قد لا يكون هناك قائد في القارة الأفريقية يجسّد الصراع بين مصالح الحكومة الأميركية وأفكارها المثالية العليا أفضل من رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي.


من لقاء سابق جمع زيناوي وكلينتون وبان كي مون

أشرف أبوجلالة من القاهرة: استطاع زيناوي، الذي توفي يوم الاثنين بعد 20 عاماً قضاها في السلطة، أن يخوض المعركة الأميركية ضد الإرهاب بذكاء، ويصور أثيوبيا باعتبارها مشاركة على الجبهات الأمامية في مواجهة التطرف الإسلامي.

كان بوسعه انتزاع معلومات استخباراتية قيمة والحصول على دعم دبلوماسي جاد، وكذلك ملايين الدولارات في صورة مساعدات من الولايات المتحدة، مقابل تعاونه ضد المتشددين في القرن الأفريقي المضطرب، تلك المنطقة التي تهتم بها واشنطن بشكل كبير.

لكنه كان يشتهر بممارساته القمعية، حيث كسر حكمة الرئيس أوباما، التي تقول: quot;لا تحتاج أفريقيا رجلاً قويًا، بل مؤسسات قويةquot;. وعلقت على ذلك صحيفة النيويورك تايمز الأميركية بقولها إن زيناوي كان رجلاً قوياً بلا شك. ورغم كونه واحداً من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة في القارة، إلا أنه غالباً ما كان يقوم بحبس المعارضين والصحافيين، ويعمل على تخويف الخصوم وأنصارهم للفوز بانتخابات أحادية الجانب، والإشراف على تنفيذ حملات وحشية في مناطق مضطربة في البلاد، حيث سبق للجيش الأثيوبي أن تورّط هناك في اغتصاب وقتل الكثير من المدنيين.

بعيداً عن تلقي أثيوبيا مبلغاً يزيد على 800 مليون دولار في صورة مساعدات أميركية سنوياً، فقد عمل زيناوي على تقوية إشارة الصوت الأميركي. هذا وتطالب جماعات حقوق الإنسان الولايات المتحدة بخفض المساعدات التي تقدمها إلى أثيوبيا منذ سنوات.

ثم تساءلت الصحيفة: والآن بعد رحيله، هل ستضيق الفجوة بين الأهداف الإيديولوجية والإستراتيجية الأميركية تماماً في ذلك البلد الذي يحظى بطبيعة معقدة ومحورية؟.

نقلت النيويورك تايمز في هذا الصدد عن ليزلي ليفكو، باحث لدى منظمة هيومان رايتس ووتش، قوله: quot;توجد ثمة فرصة هنا. وإن كان المتبرعون فطنين، فإنهم سيستغلون تلك الفرصة لتعزيز وضعية حقوق الإنسان بشكل أكبر والحاجة إلى الإصلاحquot;.

مع هذا، فإن المحللين لا يتوقعون أية تحركات مفاجئة. وعقب وفاته، أثنت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، على quot;التزامه الشخصيquot; بدعم الاقتصاد الأثيوبي وquot;دوره في تعزيز السلام والأمن في المنطقةquot;. لكنها لم تشر إلى السجل الخاص به في مجال حقوق الإنسان، وتحدثت بشكل مقنع فقط عن دعمه الديمقراطية وحقوق الإنسان في أثيوبيا. كما أوضحت أن المصلحة في الأمن القومي لم تتغيّر.

رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي

وقال أحد المسؤولين الأميركيين الكبار إن ذلك لم يؤثر على الوضع السياسي على المدى الزمني القصير، وإن أضاف بقوله quot;لكن هناك العديد من الأمور غير المعلومةquot;.

بينما أشار دان كونيل، أستاذ ومؤلف أميركي، سبق له أن أجرى مقابلة مع زيناوي في حزيران/ يونيو الماضي، إلى أنه كان يستعد على ما يبدو للوفاة. وتابع: quot;كان يصب تركيزه على ما يبدو على إنهاء مشروعات كبرى عدة، وكأنه كان يعلم أن النهاية وشيكةquot;.

وأوضحت الصحيفة أن من بين هذه المشروعات، ذلك الخاص بتحديث شبكة طرق البلاد وبناء سدود ضخمة وتعزيز الاستثمار الأجنبي على نطاق واسع في مجال الزراعة، ومحاولة إنهاء الحرب مع أريتريا. وتابع كونيل بقوله: quot;كان يعلم زيناوي أن أيامه معدودةquot;.

فيما قال جوني كارسون، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية: quot;سواء كنت صديقاً أو معارضاً لزيناوي، فإن الإجماع بشأن أفريقيا هو أنها فقدت واحداً من أبرز قادتها على الصعيد الفكري. وليس هناك من شك في أنه كانت هناك حاجة إلى المزيد من الديمقراطية، ويمكنني التأكيد على أن هناك حاجة إلى المزيد من العمل في هذا الجانبquot;.