في الخامس عشر من الشهر الجاري، رفع الرئيس الأذري، إلهام علييف، علم بلاده على مقر ما كان سابقا برلمان «جمهورية أرتساخ» الأرمينية في الساحة الرئيسية في ستيباناكرت عاصمة مقاطعة ناغورنو كاراباخ. وتحمل هذه الخطوة دلالات عميقة في تاريخ الصراع الأذري – الأرمني في منطقة القوقاز، كما تشكل بالنسبة إلى الأرمن لحظات مرّة.
«طوت» أذربيجان بهذه الخطوة مئة عام من النزاع على هوية كاراباخ، ومجمل القسم الغربي من جنوب القوقاز الذي يضم دولتي أذربيجان وأرمينيا، وما بينهما من مناطق متنازع عليها، بما فيها مقاطعة كارا باخ. وتطرح خطوة إعلان كاراباخ رسمياً، أنها أذرية وجزء لا يتجزأ من أذربيجان، الباب أمام إضافة نقاط خلاف جديدة إلى ملفات القوقاز، خصوصا القضية الأرمنية.


فقد حمل الأرمن معهم منذ عام 1915 مسألة المجازر، التي ارتكبها العثمانيون من «جماعة الاتحاد والترقي» القومية التي كانت تسيطر على الحكومة في ظل حضور شكلي للسلطان، بحق أرمن الأناضول، ووصفها الأرمن بالإبادة، حيث ذهب ضحيتها اكثر من مليون أرمني، فضلاً عن تهجير معظم ما تبقى من الأرمن في الأناضول إلى سوريا ولبنان والشرق الأوسط.

وعلى امتداد سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، شكلت «الإبادة» البند الرئيسي في اهتمامات الشتات الأرمني ودولة أرمينيا. وقد رفع الأرمن ثلاثة عناوين طالبوا تركيا، وريثة الدولة العثمانية، بتحقيقها لإتمام المصالحة بينهم وبين الأتراك، وتتلخص بالاعتراف بالإبادة والتعويض المالي عن الضحايا، وإعادة ممتلكات الأرمن في الأناضول لأصحابها.

وبعد الحرب العالمية الأولى، نشأت مشكلة كاراباخ نفسها، مع مطالبة أرمن كارا باخ، وكانوا يشكلون أكثر من تسعين في المئة من سكانها، بالانضمام إلى أرمينيا. غير أن انضمام جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا إلى الاتحاد السوفييتي أنهى بقرار صارم من جوزف ستالين، وكان وزيراً للقوميات، النزاع، ولو مؤقتاً، باعتباره كارا باخ جمهورية حكم ذاتي ضمن جمهورية أذربيجان.. اعترض الأرمن ولكن الكلمة الأخيرة كانت لستالين.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي سيطر الأرمن كلية على كارا باخ، وأعلنوا استقلالهم عن أذربيجان، كما استولوا على كل الأراضي الواقعة بين أرمينيا وكاراباخ التي كانت تعتبر جزءاً من الأراضي الأذرية. إلى أن كانت حرب 2020 حيث خسر الأرمن كل هذه الأراضي، ومدينة شوشي في كاراباخ. وفي 19 سبتمبر/ أيلول الماضي، كان الإجهاز الأذري النهائي على كاراباخ واحتلالها، ومن ثم تهجير كل سكانها، البالغ 120 ألفاً، إلى أرمينيا، كما أن رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، لعب دوراً سلبياً في تشجيعهم على الهرب.

الآن، يضاف إلى مسألة «الإبادة» عام 1915 بند جديد، وهو تهجير أرمن كاراباخ والدعوة الأوروبية ليعودوا إلى منطقتهم.

وكل ذلك مرتبط أيضاً بمسألة فتح ممر زنغيزور البري، وسكة حديد من نخجوان إلى أذربيجان، عبر الأراضي الأرمنية، ما تعارضه الآن يريفان بعدما كان من شروط وقف النار عام 2020.

وما يزيد من تعقيدات المرحلة المقبلة، أن تركيا تشترط على أرمينيا والأرمن لتطبيع العلاقات معهم، التخلي عن شروط اعتراف أنقرة بالإبادة والتعويض المالي والأرض، إضافة إلى حتمية فتح ممر زنغيزور.

إلى ذلك تواجه أرمينيا مشكلة كبيرة تتعلق بتموضعها، الإقليمي والدولي، رغم أنها دولة صغيرة، حيث إن حكومة باشينيان بدأت بالتخلي عن حليفها وجارها التاريخي روسيا، وتمد اليد للولايات المتحدة وأوروبا في خطوة تشكل استفزازاً واضحاً وخطراً لموسكو في حديقتها الخلفية في القوقاز الجنوبي. ما يعني أن أرمينيا سيكون عليها العيش والتعايش مع عدد كبير من التحديات التي دون حلها مسار طويل من القلاقل، وربما الدماء.