قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"إيلاف" من القاهرة: يُعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود والتي وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي اصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داود.
وتواصل إيلاف عبر عدة أجزاء حكايات المسرح المصري كما روها سمير خفاجي في مذكراته، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها ذاكراً لوقائع بأسماء أصحابها.

الحلقات السابقة من مذكرات المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الأولى: سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضي
الحلقة الثانية: سمير خفاجي العاشق لصوت "أم كلثوم": هكذا رحل نجيب الريحاني!
الحلقة الثالثة: سمير خفاجي يوثٍّق انطلاقة فؤاد المهندس وعلاقته بـ"الريحاني"
الحلقة الرابعة: سمير خفاجي: بشارة واكيم مات حزناً من الجمهور!
الحلقة الخامسة: سمير خفاجي: بديع خيري رفض التعاون مع فؤاد المهندس!
الحلقة الساددسة: سمير خفاجي: يوثِّق اللقاء الأول بين بليغ حمدي وعبد الوهاب
الحلقة السابعة: تحية كاريوكا تُلحِق الخسائر بفرقة المسرحي سمير خفاجي

ساعة لقلبك المسرحية..
ويتابع خفاجي سرده: بعد هذا الموسم في بورسعيد جلست لترتيب حياتي خصوصا بعد أن مات والدي وأصبحت مسؤولاً عن نفسي والمفروض أن أكون مسؤولا عن والدتي، فقد أصبحت وحيدة وشقيقتاي متزوجتان ولا يقمن في مصر. فشقيقتي التي تصغرني مباشرة مقيمة في المغرب مع زوجها الذي أصبح سفير مصر في المغرب، والصغري بعد وفاة والدي مباشرة انتقلت مع زوجها إلى ليبيا الذي تم تعيينه ملحقا عسكريا في سفارتنا في ليبيا.. وأصبحت أقيم أنا ووالدتي وحدنا وكنت أسهر مع أفراد الفرقة كل ليلة سواء كان هناك عمل أو كنا نذهب إلى أحد الأماكن العامة ولم أكن اعود إلى المنزل إلا في ساعات الصباح الأولى، وملت والدتي هذه الوحدة وجاء خالي وأقنعها بأن تقيم معه في البلد، وكانت جدتي مازالت على قيد الحياة، وبعد مفاوضات كثيرة استطعنا إقناعها وقد كان همها الأول كيف أستطيع الإقامة وحدي وأنا شخص لا يجيد عمل أي شيء في المنزل فطمأنتها أني كبرت واستطيع الاعتماد على نفسي في كل شيء وأنا لا أدري ما سأفعله..! حتى هذه اللحظة كنت لا أحمل أي هم معتمدًا عليها من طفولتي حتى أصبحت شابا.. كانت تتولى كل شئ حتى ملابسي التي أخرج بها في الصباح هي التي تنتقيها. فقد كمن أجد كل صباح في حجرتي القميص الذي سأرتديه مكوي وكذلك البنطلون.. والجزمة تلمع، وأعود فأجد االحجرة مرتبة والغداء معدًا.. هل استطيع عمل كل هذه الأشياء؟.. كانت شقتنا كبيرة جداً، لا استطيع تحملها وحدي فاتفقنا على أن نترك هذه الشقة الكبيرة واستأجرت شقة صغيرة في حدود إمكانياتي.. وسافرت والدتي وبدأت رحلة البحث عن شقة.. وتركت العفش عند صديقين لي إلى أن أجد شقة وأتمكن من نقل العفش.. كان أحدهما عبدالفتاح السيد وهو مترجم مسرحيات عن اللغة الفرنسية وكان يعمل مع الأستاذ أبو السعود الإيباري مترجما ومديرا للفرقة.. وكانت شقته صغيرة ولم تستوعب كل العفش فعرض على وديع وكان يعمل بار مان في بار يدعي جامايكا، كانت صاحبته إيفون ماضي، ابنة الفنانة زوزو ماضي، حينما عرف أني لا أجد مكان أضع فيه العفش عرض على أن يخزن لي جزءا منه في منزله فشعرت أن مشكلة العفش قد حلت وقبلت فورًا.

