نبيل بومنصف

على رغم الفوارق والتبدلات الكبيرة في الظروف والأطر السياسية والامنية والطوائفية لبنانيا وموازين القوى خارجيا، بدا مذهلا امس تحديدا أن يستعاد مشهد مثقل برمزياته في ساحة واحدة من الطوائف الكبرى سبق ان حصل مثيله تماما قبل عقدين لدى طائفة شقيقة أخرى وإن اختلفت الوسيلة والاسلوب في اثارة كل من الحدثين وتفجيره.
فما يمكن اعتباره انتفاضة سنية أشعلتها عملية اقصاء الزعيم السني الأقوى الرئيس سعد الحريري عن رئاسة الحكومة لمصلحة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، لا تبتعد اطلاقا في بعدها المباشر واستهدافاتها البعيدة المدى عن عملية 13 تشرين الاول 1990 العسكرية التي أسقطت الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون وأقصته عن السلطة ونفته من البلاد. آنذاك، وعلى مدى 15 عاما متعاقبة من الوصاية السورية المباشرة، تسببت تلك العملية، مع سجن الزعيم المسيحي الآخر سمير جعجع، في أكبر وأوسع وأخطر انكفاء مسيحي عن السلطة والدولة، وأضحى الفريق المسيحي وحده المعارضة لا بل quot;المقاومةquot; للسيطرة السورية وأدواتها الحاكمة. ومع كل الاختلاف في الظروف الراهنة، أظهر quot;الغضب السنيquot; أمس شعورا مماثلا في الاقصاء حيال عملية تبدو معقدة جدا ولكنها أرادت تدفيع الغالبية الموصوفة لدى الطائفة ثمن المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي المهرول في وقت قريب الى الساحة اللبنانية مع كل ما يحمله من نذر المضاعفات الاضافية الثقيلة.
قطعاً ثمة فارق آخر جوهري بين التجربتين جعل الغضب السني يستعر أكثر، وهو أن ما بين الحريري وميقاتي لم يكن ليقارن اطلاقا بما كان بين عون وجعجع في ظروف إحكام السيطرة السورية على لبنان قبل عقدين. وهو غضب يبدو نتيجة تفاعلات مذهبية وسياسية وأمنية معتملة بعمق خطير وشديد منذ أحداث 7 ايار 2008 تحديدا التي انزلق فيها quot;حزب اللهquot; الى تحكيم السلاح في نزاع سياسي داخلي. لم يستكن الحريريون، في تمثيلهم الواقعي لغالبية السنة، الى quot;الطعنةquot; التي استشعروها في قلب موازين القوى عبر شخص ميقاتي. ولكن ميقاتي نفسه رسم علامات استفهام كبرى ليس عند السنة وحدهم بل عند سائر الطوائف في مضيه بلا هوادة نحو ما وصفه بنفسه امس بأنه quot;مغامرةquot;. اذاً فالامر لم يعد يقف عند حدود التكليف الذي بات أمرا مقضيا وردة الفعل السنية التي ارادت تعريته من غطاء الطائفة.
ثمة في ثبات ميقاتي على quot;مغامرتهquot; بداية كشف لرأس quot;جبل الثلجquot; الذي جاء به رأس حربة لمقلب جديد في صفحات الازمة المتصاعدة، وهو رأس جبل اسرار يجب التنقيب عنها في عواصم عدة، منها ما هو عربي واقليمي ومنها ما هو غربي ايضا. فإما أن يكون هناك تسليم خارجي شبيه بذلك الذي رافق عملية 13 تشرين وأدى الى وقوع ضحية داخلية كبيرة، وإما هناك عجز خارجي عن احتواء عملية اقليمية اخترقت المحظورات والموانع والخطوط الحمر وأقامت أمرا واقعا شديد القسرية والسطوة. هذا السر لن يلبث طويلا أن ينكشف مع التعامل الخارجي الحذر مع الامر الواقع الجديد.
ومع ذلك فان التداعيات الداخلية والخارجية ستضع ثلاثة في مهب الاستحقاق المتدحرج لأن الامر لم يطوَ عند حدود تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة وهم: رئيس الحكومة الجديد الذي ربح الاختراق في العودة الى رئاسة الحكومة في ظرف ملتبس وبثمن باهظ يرتب عليه الادراك انه محاصر بحقل ألغام ومقاتل شديدة الخطورة. ورئيس الحكومة السابق الذي سيتعين عليه قيادة معارضة فعالة وذكية ومختلفة تماما عن أنماط معارضة 8 آذار التي تتكىء أولا وأخيرا الى الاستقواء بالقوة الاستثنائية التي يمتلكها عمودها الفقري quot;حزب اللهquot;. وquot;حزب اللهquot; نفسه الذي حل محل القوة السورية في التجربتين ما بين 13 تشرين الاول 1990 و25 كانون الثاني 2011، مما يوجب عليه تلقي تقلبات الميزان الشديد الهشاشة بين ما يعتبره مكسبا هائلا في ازاحة الحريري عن السلطة وما سيؤول اليه الاستحقاق الاخطر بعد وقت قليل مع صدور القرار الاتهامي.