قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مهجّرون عراقيون في مخيم في مدينة النجف

يرى عدد كبير من العراقيين أن الأجندة الطائفية في بلاد الرافدين انحسرت بانحسار الجماعات المسلحة التي قتلت الكثير من أبناء وطنهم، ولا يخفي هؤلاء أن عمليات التهجير والقتل على أساس طائفي قد تضاءلت كثيرًا، لكنهم يقرّون في المقابل بوجود مساع من أطراف بعينها إلى تفجير الأوضاع من جديد.


بغداد: يعيش عمر الجبوري (كاسب، 50 سنة)من الطائفة السنية في مدينة المحمودية (15 كلم جنوب بغداد)، حيث تربطه علاقات متينة مع جيرانه من الطائفة الشيعية.

على عكس ما يروّجه الإعلام من احتمال فتنة طائفية، بسبب الخلافات السياسية بين الكتل المختلفة، إلا أن الجبوري يرى أن هذا لن يؤثر على المواطن العادي، سنيًا كان أو شيعيًا.

ويتابع: بالنسبة إلينا، نحن أخوة وأبناء وطن واحد، لكن الخوف كله من أفراد ينتمون إلى جماعات مسلحة، يتلقون أوامر من الساسة، للتحرك في اللحظة المناسبة، بغية إشعال فتيل الفتنة، ويلقي الجبوري اللوم على الأجندة السياسية، التي كانت سببًا في تأجيج العنف الطائفي طيلة سنوات.

يؤيده في ذلك الطالب الجامعي رحيم علي (21 سنة)، حيث يرى أن الأجندة الطائفية انحسرت بانحسار الجماعات المسلحة، التي قتلت الكثير من العراقيين، ويتابع: من جراء ذلك حدثت عمليات التهجير على أساس طائفي، لكن الأمور عادت إلى مجراها، لكن هناك اليوم من يسعى إلى تفجير الأوضاع من جديد.

فقد رحيم والده عام 2005إبان مناوشات مسلحة على أساس طائفي في شارع حيفا في بغداد، وشهدت الفترة بين عامي 2005 و2007 أشد حوادث الحرب الطائفية، تخللتها أعمال قتل وتهجير على الهوية، وفي عام 2007 بلغ ضحايا أعمال العنف نحو 1800 قتيل، كما هجّرت آلاف العوائل من مناطق سكناها.

يقول كامل حميد (ضابط متقاعد، 55 سنة)، الذي يعيش في حي الخضراء في بغداد وهو حي مختلط طائفيًا إلى حد ما، إن هناك من يسعى إلى تسخير التوترات السياسية الأخيرة، ويبث دعايات وأخبار بقرب تفجّر صراع دامٍ، لاسيما في الأحياء المختلطة.

لكن حميد يؤكد أن ما حدث منذ سنوات، لن يحدث مجددًا مرة واحدة بسبب الوعي بين الناس.

ويتابع: الناس الآن أكثر إدراكًا من السياسيين للوضع، وهم يحرصون على الاستقرار رغم مناورات السياسيين، التي لا تشجّع على ذلك. ويضيف: حدث انفصام في العلاقة بين المواطن العادي وبين السياسي، وإن انتموا إلى الطائفة نفسها، بسبب الوعود المعسولة، والخلافات السياسية المستمرة، التي لا تعكس رغبة الشارع في التعايش والاستقرار.

عايش حميد في فترات سابقة التهجير القسري والاختياري لطوائف عراقية، لاسيما في الأحياء المختلطة خوفًا من عمليات القتل والانتقام المتبادلين. ونزح الكثير من العراقيين في سنوات الاقتتال الطائفي إلى مناطق أكثر أمنًا، وهي مناطق تسكنها الطائفة التي ينتمون إليها.

ورغم أن بعض العراقيين لا يحبّذون اليوم العيش في مناطق مختلطة طائفيًا، بحسب الباحث الاجتماعي سعيد حسين، إلا أنه يؤكد أن هذه الحالة ستنحسر مع الاستقرار الأمني وزيادة الوعي بين الناس بضرورة التكاتف والعيش المشترك.

ونزح فاروق محمد (صاحب متجر، 50 سنة) من الكرادة عام 2005 بسبب التوترات الطائفية، حيث استأجر بيتًا في حي الأعظمية في بغداد، لكن فاروق يؤكد أنه منذ العام الماضي يتردد على منطقته الأصلية، حيث معارفه وأصدقائه من مختلف الطوائف.

