quot;الشعب يريد إسقاط النظامquot;، كان الهتاف الأبرز في الثورة المصرية التي اندلعت في 25 يناير 2011، ولم تهدأ إلا بعد إسقاط رأس النظام الرئيس السابق حسني مبارك في 11 فبراير/ شباط من العام نفسه، وكان المصريون يعتقدون حينها أنهم بالفعل نجحوا في إسقاط النظام، ولكن ما إن تواترت الأحداث، حتى إكتشفوا أنهم لم يتمكنوا بعد من إسقاط النظام، وأنه أعمق وأقوى من أن تسقطه ثورة أستغرقت 18 يوماً، فاستمروا في نضالهم من أجل إسقاط النظام، الذي خسر معركته الأخيرة من أجل إعادة إنتاج نفسه في جولة الإعادة في الإنتخابات الرئاسية، حيث تنافس الفريق أحمد شفيق الذي ينظر إليه على أنه جزء من هذا النظام، والدكتور محمد مرسي، وفاز الأخير على الأول بشق الأنفس، وبدأ صراعاً مع النظام القديم، برئاسة مبارك، الذي مازالت أركانه على ولائها له، رغم إسقاط رأسه ووضعه في السجن هو ونجليه ورموز نظام حكمه خلال الأعوام العشرة الأخيرة من عمره.


صبري عبد الحفيظ من القاهرة: أما وقد صار الدكتور محمد مرسي الكادر السابق في جماعة الإخوان المسلمين رئيساً لمصر، صار المصريون يتطلعون إلى تفكيك النظام، ولاسيما الإخوان والتيار الإسلامي، وإعادة بناء نظام جديد على أسس ديمقراطية، فهل يستطيع مرسي القيام بهذه المهمة الصعبة؟ وكم يحتاج من الوقت لإنجازها؟.

صعوبة هدم النظام
وفقاً للدكتور محمد عبد السلام الخبير السياسي في مركز الرأي للدراسات، فإن النظام كلمة عميقة وشاملة، تعني مؤسسات دولة ومجتمع، وتتكون منظومتها من مؤسسات عسكرية وأمنية ووزارات وهيئات وأجهزة رقابية وإدارية ومؤسسات مجتمع مدني رسمية وأهلية، وترتكز هذه المنظومة الكبيرة على ثلاث سلطات، وهي السلطة التشريعية التي يمثلها البرلمان والشورى، والسلطة القضائية والتي تمثلها وزارة العدل والقضاة والمحاكم بمختلف أنواعها، والسلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة التي تباشر أعمال الدولة، إضافة إلى السلطة الرابعة الشعبية، وهي الصحافة أو الإعلام.

وقال عبد السلام لـquot;إيلافquot; إن الشعب المصري ثار ضد النظام بمضمونه الشامل، وليس ضد الرئيس السابق فقط، ويتطلع إلى بناء نظام جديد، بعدما فشل النظام القديم في تحقيق الحياة الكريمة والحرية له، بسبب إنتشار الفساد والقمع والدولة البوليسية، مشيراً إلى أن عملية هدم النظام كلياً وبناء نظام جديد صعبة للغاية، وسوف يواجه الرئيس محمد مرسي صعوبات في بناء نظام جديد للدولة المصرية، إلا أنه قادر خلال فترة الرئاسة على وضع اللبنات الأولى في النظام الجديد، من خلال تشكيل حكومة ائتلافية من كل أطياف القوى والتيارات السياسية والثورية الوطنية، بدلاً من الحكومات التي كان يشكلها الحزب الوطني المنحل وحده، وظل يستأثر بها طوال 30 عاماً، إضافة إلى تعيين محافظين جدد على قواعد ومعايير الكفاءة، وليس عبر معيار مكافأة نهاية الخدمة للشخصيات المرضي عنها في الأجهزة الأمنية أو الأكاديميين أو المؤسسة العسكرية.

ولفت إلى أنه يمكنه تغيير قواعد اللعبة في المجالس الشعبية المحلية من خلال وضع نظام إنتخابي جديد لها، وإجراء انتخابات نزيهة بعيداً عن معايير الحزب الوطني المنحل، الذي كان يضع أعضاءه فيها لضمان الولاء له وللنظام.

ونبه عبد السلام إلى أن مرسي يمكنه إحداث تغيير كبير في بنية النظام أو إحداث خلخلة كبيرة فيه، ولكنه لن يستطيع إسقاطه كلياً خلال أربع سنوات، حيث تحتاج عملية تفكيك النظام وإعادة بناء نظام جديد فترة تتراوح ما بين 6 وعشرة أعوام من العمل الجاد والمنهك، خاصة أن الأنظمة الفاسدة تكون مترابطة جداً، لأنها ترتبط بروابط المصالح.

