قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

آثار العراق تتعرّض للطمس عمداً، والسرقة والطمر بالمياه الجوفية في ظل انحسار التنقيب

تضم العراق معالم أثرية جمّة لم تحفر فيها فأس التنقيب. ففي بعض المناطق الزراعية، حيث يغيب الوعي بأهمية الحفاظ عليها، يعمد الفلاحون إلى طمس الآثار خوفاً من مصادرة الدولة أراضيهم. ويقع الكثير منها في قبضة العصابات واللصوص، وأخرى يصعب تحديد فتراتها التاريخية بسبب غمرها بالمياه.


بغداد: ينظر أستاذ التاريخ المدرسي جاسم محمد بألم إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تضمها مدينة عفك (170 كم جنوب بغداد) والتي تحتوي على كنوز من الآثار الثمينة، لكن من دون أن تحفر فيها فأس التنقيب.

فهذه المنطقة المترامية الأطراف تحوي في باطن تربتها آثاراً من عصور مدن السلالات، والتي يعود تاريخها الى نحو 3000 سنة. لكنمعظم سكان هذه المناطق ndash; بحسب جاسم ndash; ينقصهم الوعي بأهمية الحفاظ على هذه الآثار، بل إن قسمًا من الفلاحين لجأوا عن قصد في الثمانينيات والتسعينيات والسنين الماضية أيضًا إلى إزالة المعالم الأثرية التي تقع عليها أعينهم خوفاً من استيلاء الدولة على أراضيهم أو وضعها تحت المناطق الأثرية المنتظرة التنقيب، ووصل الأمر بالبعض منهم إلى استخدام الجرّافات.

ويتحدث محمد عن مناطق أثرية مهمة تتجاوز مدينة عفك الى ناحية سومر ونفر ومناطق آل بدير (مناطق في محافظة الديوانية التي تبعد نحو 193جنوب العاصمة العراقية بغداد).

مغارات في مناطق الآثار

في تلة مجاورة لهور الدملج مسطح مائي في محافظة الديوانية)، يشير جاسم الى الكثير من الحفر الكبيرة التي حفرها سارقو الآثار، لا سيما بعد عام 2003 بغية المتاجرة بالقطع الثمينة عبر بيعها الى شبكات تهريب.ومعظم تلك الحفر أصبحت مغارات تأوي الحيوانات ويتسرب عبرها الماء الى أعماق التربة.

ويؤكد المزارع أبو حاجم أن أهالي المنطقة نجحوا في طرد الكثير من اللصوص الذين يحاولون العبث بالآثار وسرقتها.

وفي العام الماضي، حاولت مجموعة التنقيب عن الآثار ليلاً بصورة غير مشروعة عن طريق الاستعانة ببعض البدو، الذين يتخذونهم كدليل يرشدهم إلى المواقع الأثرية المهمة، لكن أبناء العشائر ألقوا القبض عليهم، وتم تسليمهم إلى الجهات الأمنية.

وليست السرقات هي المشكلة الوحيدة التي تتهدد تلك الآثار المغمورة، بل إن ملوحة الأرض والمياه الجوفية تقلل من أعمار القطع المغمورة في باطن الصحراء.

وتبدو المناطق الأثرية في تلك المناطق على شكل تلال صغيرة تنتشر على مد البصر هنا وهناك، تقاوم الإهمال والسبخ، حتى جزعت من صبرها على تجاهل المنقبين لها.

منقبون عاطلون عن العمل

وشهد العراق انحسار فعاليات التنقيب عن الآثار منذ نحو عقدين بسبب الظروف السياسية والاقتصادية وفترة الحروب والاضطرابات الأمنية التي أجّلت الكثير من مشاريع التنقيب في هذه المنطقة ومناطق أخرى.

ويقول سليم الأسدي الباحث في الآثار، العاطل عن العمل منذ ما يقارب العقدين، إنمعظم متخرّجي معاهد وجامعات الآثار عاطلون عن العمل، واضطروا الى مزاولة مهن أخرى بسبب غياب فرص العمل في مجال الآثار والتنقيب، مما يوضح قلة مشاريع الاستثمار في هذا القطاع منذ نحو ثلاثة عقود.

ويرى الأسديان التهديد الأكبر للآثار يتمثل في المياه الجوفية وتسرب المياه من الأنهار والأهوار المجاورةالى المناطق الأثرية، حيث يؤدي ذلك الى تلف نهائي للقطع النادرة التي حفظتها الأرض على مدى آلاف السنين.

