاظ عليها وعلى سريتها، وكيف ساعدته مريم، كما نجد أيضًا محمد -زوج نوف- ورجولته وإصراره على نقل أجانب إلى السعودية على الرغم من أن والدته اعترضت على ذلك لأنه لا يعرفهم من قبل ولا داعي ليخاطر بحياته من أجل سلامتهم.

لقد استطاع المؤلف فهد العليوة والمخرج دحام الشمري إلقاء الضوء على أهم تفاصيل المجتمع الكويتي وطبيعة علاقاته الاجتماعية والإنسانية قبل الغزو وبعده، إضافة إلى ردة فعل كل طبقات ومكونات المجتمع على ما حدث من اجتياح القوات العراقية للكويت، ليجعل المشاهد يعيش هذه الأيام من جديد، ويستدعي آلامها من ذاكرته ليجدد الجرح العربي، ولكنه للأسف حدث في الماضي، وصار تاريخًا، ولا بد من تذكره.

كما استطاع المؤلف والمخرج أن يُفرِّقا ويميزا بحرفية عالية بين الشعب العراقي وصدام وجيشه، فكانت الأم العراقية المتزوجة من كويتي والتي ربت وعلمت أبناءها الكويتيين أكبر دليل على تلاحم الشعبين؛ ليؤدي العمل رسالته الفنية دون إهانة أو إساءة أو تجريح الشعب العراقي..

ونجح فريق العمل في الحلقات التي عرضت حتى الآن في إثارة الجدل بين المشاهدين لنجد المؤيدين والمعارضين للمسلسل مما يدل على نجاحه وتحقيق نسبة مشاهدة عالية ظهرت جلية من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي quot;فيسبوكquot; وquot;توتيرquot; وكمية الملاحظات على بعض الأخطاء في التصوير وتفاصيل الديكورات وما إلى ذلك، ولكن كل هذا يُحسب للعمل والقائمين عليه، وليس عليهم، فلا يخلو أي عمل من أخطاء، ولكن النقد البنَّاء يُبين كل شيء في العمل الفني سواء كان سلبيًا أو إيجابيًا، وفي النهاية استطاع مسلسل quot;ساهر الليل 3 ndash; وطن النهارquot;أن يكون من الأعمال الدرامية الخليجية التي تحفظ ذاكرة الأمة وتوثقها للأجيال القادمة، فمن لا يملك ماضيًا لا يملك حاضرًا ولا مستقبلاً.