كثيرة هي الصحف ووسائل الإعلام التي تسلط الضوء هذه الأيام على بعض الأفكار المنسوبة إلى مصر والتي يراها بعضهم "مبادرة مصرية" لوضع حد لحرب غزة، غير أن مصدرا مصريا مسؤولا صرح لقناة القاهرة الإخبارية - شبه الرسمية - أن المقترح المصري المتداول لوقف إطلاق النار بقطاع غزة لا يعد إلا مقترحا أوليا قابلا للتطوير عند حصول القاهرة على موافقة كافة الأطراف.

مبادرة "تنبني على التدرج والتأني"

يستند المقترح المصري، الذي جرى تعديله أكثر من مرة، إلى طرح تنفيذ هدن إنسانية مؤقتة لفترات زمنية قصيرة يتم خلالها وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات بشكل مكثف فضلا عن تنفيذ صفقات لتبادل الرهائن.

ووفق هذه الرؤية ستُعلن خلال المرحلة الأولى هدنة إنسانية لمدة 10 أيام تفرِج خلالها حركة حماس عن جميع الرهائن المحتجزين لديها من نساء وأطفال ومرضى مقابل إفراج إسرائيل عن عدد مناسب يُتَفق عليه من السجناء الفلسطينيين لديها.

وخلال هذه الفترة سيتوقف إطلاق النار توقفا كاملا في قطاع غزة كافة من الجانبين كليهما كما سيُعاد نشر القوات الإسرائيلية بعيداً عن محيط التجمعات السكنية، وسيُسمح بحرية حركة المواطنين من الجنوب للشمال، كذلك حركة السيارات والشاحنات، في وقتٍ تلتزم فيه حركة حماس بوقف كافة أشكال العمليات تجاه إسرائيل.

ولضمان تنفيذ هذه الرؤية، يجب على إسرائيل وقف جميع أشكال النشاط الجوي الإسرائيلي بما في ذلك المُسيرات وطائرات الاستطلاع، مع تكثيف إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية التي تشمل الأدوية والمستلزمات الطبية و المحروقات والأغذية دون استثناء شمال القطاع.

ويقول مراقبون إن المرحلة الثانية من هذه الرؤية ستمتد لنحو أسبوع، وتتضمن الإفراج عن كافة المُجندات الإسرائيليات المحتجزات لدى حركة حماس مقابل عدد يتفق عليه من الجانبين من السجناء الفلسطينيين لدى إسرائيل، وكذلك تسليم كافة الجثامين المحتجزة لدى الجانبين منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

أما المرحلة الثالثة فقد تصل إلى نحو شهر كامل يجري خلاله التفاوض حول إفراج حماس عن جميع الجنود الإسرائيليين لديها مقابل قيام إسرائيل بالإفراج عن عدد يُتَفق عليه بين الجانبين من السجناء الفلسطينيين في إسرائيل، على أن يُعاد خلال هذه المرحلة انتشار القوات الإسرائيلية خارج حدود القطاع، ويستمر وقف جميع الأنشطة الجوية وتلتزم حماس بوقف كافة الأنشطة العسكرية ضد إسرائيل.

لماذا لا تريدها السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
BBC

كانت السلطة الوطنية الفلسطينية قد أبدت اعتراضها على أفكار سابقة تتضمن تشكيل حكومة كفاءات "تكنوقراط" تدير مرحلة انتقالية تجري خلالها انتخابات رئاسية وبرلمانية في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة.

ووفق بيان للجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير الفلسطينية – نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"- فقد رُفضت مسألة تشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الضفة وغزة بعيدا عن إطار مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها كممثل شرعي ووحيد لتمثيل الفلسطينيين.

وأكدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أنها قررت تشكيل لجنة من أعضائها لمتابعة ما يترتب عليها من مخاطر تمس مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية الثابتة.

وبحسب مصادر فلسطينية ومصرية مطلعة صرحت لبي بي سي نيوز عربي، من المقرر أن يصل وفد يضم ممثلين عن عدد من الفصائل الفلسطينية برئاسة حسين الشيخ أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى القاهرة خلال الأيام المقبلة لبلورة رؤية فلسطينية شاملة تتضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية، وانضمام حماس لمنظمة التحرير، والدعوة إلى مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة بعد الحرب.

وكان وفدان من حركتي حماس والجهاد الإسلامي قد التقيا مسؤولين مصريين بشكل منفصل في شهر ديسمبر / كانون الأول.

وصرحت حماس أنها تسعى تريد هدنا طويلة وليست مؤقتة أو لفترة قصيرة.

وقال رئيس دائرة العلاقات العربية والدولية لحركة الجهاد في لبنان، إحسان عطايا، لبي بي سي في وقت سابق إن الورقة المصرية المقدمة عبارة عن أفكار عامة للنقاش وستتم بلورة موقف فلسطيني موحد خلال أيام.

