يرفض عبدالله نجل الشيخ عمر عبد الرحمن أن يعود والده إلى مصر ليقضي بقية محكوميته مقابل سجناء أميركيين، فهذا لا يليق بزعيم الثورة التي أخرجت محمد مرسي من السجن إلى الرئاسة.


الدكتور عبد الله نجل الشيخ عمر عبد الرحمن

صبري عبد الحفيظ: وصف البعض وعد الرئيس المصري محمد مرسي بالعمل على إطلاق سراح الشيخ عمر عبد الرحمن، المسجون في أميركا بتهمة الإرهاب، بأنه زلة لسان في غمرة الحماس والفرحة بالفوز برئاسة الجمهورية.

إلا أن مرسي كشف خلال لقائه الجالية المصرية في أميركا أثناء زيارته نيويورك، أن مفاوضات مع الجانب الأميركي بشأن مبادلة عبد الرحمن بسجناء أميركيين في مصر باءت بالفشل، بسبب الإحتجاجات العنيفة التي تعرّضت لها السفارة الأميركية في القاهرة، على خلفية التنديد بفيلم quot;براءة المسلمينquot; المسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

على الرغم من أن أحدًا لم يكن يتوقع إقدام مرسي على طلب التفاوض حول من تصفه دوائر سياسية في الداخل والخارج بأنه مفتي الإرهاب، إلا أن أسرة عبد الرحمن رفضت الطريقة التي يحاول بها مرسي إعادته إلى القاهرة. وقال الدكتور عبد الله عمر عبد الرحمن في مقابلة مع quot;إيلافquot; إن الدكتور مرسي quot;أخطأ عندما طلب مبادلة والدي بسجناء آخرين، على أن يقضي باقي فترة العقوبة في مصر، لأن تلك الطريقة مهينة للشيخquot;.

وشدد عبدالله على أهمية أن يعود الشيخ عمر إلى القاهرة مرفوع الرأس معززًا مكرمًا باعتباره quot;زعيم ثورة 25 ينايرquot;، ولفت إلى أن القضايا التي صدرت بشأنها أحكام من القضاء الأميركي ضد والده ملفقة، وصدرت من قوانين إستثنائية.

لن يعود إلا مكرمًا
كيف ترى تصريح الرئيس محمد مرسي بشأن تعثر مفاوضات مبادلة الشيخ عمر عبد الرحمن بسجناء أميركيين، على أن يقضي باقي العقوبة في السجون المصرية؟

بداية، نحيي الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية، ونشد على يديه، لأنه أحيا قضية الشيخ عمر عبد الرحمن عندما خطب للمرة الأولى بعد تقلده المنصب في ميدان التحرير. لقد إنتظرنا أشهرًا لمعرفة ما ستسفر عنه جهوده، لكن إعلانه عن مفاوضات لمبادلة الشيخ بسجناء أميركيين، على أن يقضي باقي العقوبة في السجون المصرية، وتعثر المفاوضات بسبب التظاهرات ضد الفيلم المسيء، لم يسرنا على الإطلاق، لأن عودة الشيخ عمر بهذه الطريقة تحمل إهانة كبيرة له، لا سيما أنه زعيم ثورة 25 يناير التي رفعت الظلم عن المصريين جميعًا، ومنهم مرسي نفسه، الذي كان يقبع في سجون حسني مبارك عندما اندلعت الثورة.

فوالدي الشيخ عمر كان أول العلماء الذين دعوا إلى التظاهر السلمي بالملايين لإسقاط الأنظمة الفاسدة والمستبدة، منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر، مرورًا بعهد الرئيس أنور السادات، وانتهاء بعهد الرئيس حسني مبارك، وصدح بالحق في وقت لم يكن يجرؤ أي شخص على ذلك. نحن نرفض هذه الطريقة لإعادة الشيخ عمر عبد الرحمن، لأنها تعني أنه مدان بالإرهاب، ونحن نتحدى أي شخص في الداخل أو الخارج، يقدم دليلًا واحدًا سواء أشرطة مسجلة أو لقاءات مصورة بالفيديو أو كتبا أو رسائل مكتوبة تثبت أن الشيخ عمر حرّض على العنف، أو دعا المسلمين إلى ممارسة الإرهاب، باستثناء الجهاد ضد العدو الذي يحتل أراضي المسلمين.

فليبقَ في أميركا

أليس من الأفضل أن يقضي الشيخ عمر عبد الرحمن بقية فترة اعتقاله في مصر بدلًا من أن يقبع في سجون أميركا؟ نحن نطالب بأن يعامل الشيخ عمر كما حدث في قضية الجاسوس الإسرائيلي الأميركي إيلان جرابيل، الذي عاد إلى إسرائيل على الرغم من أنه كان يحاكم وقتها، ولم يصدر ضده حكم.