ويضيف: يتوسلونني بالعودة إلى الحيّ، ويعتبروني ابنًا لهم، لكنني لم أفعل ذلك لصعوبة انتقالي من جديد، إضافة إلى أن الأمريتطلب مني استئجار بيت جديد، وهو أمر صعب جدًا في بغداد هذه الأيام.

لكن المواطن زكي علي (مدرّس، 45 سنة)فيرى أنه يجب علينا الاعتراف بأن سنوات الحرب الطائفية أنتجت مناطق مغلقة طائفيًا، حيث يكون سكانها من طائفة معينة.

لكن الملاحظ، بحسب علي، هو أن العراقيين، الذين هُجّروا من مناطقهم الأصلية في بغداد، يعاودون لزيارة أصدقائهم ومعارفهم، الذين تركوهم، رغم أنهم من طائفة أخرى.

ويتوقع علي أن يشهد العراق انفتاحًا طائفيًا في السنوات المقبلة، وأن تنحسر النظرة المتزمتة لدى البعض تجاه أفراد طائفة أخرى.

يقول الدلال أحمد البياتي في الصالحية في بغدادإن مكاتب العقارات في السنوات السابقة كانت مسرحًا للتنافس على امتلاك بيوت في أحياء معينة، وهذا التنافس وليد الشحن الطائفي، والرغبة في استحواذ طائفة معينة على أكبر عددمن البيوت في تلك الأحياء.

ويتابع: لقد انحسر ذلك تمامًا اليوم، وبات الناس يسخرون من السياسيين وخلافاتهم، ولم يعودوا يصدقونهم في الكثير من التصريحات التي يطلقونها.

ومن أمثلة التكاتف المجتمعي ما ترويه أم سهيلة الداود، التي تعيش في حي الخضراء في بغداد، والذي تسكنه غالبية من طائفة معينة، بينما هي تنتمي إلى طائفة أخرى، حيث تقول إن أهل الحي حموني من أي محاولة للمسّ بي، وعشت بينهم بلا قلق أو خوف، ومازلت إلى الآن.

وتتابع:غالبية عمليات الاقتتال الطائفي لم يقم بها أناس عاديون، بل منظمات وميليشيات كان تترجم التنافس بين السياسيين إلى معارك حقيقة على أرض الواقع.

ومنذ أواخر العام 2008 انحسرت الفعاليات المسلحة الطائفية، مما ساهم في انحسار عمليات التهجير القسري.

ويلاحظ المراقب أن اللحمة بين الطوائف العراقية جلية اليوم بشكل كبير في الأسواق والفعاليات الثقافية والإعلامية، عدا بعض الأخبار، التي تنقل ظواهر فردية مُبالغًا فيها ونادرة جدًا عن حصول معارك طائفية أو خلافات بين الأفراد على أساس طائفي.

يقول رؤوف خالد المدرّس في جامعة بغداد، إنه في الوقت الذي تنحسر فيه الأجندة الطائفيةعلى أرض الواقع، إلا أنها مازالت واضحة في تصريحات السياسيين، والخوف هو في ترجمتها إلى حالة واقعية.

ويرى المعلم عامر حسين علي (55 سنة) أن الكثير من العراقيين اضطروا إلى حمل هويات عدة،وإلى تغيير أسمائهم في سنوات العنف، ويتابع: اليوم أصبح ذلك جزءًا من الذكريات، رغم محاولات البعض إعادة إحيائها.

وكانت عوائل شيعية وسنية وطوائف مسيحية تعرّضت للتهجير على مدى سنوات منذ العام 2003، على يد جماعات إرهابية، تدّعي انتماءها إلى طوائف مختلفة، مارست التطهير الطائفي والقتل على الهوية أثناء تصاعد الحرب الطائفية في العامين 2006 و2007.

وخير مثال على السلم الأهلي، بحسب أمين حسين (مدرّس)، عودته الموفقة إلى منطقة الدورة في أواخر العام الماضي، بعدما قضى نحو سنة في سوريا، فعلى رغم الاختلاف الطائفي مع جيرانه، إلا أنهم استقبلوه بحرارة، وأقاموا له الولائم لمناسبة عودته.