كان يوسف عوف وهو صديق ورجل تركن إليه فالأزمات، يقيم بمفرده في الشقة في الدقي بشارع نوال تتكون من غرفتين وصالة وكانت شقة صغيرة لكنك تشعر فيها بالدفء خصوصا مع صديق تستطيع مناقشته في مشاكلك بلا خجل، وخصوصا إنه يعمل بنفس المهنة التي نعمل بها.
كنت كما سبق وذكرت أن أبطال الفرقة لا يرحبون بالعمل في فرقة مسرحية وأنهم يفضلون وضع الفرقة كما هو قائم وأن هذا التطور الطبيعي فالحياة أصبح إيقاعها سريع فيجب أن يكون المسرح إيقاعه سريعاً، وأن الإيقاع السريع هو هذه الاستكشات.

بعد جهد وبعد أن فشل أكثر من موسم لنا استطعنا إقناعهم يتقبل الفكرة على أن لا يتحملوا أي ماديات واتفقنا على أن يأخذ كل منهم نسبة الأرباح هي 5%، بدأت الإعداد للفرقة الجديدة وطبعا استعنت بفؤاد المهندس، الذي رفض رفضا باتاً العمل في فرقة ساعة لقلبك الاستعراضية، ورحب كل الترحيب بالفرقة في وضعها الجديد، كما استعنا بالاستاذ أحمد حلمي وهو خريج تجارة وهو الذي كان يترجم ويخرج المسرحيات التي تقدمها فرقة التجارة ويقوم ببطولتها حسين عبد النبي كما أنه رقيب في الرقابة على المصنفات الفنية.. بدأت الفرقة بثلاث مسرحيات (مراتي صناعة مصرية قدمها من قبل الاستاذ أحمد حلمي لأول مرة بفريق كلية التجارة القاهرة على مسرح الريحاني ولمدة ليلة واحدة وكان يقوم ببطولتها حسين عبدالنبي ونور الدمرداش ولأول مرة قدموا فيها النجمة السينمائية ماجدة الصباحي) و(أسألوا الاستاذ شحاتة والمسرحتىن من تأليف وإخراج الأستاذ أحمد حلمي).. أما الثالثة فهي المسرحية التي كتبها لنا الأستاذ أحمد شكري والتي كنا قدمناها سابقا وأخرجها فؤاد المهندس وهي (ما كان ما الأول)، في هذا الموسم اشتركت معنا السيدات زهرة العلا وزوز شكيب وسميحة توفيق كذلك السيدة آمال زايد.