لماذا تتحفظ إسرائيل؟

يشترط نتنياهو تدمير حماس قبل إنهاء العمليات العسكرية في غزة
BBC

ووفقا لمقال نشرته وول ستريت جورنال الأمريكية، حدد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ثلاثة شروط مسبقة لإنهاء الحرب في غزة، وهو تدمير حماس وخروجها من المشهد السياسي الفلسطيني، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية في القطاع، واستئصال ما وصفه بجذور التطرف في المجتمع الفلسطيني.

ويقول صلاح جمعة مدير تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط إن "قاعدة الاستسلام أو القتل لقادة المقاومة الفلسطينية" التي يريدها نتنياهو غير واردة في العقيدة القتالية لحماس والجهاد وغيرها من الفصائل الموجودة على الأرض، مشيرا إلى أن الفصائل الفلسطينية إذا لم تحصل على وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها من القطاع مقابل تبادل الرهائن، فليس لديها ما تخسره.

بدائل فلسطينية

تقول المحللة السياسية الفلسطينية، تمارا حداد، إن المصريين قدموا رؤية وصفتها بالجيدة لحل الأزمة وتستند إلى مراحل مختلفة تسلم كل واحدة الأخرى بشكل متدرج، وتمثل اختبارًا لمدى التزام الإسرائيليين بالتنفيذ.

وتوضح تمارا أن العقبة الوحيدة أمام تنفيذ هذه المبادرة هو حدوث التوافق الفلسطيني لاختيار حكومة الوحدة الوطنية القادمة التي ستكون مهتمة بجهود إعادة الإعمار وإجراء الانتخابات واستقبال المعونات والمساعدات الدولية.

وتشير الباحثة السياسية الفلسطينية إلى أن التجارب السابقة أثبتت عدم توافق الفصائل الفلسطينية المختلفة على أسماء حكومة التكنوقراط لأن كل طرف لديه خيارته وتفضيلاته.

وحول الأسماء المطروحة لتولي رئاسة حكومة الوحدة الوطنية، تشير تمارا حداد إلى مروان البرغوثي الناشط الفلسطيني المحكوم بالسجن مدى الحياة في إسرائيل، ولكن تشكك في إمكانية أن تطلق إسرائيل سراحه، وتقبل المجتمع الدولي وبخاصة الأمريكيين والأوروبيين التعامل معه ودعمه.

كما تشير تمارا إلى اسم السياسي الفلسطيني، محمد دحلان، رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني السابق في غزة، والذي تقول إنه ربما يكون مدعوما من بعض الدول العربية ويستطيع توفير الدعم المادي لجهود الإعمار، لكن ربما لا يكون عليه إجماع من الفلسطينيين وتحديدا حركة فتح.

ومن بين الأسماء المطروحة أيضا سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطينية السابق الذي طرحه بعض الساسة الأمريكيين ولكنه يواجه باعتراض من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية، وقد لا يحظى بدعم حركتي حماس والجهاد أيضا.

وتقول الباحثة السياسية الفلسطينية إن الحل يكمن في الحوار الوطني والتوافق على شخصية مقبولة من الجميع تدير مرحلة انتقالية، يتم بعدها إجراء الانتخابات التي ستأتي بحكومة لها شرعية دولية تدير عملية إعادة الإعمار واستئناف مفاوضات السلام مع الإسرائيليين، وربما الانخراط في إبرام صفقات جديدة لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين.

حكومة وحدة وطنية

تواجه المبادرة المصرية بتحفظ من جهات عدة
BBC
تواجه المبادرة المصرية بتحفظ من جهات عدة

ويقول أشرف أبو الهول الصحفي بجريدة الأهرام الرسمية المصرية إن هناك محاولات تجرى حاليًا لبلورة شكل نهائي للمبادرة المصرية، تأخذ في الحسبان تخوفات كافة الأطراف وبخاصة السلطة الفلسطينية، التي تخشى من تشكيل حكومة تتجاوزها، وضمان أن يكون للسلطة الفلسطينية دور أكبر لإدارة غزة بعد انتهاء الحرب.

ووفق رؤية أبو الهول فقد أدى تسريب بنود المبادرة المصرية لوسائل الإعلام قبل بلورتها بشكل نهائي إلى اعتراض السلطة الفلسطينية، لكن المؤكد بحسب مصادر مصرية أن المبادرة التي ستعلن بعد اكتمال المباحثات مع كل الأطراف بما فيها إسرائيل ستراعي جميع التخوفات، وعلى رأسها السلطة الفلسطينية والفصائل الموجودة في ميادين القتال مثل حماس والجهاد الإسلامي، مع التأكيد على تشكيل حكومة تتولى في الأساس إعادة الإعمار، وإدخال المساعدات، ولن يتم فرضها على الفلسطينيين، ولكن يتم تشكيلها بموجب توافق فلسطيني – فلسطيني.