صورة ضخمة للشيخ عمر عبد الرحمن بالقرب من السفارة الأميركية في القاهرة

جرت صفقة لمبادلته بـ 25 مصريًا، غالبيتهم من أصحاب القضايا الجنائية في إسرائيل، وعاد إلى بلاده، كأنه بطل قومي، وليس جاسوسًا. كذلك كانت صفقة إطلاق الجندي جلعاد شاليط، الذي كان أسيرًا لدى حماس، وجرت مبادلته بـ 1027 أسيرًا فلسطينيًا. لم يكن بينهم سجين جنائي واحد، بل كانوا جميعًا معتقلين سياسيين، وعلى رأسهم الأسيرات الفلسطينيات جميعًا. إذا كان هذا حال أميركا وإسرائيل مع جواسيسها في مصر، فما بالنا بزعيم ثورة 25 يناير الشيخ عمر عبد الرحمن، الذي ثار في وجه الطغاة. هل هذا جزاؤه بدلًا من أن يعود شيخًا للأزهر؟، أليس من حقه أن يعود إلى مصر عزيزًا مكرمًا، بدلًا من أن يعود مدانًا مهانًا ليقضي بقية حياته في السجون المصرية؟، تفضل أسرته أن يظل في السجون الأميركية على أن يعود بهذه الطريقة.

لكن هناك فرق شاسعبين الأماني والواقع، وكثيرون لم يتوقعوا إقدام مصر على مفاتحة أميركا في القضية من الأساس؟

ألقى مرسي خطابات ثورية، وهو رئيس للثورة، ونحن نريد منه أن تتحول خطاباته الثورية إلى أفعال ثورية أيضًا. يجب ألا يرضخ للغرب وابتزازه. عليه أن يتعامل مع أميركا بالمثل، ففي مصر أربعة أميركيين يخضعون للمحاكمة في قضية التمويل الأجنبي، ولو تعرضوا للسجن والمعاملة نفسها التي يلقاها الشيخ عمر عبد الرحمن في أميركا لركعت أميركا. ولو تعرّض الجاسوس الإسرائيلي عودة ترابين للمعاملة نفسها لركعت إسرائيل، وطالبت أميركا بالإفراج عن الشيخ عمر وإسقاط التهم الباطلة عنه. شأن الشيخ عمر في سجون أميركا شأن يوسف نبي الله الذي تعرض للسجن نتيجة لمكيدة من امرأة العزيز. لكنه رفض الخروج من السجن عندما أصدر الملك عفوًا عامًا عن السجناء، وطلب أن يتم التحقيق في قضيته من جديد، ولما اعترفت إمرأة العزيز بأنها راودته عن نفسه، ساد الحق وزهق الباطل وخرج من السجن معززًا مكرمًا، واستخلصه الملك لنفسه وجعله على خزائن مصر.
وإذا لم يفرج عن الشيخ عمر عبد الرحمن بهذه الطريقة، نرفض العودة إلى طريقة مبادلة السجناء، ونفضل أن يستمر في سجون أميركا، فقد يعود ولا يعيش يومًا واحدًا، فهل يموت مدانًا بتهمة الإرهاب؟ إذا كانت مساعي الدكتور محمد مرسي تصب في تلك الخانة، فنحن نقول له ما قال يوسف نبي الله (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه).

مفتي الإرهاب
لكن الشيخ عمر عبد الرحمن موصوف من قبل بعض الدوائر داخليًا وخارجيًا بأنه مفتي الإرهاب؟

نعذر من يقول ذلك لأنه لم يقرأ شيئًا مما كتبه الشيخ عمر عبد الرحمن، ولم يسمع أيّا من خطبه، بل سمع وقرأ عنه. لا تسمعوا عن الشيخ عمر بل اسمعوا منه، استمعوا إلى خطبه واقرأوا كتبه، ولن تجدوه مفتيًا للإرهاب، بل داع للسلام. نتحدى أي إنسان في الداخل أو الخارج أن يقدم خطبة أو كلمة أو سطرًا كتبه الشيخ عمر يحرّض فيه على العنف والإرهاب، فقد كان معارضًا للأنظمة المستبدة سلميًا، ودعا الشعوب إلى الثورة عليهم من دون عنف، وأنا أتحدى الجميع في الداخل أو الخارج من خلال موقع quot;إيلافquot; أن يقدموا دليلًا واحدًا يدين الشيخ عمر عبد الرحمن بالإرهاب.