فتحنا الستار لأول مرة عن فرقة ساعة لقلبك المسرحية بمدينة بورسعيد وكانت مسرحية الافتتاح هي (مراتي صناعة مصرية)، وكانت البطولة المطلقة فيها لفؤاد المهندس وهو الدور الذي كان يقومه به حسين عبدالنبي، ولم تكن الجماهير تعرف فؤاد المهندس معرفة جيدة فكانوا يعرفون كصوت في الإذاعة إذ أنه كان يقدم برنامج (عيلة مرزوق أفندي)، كذلك كانت الأفلام التي ظهر فيها قليلة وكان قد قام ببطولة فيلم واحد وهو بنت الجيران الذي أخرجه محمود ذو الفقار بعد أن رآه ونحن نقدم في الجامعة مسرحية الدلوعة فأعجب به لأول مرة رغم أن فؤاد كانت تربطه علاقة حميمة بشقيقة صلاح ذو الفقار الذي لم يكن قد دخل عالم الفن بعد.. كذلك كانت تربطهم جيرة فهم من سكان العباسية في ذلك الوقت.. بعد رفع الستار كلما دخل أحد الممثلين المسرح من أعضاء ساعة لقلبك والمميزين أصواتهم مثل محمد يوسف الفتوة قوبل بعاصفة من التصفيق فكلهم نجوم لامعة يعرفها الجمهور حق المعرفة.. ولكن لما دخل فؤاد المهندس قابله الجمهور بصمت ولم يحييه التحية المفروض أن يحيوه بها.. شعرت بمرارة كالتي من المؤكد أنه أحس بها وهي على المسرح وتتابعت مشاهد المسرحية التي كانت فؤاد المهندس في أحد مشاهدها يقدم مشهد رجل سكران، وكان فؤاد حتى هذه اللحظة لم يكن ذاق طعم الخمر ولا يعرف تأثيرها.. ولا يعرف تأثيرها على شاربها.. ورغم ذلك أدّى المشهد بعبقرية لفتت أنظار الجمهور .. فأخذ يصفق بين الحين والآخر، وكلما تجاوب معه الجمهور ازداد اندماجاً واتقاناً، وما أن أسدل الستار وارتفع لكي يحيي الفنانون الجمهور حتى انعكس الوضع فبعد أن تتابع الممثلون على المسرح لتحية الجمهور، ظهر فؤاد المهندس ليحي جمهوره فالتهبت الأكف بالتصفيق لمدةٍ طويلة ووقفوا احتراما له. فانهمرت الدموع من عيني لاشعورياً لأنني أيقنت أنه بعد طول هذه السنين من المعاناة وبعد حمل استمر سنوات خرج من رحم الفن هذا الفنان وكان الجمهور بمثابة وزارة الصحة التي استخرجت شهادة ميلاده الفني بعد ولادةٍ عسيرة.

قدمنا مسرحية (مراتي صناعة مصرية) لمدة يومين ثم تبعناها بمسرحية (ما كان من الاول) وكان بطلها أيضا فؤاد المهندس، ولاقت نفس نجاح المسرحية السابقة بل أكثر ثم قدمنا مسرحية اسألوا الأستاذ شحاتة ولم يشترك فيها فؤاد المهندس فكان نجاحها أٌقل بكثير من المسرحتىن السابقتين.

انتهى موسم بورسعيد وجميع أبطال الفرقة شاعرين بأهمية فؤاد المهندس، وأنهم لا يستطيعون تحمل مسؤولية تقديم عرض مسرحي بدونه. بعد ذلك انتقلنا إلى رأس البر وقدمنا نفس المسرحيات وكان نجاحها غير مسبوق، وكان موسم رأس البر قصيرًا جدًا إذا كان لمدة 4 أيام.. وطالبت الجماهير التي لم تشهد المسرحية لفترة أخرى. غير أنه في آخر ليالي العرض جاءنا اتصال من القاهرة ليعلن لنا أن زوجة فؤاد المهندس وضعت مولود فؤاد المهندس الأول (أحمد) 19-9-1959.
لم ينتظر فؤاد المهندس الصباح بل سافر فور انتهاء العرض إلى القاهرة ليلًا، وبذلك لم نتمكن من تمديد الحفلات.

عدنا إلى القاهرة وكانت المشكلة.. كيف لفرقة أن تستمر دون أن تقدم أعمالها في العاصمة.. أين المسرح الذي نستطيع أن نستأجره؟.. جميع المسارح على قلتها مشغولة، مسرح الأزبكية تعمل عليه الفرقة القومية، ومسرح الأوبرا يقدم مواسم الأوبرا الإيطالية وعروض الكوميدي فرنسيس والبوليشوي وفي الفترات التي يخلوا فيها المسرح يقدم على مسرح الأوبرا مواسم متغيرة لفرقة المسرح الحر، أو أنصار التمثيل ومسرح الريحاني تعمل عليه فرقته، كذلك مسرح ميامي الذي تعمل عليه فرقة اسماعيل ياسين.

