![]() |
| سفيتلانا ستالين مع والدها جوزف |
عاشت سفيتلانا ستالين إبنة جوزيف ستالين طيلة حياتها أسيرة هوية والدها السياسية، ولم تنجح محاولاتها بالعيش بحرية حتى في أميركا، حيث ذهبت تعيش عام 1967.
لندن:كان جوزيف ستالين بنظر الكثير من خصومه وحشا حكم على ملايين من quot;اعدائه الطبقيينquot; بالموت. ولكنه بنظر المعجبين به الأقل عددا بكثير، كان القائد الذي أنقذ العالم من مصيرٍ اسوأ هو طغيان النازية. أما ابنته سفيتلانا، عصفورته الصغيرة كما كان يسميها، فإن ستالين كان لها الأب الصارم الذي لاحقها ظله طيلة عمر كامل أمضته في محاولة الافلات منه بلا جدوى.
وقصة لانا بيترز أو سفيتلانا ستالين، قصة استثنائية بحق في إحدى نواحيها. ففي الفترة الممتدة من يوم ولادتها عام 1926 حتى يوم وفاتها الاسبوع الماضي في ولاية ويسكونسن في الولايات المتحدة الأميركية، عاشت سفيتلانا أو لانا ضنك الحياة ومباهجها، ذاقت طعم النجاح وعرفت مذلة الجوع.
ولكن حياة لانا بيترز كانت من ناحية أخرى فريدة ومثيرة. فهي عاشت ثنائية الحب للأب الذي رأى فيه آخرون دكتاتورا قاسيا لا يعرف الشفقة. وأصبحت أيضا ورقة جاهزة للتوظيف في الحرب البادرة، المنشقة التي قالت الولايات المتحدة في عام 1967 انها دليل على الإفلاس الأخلاقي للاتحاد السوفياتي، ثم لاقت من موسكو تثمينا لا يقل عن احتفاء اميركا بها حين زارت وطنها لفترة قصيرة في عام 1984.
ولدت لانا بيترز باسم سفيتلانا ستالين في 28 شباط/ فبراير 1926. وتكشف طفولتها عن صفة في ستالين نادراً ما تتناولها كتب التاريخ، لعلها شهادة على حقيقة وجود زاوية مضيئة من الإنسانية والحنان حتى في قلب أشد السياسيين قسوة. وكانت المدللة التي سُميت quot;أميرة الكرملين الصغيرةquot;، أو نسخة سوفياتية من شيرلي تيمبل، على حد وصف صحيفة الغارديان.
وفي مقابلة نادرة أجرتها معها العام الماضي صحيفة quot;ويسكونسن ستايت جورنالquot; المحلية سُئلت لانا بيترز عما إذا كان ستالين يحبها. فأجابت quot;أوه، نعم. كنتُ أشبه والدته. كان شعري احمر، وما زال فهو ليس مصبوغا بل شعري الحقيقي، وعندي نمش في كل جسمي مثل أُمهquot;.
وفي فيلم وثائقي عن حياتها بعنوان سفيتلانا تتحدث عن سفيتلانا، تستذكر افتخار ستالين بها وهو يراها تقود سيارة، لا سيما وان قيادة السيارة مهارة لم يمتلكها. وقالت انه quot;جلس بجانبي يشع فرحا. لم يصدق والدي أنني اجيد قيادة السيارةquot;.
ولكن كان هناك جانب مظلم في شخصية ستالين الأب. وقالت بيترز لصحيفة جورنال أن ستالين خرب حياتها مرتين. المرة الأولى عندما نفى حبيبها المراهق، السينمائي الكسي كابلر، الى سيبيريا لأنه لم يرق له (كان يهوديا وأكبر سنا منها). والمرة الثانية بإجبارها على دراسة التاريخ كماركسية وفية بدلاً من الأدب والفن اللذين كانت تهواهما. وقال ستالين متهكما quot;بوهيميون! هل تريدين ان تكوني مع البوهيميين؟quot;
وفي احاديث لاحقة قالت أن الإحباط الناجم عن كبت اهتماماتها الابداعية هو الذي دفعها الى الفرار من الاتحاد السوفياتي. واستطاعت التملص من مراقبها عميل جهاز quot;الكي بي جيquot; السري خلال رحلة قامت بها عام 1967 الى الهند حيث حملت رماد شريك حياتها الراحل، وهو شيوعي هندي التقته في موسكو. وتسللت إلى السفارة الأميركية ثم مُنحت حق اللجوء ووصلت الى نيويورك في العام نفسه.
وأعلنت في مؤتمر صحافي ازدحم بممثلي وسائل الاعلام quot;جئتُ الى هنا سعياً الى التعبير عن الذات الذي حُرمتُ منه زمناً طويلاً في روسياquot;.