عشرة أعوام
وحسب وجهة نظر الدكتور جمال محمود الخبير في مركز الجمهورية للدراسات السياسية، فإن تفكيك النظام وإعادة بناء نظام ديمقراطي جديد يستغرق فترة لا تقل عن عشرة أعوام.

محمد مرسي

وأوضح لـquot;إيلافquot; أن النظام القديم مازال متماسكاً ويقاوم التغيير من الأعماق، لاسيما أن هناك جهات داخلية أو مؤسسات قوية تؤمن بضرورة إستمرار هذا النظام كما هو، بعد إسقاط رأسه والحاشية التي عملت معه طوال الأعوام العشرة الأخيرة، وأن تقف الثورة عند حد حركة إصلاحية، لا ثورة بمفهومها الشامل، ولفت إلى أن القوى العالمية لا تريد إسقاط النظام كلياً أيضاً، وترغب في إعادة إنتاجه، ولكن بلحية وجلباب، إن لزم الأمر، بحيث لا تتغيّر قواعد اللعبة في المنطقة أو موازين القوى.

وأضاف محمود أن النظام القديم مازال قوياً ومتماسكاً، وظهرت قوته وقدرته على الحشد من خلال الإنتخابات الرئاسية، التي وقفت فيها أجهزته ورجال أعماله وقيادات الحزب الوطني المنحل وراء مرشحهم أحمد شفيق، الذي حصل على نسبة أصوات كبيرة جداً، مما يعني أن خلاياه نائمة وتعمل في الخفاء تدريجياً على إعادة إحياء النظام أو إعادة إنتاجه، ولن تستسلم بسهولة.

ونبه إلى أن مهمة مرسي صعبة جداً، حيث يحتاج النظام الجديد بسط سيطرته على أجهزة الإعلام والأجهزة الأمنية والإدارية والمؤسسات الكبرى، وكل هذا يحتاج وقتًا وجهدًا، وقبل هذا وذاك فهو يحتاج رجالاً أكفاء لإحلالهم مكان رموز النظام السابق، منوهاً بأن هذه العملية تحتاج ما لا يقل عن عشرة أعوام.

ويبدو أن جماعة الإخوان المسلمين تستوعب ذلك جيداً، حيث قال المهندس خيرت الشاطر النائب الأول للمرشد العام للجماعة في تصريحات لصحيفة لو فيغارو الفرنسية أن الجماعة تعلم جيداً أن عملية إسقاط النظام وإعادة بناء نظام جديد تستغرق ما يتراوح بين 7 و10 أعوام على الأقل، مشيراً إلى أن الإخوان لا يستعجلون في هذا الأمر، وأنهم يدركون أنها مهمة ليست سهلة.

تطهير الشرطة والإعلام
وحول طريقة تفكيك النظام السابق، قالت الدكتورة منال علام أستاذة النظم السياسية في جامعة القاهرة لـquot;إيلافquot; إن أولى خطوات إعادة بناء هذا النظام تبدأ بإحلال المؤسسة الأمنية المتمثلة في وزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة تدريجياً بإقصاء قيادات الصفين الأول الثاني، وهي القيادات التي كانت تعمل تحت يد وزير الداخلية السابق في عهد المخلوع والمسجون حاليًا، ويبدأ بناء النظام الجديد من الصف الثالث، وهي القيادات الشابة الصغيرة أو الناشئة ورفع كفاءتها وتدريبها على روح القيادة الجديدة طبقًا للتحول الديمقراطي المدني الجديد والذي تشهده البلاد، وكذلك حل قوات الامن المركزي، التي لا حاجة إليها في ظل النظام الجديد، واستبدالها بقوات من الشرطة العسكرية التي اثبتت كفاءة في حفظ الثورة وتأمين البلاد من المخاطر أثناء الفترة الانتقالية لأنها مدربة تدريبًا جيدًا.

مشيرة الى أن هذه الخطوة تحتاج 5 سنوات أو على الأقل فترة الولاية الأولى للرئيس محمد مرسي، وأضافت أنه بعد ذلك يجب اجراء عملية تطهير مماثلة لجهاز الاعلام من القيادات التي كانت تابعة للنظام القديم وتنفذ سياسته، وهذا لا يتماشى مع التحول الديمقراطي الذي تشهده الدولة العصرية المدنية الجديدة، وكذلك الأمر يسري على باقي وزارات وهيئات واجهزة ومؤسسات الدولة، حتى يكتمل بناء النظام المصري الجديد وتدمير القديم الذي ظل 60 عاماً تحت وطأة الحكم العسكري، وفشل في تحقيق مطالب مقومات الدولة العصرية.