خطرت لي فكرة فمسرح ميامي أصله سينما ميامي الصيفي، وكان صاحبه سولي بيانكو (جريكي) يقوم بعمل جمالون لتغطيته في الشتاء تعمل به فرقة اسماعيل ياسين وفي الصيف يفك هذا السقف كي يستعمل كسينما.. فكرت في مسرح الأزبكية الصيفي.. الذي كان يعمل كسينما ثم حولته وزارة الثقاقة إلى مسرح صيفي كانت تعمل عليه الفرقة القومية، ويؤجر في فترات عمل الفرقة وكان هذا المسرح لا يستعمل شتاء، فلماذا لا نقدم هذه التجربة.. ولكن من يستطيع أن يقنع الوزارة بهذه الفكرة وهي لا تكاد لا تعرف شيئا عن الفرقة..؟ بعد تفكير ماذا لو استطعنا أن نقدم حفلة واحد في القاهرة على أن ندعو وكيل وزارة الثقافة عبدالمنعم الصاوي في ذلك الوقت حتى يري إمكانيات الفرقة وفنانيها.
اختمرت الفكرة في إذهاننا.. واستطعنا إقناع إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة أننا نرغب في تقديم عرض مسرحي مجانا للقوات المسلحة على مسرح نادي الزمالك التابع للقوات المسلحة، ولم يكن مسرح الزمالك قد أنشئ بعد.. نجحت الفكرة وقبلت إدارة الشؤون العامة هذا العرض.

كانت هذه الخطوة الأولى أما الخطوة الثانية هي إقناع الأستاذ عبدالمنعم الصاوي بحضور العرض، وكنا نظن أن قبوله يتطلب مجهوداً، ولكن ظهر لنا العكس. فقد قبل الرجل بكل بساطة، بل رحب بالفكرة.. مسرح الزمالك في حديقة النادي كبير جدا استوعب عدد كبير من المشاهدين من ضباط وعساكر القوات المسلحة الذي تجاوب مع العرض، وكنا نقدم مسرحية (مراتي صناعة مصرية) وقامت بالبطولة النسائية في هذا العرض السيدة خيرية أحمد وزوز شكيب، وجميع أفراد الفرقة.. أُثني الأستاذ الصاوي على العرض وأبدى إعجابه بالفرقة. وهنا طلبنا أن نقابله في الوزارة فحدد لنا الأستاذ الصاوي موعدًا.
في الموعد المحدد ذهبت أنا ولطفي عبد الحميد فتلة وعرضنا على الأستاذ الصاوي الفكرة، فراقت له إلا أنه طلب مهلة للتفكير. خرجنا من عنده وكلنا أمل في قبوله. لكني كنت أفكر بأنه لو وافق، فإمكانياتي أقل من الإقدام على هذا المشروع! أرجأت التفكير في هذا الموضوع إلى أن نحصل على الموافقة. وبعد عدة أسابيع استدعاني الاستاذ الصاوي إلى مكتبه وقال أنه موافق على الفكرة 100% شريطة أن تتولى الوزارة تغطية المسرح، وتؤجره لنا موسماً محدداً كل سنة على أن تستغله بقية السنة، إلى غيرنا من الفرق.