كان هروبها في سن الرابعة والأربعين ضربة دعائية هائلة سجلتها الولايات المتحدة التي استغلت الى اقصى الحدود تصريحاتها بأن اميركا quot;حرة ، لطيفة ومليئة بالألوان الزاهيةquot; والتنكر لوالدها بوصفه quot;وحشاً اخلاقياًquot; وإقدامها على حرق جواز سفرها السوفياتي. ولكن الحقيقة لم تكن كما صورتها الثقافة الإعلامية الأميركية وقتذاك. فهي حتى خلال تقديمها الى الرأي العام الأميركي لأول مرة دافعت عن والدها قائلة quot;أحببته وكنتُ احترمهquot;. وتحدثت سفيتلانا عن موته في عام 1953 قائلة انه quot;عندما رحل فقدتُ الكثير من الإيمانquot;. وحاولت أن تبعد مسؤولية الانتهاكات السوفياتية عنه مؤكدة quot;أن العديد من الآخرين في مكتبنا السياسي كانوا مسؤولين عن الأشياء الفظيعة التي اتُهم بهاquot;.
ولكن الاتحاد السوفياتي لم يكن قادرا على سماع متاهات كهذه في روايتها فشجبها بعد فرارها بوصفها خائنة وquot;أداة بيد وكالة المخابرات المركزيةquot; وجردها من جنسيتها السوفياتية في عام 1970.
وتلاحظ صحيفة الغارديان أن السنوات التي أعقبت فرار بيترز كانت فترة يشوبها الإلتباس والغموض، اتسمت بالتنقل الدائم تقريبا للبحث عن مكان تشعر فيها بالانتماء. تزوجت لفترة قصيرة، وللمرة الثالثة، من وليام بيترز، مساعد المهندس المعماري فرانك لويد رايت. وغيرت اسمها الى لانا بيترز وأنجبت طفلها الثالث الذي كان بنتا سمتها اولغا، واستقرت في ويسكونسن.
وحين تبددت نشوة مغامرتها الأميركية بدأت بيترز تتأمل ما فعلته بعمق. وفي اللمحات التي يمكن التقاطها من المقابلات النادرة، ثمة ما يدل على إدراك متزايد من جانبها بأنها لن تنجح ابدا في الافلات من ظل والدها وان الوعد الاميركي العظيم بالحرية لم يكن إلا وهما.
قالت في حديث صحافي عام 1990 quot;لم يعد لدي الوهم اللطيف بأني يمكن ان أتحرر من يافطة quot;ابنة ستالينquot;. فالمرء لا يندم على مصيره رغم اني أتأسف لأن والدتي لم تتزوج من نجارquot;.
وفي العام الماضي قالت لصحيفة ويسكونسن ستايت جورنال quot;اينما أذهب ، هنا أو سويسرا أو الهند، أو أي مكان، استراليا، أو إلى أية جزيرة، سأكون دوما سجينة سياسية لإسم والديquot;.
ويمكن أن نرى من كلماتها انها أصبحت تدرك ايضا ثمن الحرية، الخسارة التي تكبدتها داخل الحلم الأميركي وبالتحديد الطفلان اللذان تركتهما في موسكو حين هربت عام 1967، جوزيف ويكاترينا، من زوجيها السابقين.
وشعرت بيترز بوطأة الفراق عام 1982 عندما انتقلت الى انكلترا من اجل دراسة ابنتها اولغا، لكنها شكت من quot;العزلة والوحدةquot;. وعندما اتصل بها ابنها جوزيف بالكتابة اليها من موسكو فجأة كادت تطير من الفرح، واستسلمت لغريزة الأمومة فحزمت امتعتها وعادت مع اولغا الى مسقط رأسها عام 1984.
كانت عودتها من وجهة النظر السوفياتية عودة ظافرة وضربة دعائية كبيرة مثلما كان فرارها الى اميركا. وأُسكنت الأم وابنتها في جناح فاخر في احد الفنادق وجرى الاحتفاء بهما في انحاء المدينة. ولكن النشوة سرعان ما بدأت تتلاشى هذه المرة ايضا. وتبددت آمال المصالحة مع طفليها اللذين تركتهما وراءها، وبعد اقامة قصيرة في جورجيا السوفياتية حيث لم تتمكن من المشي دون أن تخترقها أنظار المارة بوصفها طفلة اشهر مواطن انجبته جورجيا ـ ستالين ـ اعترفت بالهزيمة وتراجعت عن قرارها عائدة الى ويسكونسن حيث عاشت معتكفة حتى وفاتها في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر.



















التعليقات