أيمن الهاشمي

الكارثة الطائفية في العراق نتيجة تراكمات تاريخية وأميركا زادت من حدة الانقسام الداخلي
استغربت وأنا أقرأ مقالة لأحد الكتاب المرموقين في الشأن العراقي, وهو يدافع عن الشيوعيين العراقيين ويصفهم بأنهم أبعد الناس من النفس الطائفي.
كثير من الكتاب العرب يقعون تحت هذا الوهم الكاذب, ويظنون ان الشيوعيين العراقيين طالما هم يتبعون المنهج الماركسي - اللينيني القائم على فكرة ان quot; الدين أفيون الشعوبquot; وأن الطائفية أو المذهبية هي من نتاج الفكر الديني لذلك يعتقدون باستحالة ان يجمع الشيوعي بين العقيدة الشيوعية وبين التعصب المذهبي, أو النفسي الطائفي ! ولكن هذا الاعتقاد خطأ فادح ومجاف للحقيقة- على الاقل قدر تعلق الأمر بالشيوعيين العراقيين الشيعة! - وهذا الكلام ليس تجنياً على الشيوعيين العراقيين من الشيعة, ولا افتراء عليهم, بل مستنداً الى وقائع ومعطيات تاريخية وشواهد حية, مازلنا نلمسها في العراق وخصوصا بعد عام ,2003 وعند تأسيس مجلس الحكم الذي شكله الحاكم الاميركي بول بريمر على أساس طائفي (محاصصة طائفية) حين ارتضى الزعيم الشيوعي العراقي السيد حميد موسى ان ينضوي في مجلس الحكم تحت عنوان quot;شيعيquot; وليس شيوعيا! وهذا الأمر يذكرني بأيام المد الشيوعي إبان حكم كريم قاسم وبالاخص عام 1959 وكان لدينا حارس في البناء من الطائفة الشيعية لكنه صار يتفلسف ويقول إنه شيوعي, فسألته: ومن أين عرفت الشيوعية وأنت انسان بسيط تؤدي الفرائض وتتمسك بالدين? ألا تعرف ان الشيوعية تناقض الدين? لكنه رد عليَّ بعبارات بسيطة ساذجة تنم عن جهل مطبق حين قال لي:quot; اني شيعي إذن اني شويعي لا فرقquot; ! بهذا المنطق اتجه الآلاف من السذج من محافظات الفرات والجنوب ومن بغداد للانضواء تحت مظلة الحزب الشيوعي ظنا منهم أنه لا فرق بين شيعي وشيوعي, أو كما قال لي حارسنا الأمين quot; أنا شويعي ابن شويعيquot;!
أحد الكتاب الشيوعيين كتب أخيراً في موقع الكتروني يساري, مقالة يريد ان يثبت فيها وجهة نظره من أن القوميين العروبيين من العراقيين اتبعوا التسنن, وان الشيوعيين اتبعوا التشيع, رغم لا دينية الطرفين! فالقوميون العروبيون جيروا مناسبة المولد النبوي لمصلحتهم, في حين جير الشيوعيون مناسبة عاشوراء لمصلحتهم , ويقول الكاتب المرموق: ان قانون الجنسية العراقية لسنة 1924 شكل أساس الخراب العراقي اللاحق حينما تبنى القومية العربية السنية أساسا, لذلك حين اقدمت أميركا على احتلال العراق واسقاط النظام, احتمى الشيعة بجيوش الاحتلال الاميركي - البريطاني, واصطف السنة في الاتجاه الآخر المعاكس.
لقد استغل الشيوعيون سذاجة وبساطة كثير من الشيعة , من قليلي الثقافة او معدميها, ليثبتوا لهم انهم حماة لهم, وان الشيعة كما هي الشيوعية ثورة على الظلم والقهر والاستبداد!
اتذكر في عام 1965 استغلت بعض الاطراف الشيعية فرصة جلب شباك العباس من طهران, فمرروه بشوارع بغداد بتظاهرة كبيرة , وتقصدوا محاولين المرور من منطقة الاعظمية السنية استفزازا لأهلها, خصوصا ان التظاهرة كانت تطلق شعارات طائفية صريحة مثل quot; ماكو ولي إلا علي, ونريد حاكم جعفريquot; وصدتها جموع أهالي الاعظمية فعادت القهقرى من خلال جسر الصرافية لتعود الى جامع براثا, المهم في الأمر ان نسبة كبيرة من الذين كانوا يتقدمون التظاهرة الشيعية هم اساتذة جامعة شيوعيون معروفون مازلت اتذكرهم (كثير منهم رحل لجوار ربه), لكن الذي استوقفني آنذاك وقبل أكثر من أربعين عاما, ما علاقة الشيوعيين بشعارquot; ماكو ولي إلا علي ... ونريد حاكم جعفريquot;?
ولولا جرائم الشيوعيين الشهيرة بحق الابرياء عام 1959 في كركوك والموصل ومدن أخرى, ومجاهرة الشيوعيين بالعداء للدين, واهانتهم المشاعر الدينية, لما اضطر آية الله محسن الحكيم حينها لاصدار فتوى ضد الشيوعيين العراقيين.
ان من الغريب , والمدهش , ان نجد كتابا شيوعيين ماركسيين معروفين يكتبون عن quot; المظلومية الشيعيةquot; وما تعرض له الشيعة من اضطهاد على ايدي الحكومات المتعاقبة منذ تأسيس دولة العراق الحديثة عام 1921 , لا بل ان احدهم كتب يشبّه ثورة الحسين ضد الحكم الأموي بأنها ذات افكار شيوعية متحررة , بل هي جذور الشيوعية الحقيقية.
الكارثة الطائفية في العراق, هي نتاج تراكمات كثيرة عبر العقود من تاريخ العراق القديم والحديث, ومن المؤسف ان ايران كانت ومازالت تمارس الدور الفاعل في تأجيج هذه الفتنة وتحريكها واثارتها كلما اتيحت لها الفرصة, ومن العجيب ان يكون الأميركيون اكثر شفقة من غيرهم على شيعة العراق, وكان مؤتمر لندن قد قسم المعارضين للنظام وفق مذهبهم وليس وفق انتماءاتهم الفكرية والحزبية, كما ان الغزو الاميركي للعراق اسهم في تكريس الطائفية من خلال التصرفات الهوجاء الحمقاء للحاكم الأميركي بول بريمر, الذي كان يقصد تقسيم السياسيين وفق مذهبهم ويعلن تعاطفه مع مظلومية الشيعة, وكان يسأل كل فرد يقابله مسؤولاً أم مواطنا عاديا عن quot; مذهبهquot; مما أثار حفيظة واشمئزاز كثير من العراقيين.
الشيوعيون العراقيون ركبوا الموجة بعد عام 2003 , وتحولت اميركا الرأسمالية والظلم الى اخلص صديق لهم, مثلما تحولت أميركا الشيطان الاكبر وفق وصف الامام الخميني, الى المنقذ والنصير للشيعة. والشيوعيون اثبتوا بجدارة انهم طائفيون بامتياز لا قيمة لافكار ماركس ولينين لديهم , ولا للبروليتاريا, بل القيمة للمناصب والكراسي ونيل المغانم حتى وإن جاءت من شيطان الرأسمالية في العالم.