وبدأ العمل في المسرح ووجدت قوائم من الحديد تزرع في الأرض.. قوائم ضخمة جدا.. ما كل هذا الحديد.. إن هذا الحديد يكفي لإقامة برج، وفوجئت بعد كل هذه الكميات الهائلة من الحديد والمضحك أن ما وضع فوقت هذا الحديد لم يكن بثقيل فقد كان قماش من النوع الذي تصنع منه قلوع المراكب، قلت هذا لا يعنيني في شي، المهم أن المسرح قد وجد وأننا سنعمل.. حددنا موعدًا للافتتاح بعد أن قبلت الوزارة أن تعطينا المسرح لمدة شهر.. وكانت مسرحية الإفتتاح (مراتي صناعة مصرية).
فوجئنا بأنه في الأيام الممطرة حينما تسقط الأمطار على المسرح أن تتجمع المياه فوق قماش السقف.. ومن شدة الحمل يأخذ القماش شكلا منبعجا، فننتظر إدارة المسرح لإحضار مارينا خشب طويلة يثبت في طرفها مسامير كي تحدث خرما في القمش فتنزل مياه المطر على صالة المسرح فتغرقها، ونقوم بعد ذلك بتجفيفها ويتكرر هذا كلما هطلت الأمطار.
نجحت المسرحية وكتب النقاد عنها كثيرا وأشادوا بفؤاد المهندس وشبهه موسي صبري بأنه يجمع بين نجيب الريحاني والعبقري شاري شابلن، كان أكثر ما كتب عن فؤاد المهندس، من كثرة ما كتب عن المسرحية طلب الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة في هذه الفترة مشاهدة المسرحية، غير أنه اشترط أن يكون العرض في حفلة ماتينيه في الساعة السادسة ولما كنا لا نقدم حفلات ماتينيه في هذه الأيام فقد اتفقنا على أن يكون اليوم الذي حدده الدكتور ثروت لحضوره ماتينيه، وأخطرنا أفراد الفرقة بذلك.
في اليوم المحدد هطلت الأمطار على المسرح بشدة، ولم يتمكن العمل من تجفيف المسرح لشدة الأمطار ولما كانت إدارة مسرح الأزبكية الشتوي والصيفي واحدة فقد وافقوا على تقديم العرض في المسرح الشتوي الذي كان قد انتهي تجديده لتعمل به الفرقة الحكومية ولم تكن بدأت بعد.. انتقلنا من المسرح الصيفي إلى الشتوي وحضر الدكتور ثروت.. وقبل أن ترفع الستار اكتشفنا إن فرحات عمر (الدكتور شديد) غير موجود بالمسرح وكانت الستار ترفع عليه، ارتبك الكل وأنقذ الموقف أمين الهنيدي الذي لم يكن يعمل في هذه المسرحية وقام بأداء الدكتور شديد.. وقرب نهاية الفلص الأول حضر شديد، ولما لمناه على التأخير وأخبرناه أننا سنوقع عليه غرامة كتب ورقة وقال فيها بالحرف: انتقال الفرقة من المسرح الصيفي إلى المسرح الشتوي أدي إلى هذا التأخير.. كيف؟.. وكواليس هذا المسرح لا تبعد عن الآخر إلا عدة أمتار.
انتهي العرض وصعد الدكتور ثروت عكاشة وقابلنا وأثني على الممثلين وفؤاد ولكن تعليقه أن المسرحية فؤاد وأن الجهد الذي يبذله الممثلون لا تستحقه هذه المسرحية، وهنا انبري لطفي عبدالحميد (فتلة) وكان أحمد حلمي موجودًا وقدمه للدكتور ثروت عكاشة: الأستاذ أحمد حلمي كاتب ومخرج المسرحية.. وأحمد حلمي يعمل رقيبا في المصنفات الفنية بوزارة الثقافة.. وأحمد حلمي مثال للموظف التقليدي امتقع لونه ولم يمض يومين إلا وكان في المستشفي مصابا بأزمة قلبية من شدة الزعل والحزن لرأي الوزير في كتاباته.


في سوريا
بعد انتهاء مدة الشهر أخبرنا الاستاذ الصاوي أن الوزارة قررت أن جميع الفرق التي تتعاون معها الوزارة بتأجير مسارحها لم يجب أن تعرض كل فرقة لمدة شهر في سوريا.. وكان ذلك أيام الوحدة بين مصر وسوريا.. وأن هذه العروض لا تتقاضى عليها أجر.. اللهم بدل سفر 15ليرة لكل فرد، يتساوي في ذلك النجم مع ممثل الدور الثانوي مع العامل.. كان هذا المبلغ زهيدًا جدًا خصوصا إذ عرفنا أن الجنيه المصري كان لا يزال في عافيته وكان يساوي 9 ليرات سورية وقد يصل 10 ليرات.. ورغم ذلك رحبنا بالسفر إلى سوريا فكنا نريد أن ننتشر في أنحاء العالم العربي.