لم يدعُ الشيخ إلى الجهاد إلا ضد المحتل الأجنبي للأراضي الإسلامية، وأرسل ابنه محمد للجهاد ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان، فقد كان ثائرًا بكل ما يملك حتى أبناءه. لم يصدر ضد الشيخ عمر عبد الرحمن حكم قضائي واحد، ولم يرد اسمه في أية قضية خاصة بالإرهاب في مصر.

ولما ضيق عليه النظام السابق كثيرًا، خرج إلى أميركا ظنًا منه أنها بلد الحرية والديمقراطية، لكن وجد قضايا ملفقة. فالقضية التي صدرت ضده أحكام بشأنها هي التخطيط لاغتيال الرئيس السابق حسني مبارك أثناء زيارة له لأميركا لم تتم في العام 1992، ولم يثبت على الإطلاق أنه خطط لذلك، ومبارك لم يزر أميركا في هذا العام. كما حوكم بقانون إستثنائي لم يتم تفعيله في أميركا منذ 200 عام، وصدرت ضده أحكام جائرة بالسجن لمدة 285 سنة. ولنا في شهادة وزير العدل الأميركي السابق رمزي كلارك، الذي قال quot;الحكم الذي صدر ضد عمر عبد الرحمن سياسي، وليس جنائيًاquot;، دليل على ما نقول.

تتهم أسرة الدكتور فرج فودة، الذي تعرّض للإغتيال في بداية التسعينات، الشيخ عمر عبد الرحمن بأنه أفتى بإهدار دمه وتسبب بقتله؟

عبد الله معتصماً بالقرب من السفارة الأميركية في القاهرة

هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، وهناك ثلاثة أدلة على ذلك. الأول: فرج فودة قتل في العام 1992، في حين أن الشيخ عمر عبد الرحمن خارج البلاد منذ العام 1990. الثاني: لم يرد اسم الشيخ عمر عبد الرحمن في تحقيقات النيابة العامة، ولم تصدر بحقه أحكام قضائية في هذه القضية. والثالث: الشيخ محمد الغزالي هو من أفتى بأن فرج فودة مرتد، والدكتور محمد محمود مزروعة هو من أفتى بإهدار دمه. طلبت مناظرة ابنة الدكتور فرج فودة في هذا الأمر، لكنها لم ترد، وأتحداها أن تثبت أن والدي أفتى بإهدار دم والدها.

عوار كبير
أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في أكثر من مؤتمر أن قضية الشيخ عمر عبد الرحمن غير قابلة للتفاوض وأنها أمام القضاء الأميركي، ألا يصبكم ذلك بالإحباط؟

لا تصيبنا تصريحات المسؤولين الأميركيين بشأن قضية والدي بالإحباط، بل تزيدنا إصرارًا وتمسكًا وثباتًا، لأن تلك المواقف تفضح ازدواجية المعايير التي تتعامل بها أميركا. ففي الوقت الذي يعلن مسؤولوها أنهم يحترمون القضاء، يهدرون أحكام القضاء في مصر. ألم تكن قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلان جرابيل منظورة أمام القضاء؟ أم تكن قضية التمويل الأجنبي منظورة أمام القضاء؟ إن ذلك يثبت أن في الديمقراطية الأميركية عوارا كبيرا.

هل تتواصلون مع الشيخ عمر عبد الرحمن؟ كيف هي أحواله في السجن؟
يتعرّض الشيخ عمر عبد الرحمن لأسوأ معاملة في السجون الأميركية. فهو مسجون في زنزانة انفرادية، ومحروم من كل حقوق السجناء. كان محظورًا عليه الإستماع إلى نشرات الأخبار أو متابعة أحوال العالم، واضطر للإضراب عن الطعام طويلًا حتى سمح له بالإستماع إلى محطتي quot;بي بي سيquot; وquot;راديو مصرquot;.

يتحدث هاتفيًا مع زوجته فقط لمدة 15 دقيقة كل 15 يوميًا، ومحظور عليه التحدث مع أي شخص آخر، يمن فيهم نحن أبناءه.ومحظور عليه التحدث في السياسة أو الشأن العام أو يحرم من المكالمات لمدة ستة أشهر. ولكنه عندما علم أن هناك مبادرة المراجعات الفكرية للجهاديين والداعين إلى العنف ضد الدولة، وكانت المراجعات لن تكتمل إلا إذا أفتى بجواز ذلك، تحدث في الهاتف مع الوالدة، وأفتى بأن تلك المراجعات جائزة، وأنها ليست تراجعات كما أفتى بعض علماء الجماعات الإسلامية. فحرم من المكالمات الهاتفية ستة أشهر، لكنه فضل أن يحرم من التواصل مع زوجته وأسرته في سبيل حقن دماء الناس. فهل هذا الرجل يمكن أن يوصف بـquot;مفتي الإرهابquot;؟ كلا وألف كلا.