مزارعون يقتنون قطعًا أثرية

ويشير الأسدي إلى أن مياه الأمطار تكشف عن الكثير من القطع المعنية والنقود التي تلمعبين الرمال فيلتقطها الرعاة والبدو والمزارعون.

ويضيف: quot;لن تتفاجأ حين ترىكثيرين من سكان هذه المناطق يحتفظون بنقود معدنية مسكوكة منذ آلاف السنين، التقطها الناس خلال أعمالهم اليومية في الرعي والزراعةquot;. وبحسب الأسدي فإنمعظم المواقع الضخمة ما بين ذي قار(375 كم جنوب العاصمة بغداد)،والديوانية تعرضت للنهب لأنها بعيدة عن مراقبة السلطات، وأعين العشائر التي ترفض محاولات سرقة الآثار من قبل اللصوص ومن قبل أفراد ينتمون اليها في بعض الأحيان.

من مظاهر سوء التخطيط وعدم الاكتراث بالمواقع الأثرية... زحف الأحياء السكنية التي بنيت بطريقة عشوائية في منطقة ايشان الأثرية في مدينة الشامية (40 كم شرق الديوانية)، حيث يمثل الزحف العمراني خطرًا كبيرًا على المنطقة إذا ما استمر التوسع العمراني بهذا الشكل.

وبحسب علي محمد، الموظف في آثار الديوانية، فإن هيئةالآثار أجرت مسحًا للمناطق الأثرية في المنطقة، لكن الكثير من المناطق لم يتم تحديد فتراتها التاريخية بسبب غمرها بالمياه.

طمس المعالم الأثرية عن عمْد

تمتاز منطقة سومر الزراعية والمشهورة بزراعة الحنطة والشعيربإطلالتها على أقدم مدينة في العالم وهي مدينة نفر. ويقول المزارع أبو حسين إن المنطقة تحتوي على عشرات المواقع الأثرية التي لم تنقب، بل إن بعض المزارعين لجأوا الى طمس المعالم الأثرية التي تقع ضمن أراضيهم تجنبًا لمصادرة الأرض من قبل الجهات المسؤولة باعتبارها مناطق أثرية.

ويضيف: في حالة البدء الفعلي الواسع للتنقيب في تلك المناطق فإنه يتوقع نزاعات عشائرية مع الجهات الحكومية بسبب رفض الفلاح التخلي عن أرضه، وإن احتوت على الآثار.

الجدير بالذكر أن نيفر هي مهد لحضارات متعاقبة كالسومرية والأكدية،وفي هذه المدينة كانت تجري مراسيم تنصيبالملوك فيمعبديانان وايكور.

الاستثمار السياحي

ينظر الباحث في التراث والتاريخ سعدي الفراتي الى ما تدرّه هذه المناطق من أموال إذا ما استثمرت سياحيًا، وبحسب الجبوري فإنغالبية دول العالم تعوّل على الاستثمار السياحي، الذي يسد كلف التنقيب، لكن العراق مازال يقوم بأعمال تنقيب مجردة، وهي على ندرتها، فلا يتوقع منها أن ترفد خزينة الحكومات المحلية بالأموال بسبب غياب إستراتيجية استثمار تلك المناطق سياحيًا.

صعوبات أمنية

وكانت اكبر عمليات لنهب للمناطق الأثرية في العراق حدثت بعد عام 2003،ونجحت عصابات في تهريب مئات القطع الأثرية الى دول الجوار وأوروبا.

ورغم أن عمليات الحفر الغير مشروعة، التي تسبب أضرارًا كبيرة للمواقع الأثرية، انخفضت بشكل كبير جدًا في السنوات الثلاث الأخيرة، الا انها مازالت تحدث بين الفينة والأخرى، وهي في كل الأحوال أكثر عددًامن العمليات التي حدثت قبل عام 2003، لا سيما وان هناك صعوبة واضحة في المراقبة والسيطرة على المواقع، التي غالبًا ما تمتد على صحراء شاسعة لمئات الكيلومترات.

ويتحدث الملازم الأول احمد اللامي، والذي كانت له تجارب كثيرة مع عصابات التهريب، عن أهمية قيام نظام مراقبة الكتروني، بل والاستعانة بالطائرات المروحية لغرض المحافظة على كنوز العراق التي مازلت مدفونة تحت رمال الصحراء.

ويصف اللامي صعوبة السيطرة الكلية على المناطق الأثرية حين نعرف أن اللصوص غالبًا ما يستخدمون الليل غطاءً للقيام بأعمالهم في الحفر مستعينين بالبدو الذين يكونون أدلاء لهم في تلك المناطق، كما إنهم مزودون بالأسلحة تحسبًا لأي طارئ.