توجهنا إلى سوريا في طائرة حربية من المخصصة لنقل الجنود.. وكانت متعبة إلى أقصى حد. ولكن المسافة كانت قصيرة.. ونزلنا إلى المطار في دمشق، وكانت الإقامة مريحة في فنادق الدرجة الأولى.. قدمنا حفلات دمشق وكان استقبالا حارًا، وكان الشعب السوري يرحب بنا أينما حللنا.. وكان تجار سوق الحميدية إذا ما اشترينا شيئاً يخفضون السعر إلى أٌقصى حد.. وكانت الهيئات تقيم لنا مآدب وحفلات للترحيب بنا.

عرضنا مسرحياتنا في كل محافظات سوريا وكنا ننتقل بأتوبيس والطرق وعرة وسببت لنا تعبا كثيرًا لا نكاد نصل إلى بلد ونعرض إلا وسافرنا في اليوم التالي.. وبعد أن عرضنا في حلب أخبرونا أننا سنتوجه إلى بلدة تدعي القامشلي.. وتقع على الحدود التركية وأن المسافة بينها وبين حلب الأتوبيس أكثر من 8 ساعات.. وسألنا فعلمنا أن الطريق وعر جدا.. هنا أعلن فؤاد المهندس راية العصيان وأعلن إن لم نسافر في الطائرة فلن يسافر.. تم اتصال بيننا وبين مكتب المشير عامر في دمشق وكان مكتب المشير هو المنوط بهذه الحفلات.. وكان الرد عدم استطاعتهم توفير طائرة لنقلنا إلى القامشلي، وامتنع فؤاد المهندس عن السفر وقررنا أن نقدم مسرحية أسالوا الاستاذ شحاتة التي كان يقوم ببطولتها الدكتور شديد أبو لمعة وهي ليست في مستوي المسرحيات التي يقدمها فؤاد المهندس.

العودة إلى القاهرة
عدنا إلى القاهرة لتفاجئنا وزارة الثقافة أنها اختارتنا من ضمن الفنانين الذين سيقدمون حفلات في أسوان بمناسبة وضع حجر الأساس للسد العالي.. سافرنا وكانت الإقامة هذه المرة في بيوت الشباب.. إذ كانت جميع الفنادق مشغولة بالشخصيات العالمية والرؤساء الذي حضروا لهذه المناسبة.
قدمنا الروايات الثلاثة في أسوان والتي حضرها ضيوف القاهرة الكبار، ولم يحضرها عبدالناصر وحققنا نجاحاً طيباً،حينما عدنا إلى القاهرة كان لابد من عمل خطة للخطوات التالية لنا.. فلابد من عمل مسرحية جديدة غير هذ المسرحيات الثلاث، ثم إيجاد مكان لتعمل عليه الفرقة.



التوجه للكتابة
كنت في الفترة التي كنا نقدم فيها فرقة ساعة لقلبك المسرحية بدأت اتجه للكتابة.. فقد وجدت عند الاستاذ أحمد حلمي مجموعة المسرحيات التي كانت تصدرها دار في إنجلترا متخصصة في نشر كل ما يتعلق بالمسرح تدعي صامويل فرينش.. بحثت في المكتبات عن هذه المسرحيات، حتى وجدت بعضا منها في مكتبة النهضة.. وعلمت منهم إنهم من الممكن أن يحضروا لي ما أريد من لندن، وأعطوني كتالوج فيه أسماء كل المسرحيات ومؤلفيها ونوع هذه المسرحيات سواء مسرحيات الفصل الواحد أو الثلاث فصول أو الكوميدي أو الفارس.. عكفت على الكتالوج واخترت المسرحيات الكوميدية والفارس بطبيعة الحال..
وبدأت بقرآتها وإذا استعصى عليا فهم كلمات لجأت إلى القاموس، وبإستمرار القراءة لم أعد استعين بالقاموس إلا نادرًا.. أعجبتني مسرحية وشدتني أحداثها ومواقفها الكوميدية، فأخبرت حسين عبدالنبي أني عثرت على مسرحية رائعة، وأخذها لقراءتها فأعجب بها هو أيضا واقترح على أن نشترك في اقتباسها.. وفعلا كنا نجلس ساعات طويلة في الكتابة واختيار النماذج وانتهينا من كتابتها وكنا راضين عنها كل الرضا واسمينها (دور على غيرها).. وظلت حبيسة الأدراج فقد عرضناها على المسرح العسكري، فاعتذر لعدم تقديمه هذه النوعية من المسرحيات.
حينما بدأت في التفكير في عمل جديد اتجه تفكيري إلى هذه المسرحية، واتفقت مع حسين واشتريت منه نصيبه، كانت البطولة جماعية في هذه المسرحية، فلما عرضت على فؤاد المهندس العمل بها لم يتقبل فكرة البطولة الجماعية، حاولت إقناعه بشتى الطرق لكن دون جدوي.

عرض عليا متعهد الحفلات أن نقدم 11 حفلة تبدأ من الخميس وتنتهي الأحد ويتخلل هذه الفترة العيد وعرض على أن نقدمها على مسرح الكورسال، رحبت بالفكرة وكان المبلغ المعروض عن كل حفلة 120 جنيها، بدأ التحضير للمسرحية وتعاقدت مع السيدة زينات صدقي التي كانت قد تركت فريق اسماعيل ياسين.
كان مخرج الروايات السابقة هو الأستاذ أحمد حلمي لكنه ممنوع من العمل لمرضه، فعرضت المسرحية على الأستاذ فتوح نشاطي، فرحب بالفكرة غير أنه اشترط كي يخرج هذه المسرحية أن يخرج للفرقة مسرحية كان هو مقتبسها، وتدعي (الطراطير الأعظم) وقد قدمها للمسرح العسكري بعد ذلك.. لم اتحمس للفكرة وعرضت المسرحية على الأستاذ عبد المنعم مدبولي وكان أول عمل لنا معا فهو كان أحد أسس ساعة لقلبك الإذاعية إلا أنه لم يعمل حتى هذا الحين لا مع فرقة ساعة لقلبك الاستعراضية ولا المسرحية.

بدأت بروفات المسرحيات وكانت تضم أغلب أعضاء الفرقة.. محمد يوسف الفتوة.. الخواجة بيجو فؤاد راتب.. أحمد الحداد الرغاية.. أمين الهنيدي فهلاو.. مع السيدات زينات صدقي وخيرية أحمد، آمال زايد، نبيلة السيد وسهير الباروني.
نجحت مسرحية دور على غيرها حين عرضها على مسرح الكوسال والغريب أنه طوال مدة عرضها كان الإيراد لا يتغير وهذا معنا أنه لم يكن كرسي خالي.. وكان صافي الإيراد اليومي طوال المدة وهو رقم لا أخطئه 258 جنيه و200 ميلم فإذا عرفنا أغلي تذكرة هو 51.5 قرش صاغ عرفنا حجم الجمهور (هذا حوالي 1959).. وعلي ذكر ثمن التذكرة كان هذا سعر التذاكر منذ كان يعمل نجيب الريحاني وهو الذي حدد هذا السعر بل أنه استمر بعد ذلك لفترات طويلة.

في ذلك الوقت، شعر أفراد الفرقة أنهم لهم كيان.. وأنهم يستطعون حمل مسرحية بدون فؤاد المهندس. فبدأوا يثقون بأنفسهم أكثر من اللازم لكون الجمهور كان يأتي لمشاهدتهم لا لفؤاد.. أو للمسرحية في حد ذاتها، وبعد الانتهاء من موسم سينما الكورسال اتصل بي الحاج وحيد الشناوي المدير الإداري بمسرح الأزبكية وقال أن المسرح خالي، وأنني أستطيع استئجاره إذا رغبت.. سارعت بالتعاقد على المسرح ونقلنا إليه مسرحية (دور على غيرها) وكان الحاج وحيد يتولى معي النواحي المالية بالفرقة.. فكان هو الذي يتولى شباك التذاكر ويحتفظ بالإيراد عنده إلى أن أطلبه..
شت الأمور طبيعية غير أني لاحظت كذا طلب سلفيات من أعضاء الفرقة.. الشيء الذي لم يكن موجودًا قبل ذلك.
المزيد في الحلقة التاسعة