قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هجوم الشخصيات الأصولية والدعوية في الكويت على رؤى بعض الباحثين والمفكرين الذين يسعون إلى طرح فهم جديد وحداثي للنص الديني، هو هجوم إقصائي حيث يتجاوز النقد العلمي ليصل إلى إلغاء حق هؤلاء في البحث العلمي وإقصائهم من الساحة الفكرية والاجتماعية. وهذا السلوك الإقصائي إنما يمس ادعاءات الأصولية الكويتية في أنها تقبل الرأي والرأي الآخر وأنها قادرة على مواجهة الفكر بالفكر، ويفند المزاعم بوجود جانب كبير من التسامح في نهجها، والذي أعتبره تسامحا مزورا. فبالإمكان عدم التشكيك في quot;نواياquot; التسامح الصادرة عن البعض القليل من الشخصيات الأصولية والدعوية، غير أنه لا مفر من التشكيك في النهج الديني الذي ينطلقون منه، وهو نهج تاريخي لا يعترف بمفاهيم الحياة الحديثة الحاثة على احترام الاختلاف والتعدد والتنوع الفكري. لذا، هل يمكن الوثوق بتسامح من ترفض منطلقاته الدينية والفكرية تلك المفاهيم؟ وهل يمكن أن تفضي دعوات الإلغاء والإقصاء إلى المحبة والتسامح في المجتمع؟

إن أي دعوة من قبل الشخصيات الأصولية والدعوية إلى المحبة والتسامح لا يمكن إلا أن تنبني على تفسير أصولي تاريخي لا يمت لمفهوم التسامح الحديث بصلة، أي هي دعوة لطرق موضوع التسامح من بابه التاريخي الاجتماعي الديني الضيق، غير عابئة بإطاره الإنساني الحديث والأوسع. وهي عادة ما تكون قائمة على البيّنة والبرهان الدينيان التاريخيان، أو كل ما يثبت من خلال الاستنباط أنه مخالف لصريح ما ورد في النص الديني. وهذا الاستنباط لا يمكن أن يتعايش مع قيم الحياة الراهنة، لأنه لا يرتبط إلا بمدلوله التاريخي ولا يعترف إلا بواقعه القديم، ولا يمكن أن تكون له صلة بالمنجز العلمي الراهن الذي يعتمد على تعددية مناهج البحث والتفسير ويرفض الوصاية الفكرية التفسيرية التي يدعو إليها الخطاب الأصولي الدعوي.

وعليه، يمكن طرح التساؤلات التالية: ما مصير الرؤى والأفكار التي تستند إلى quot;البيّنةquot; في التكفير، والتي تقوم بعض الشخصيات الدعوية والجماعات الدينية بوصم شخصيات وجماعات دينية أُخرى بها؟ هل يجب مواجهة تلك الأفكار quot;التكفيريةquot; وطردها من المجتمع ومحاربة أفرادها، أم هي جزء من صور التنوع التي يحتضنها التسامح الأصولي في الكويت؟ ومن الذي يحدد ما هو بيّن ومبرهن بكفره، وما هو غير ذلك؟ وما موقف تلك الرؤية من المفهوم الحديث للتسامح والذي لا يستند في تعريفه إلى المعايير الأصولية التاريخية الضيقة، هل يمكن استيعابه أم لا يمكن؟ وما هو موقف الدستور الكويتي من الرؤية الأصولية الضيقة للتسامح، هل يتماشى معها، أم يتماشى مع الرؤية الحديثة؟ وهل نستطيع معالجة مرض عدم التسامح في مجتمعنا من خلال طرح الرؤى الضيقة التي لا تحسب إلا حساب مصالحها المذهبية والفئوية لا المصلحة الكلية للمجتمع بجميع تشكيلاته وألوان طيفه الديني والفكري؟.

إن تلك الشخصيات الأصولية والدعوية تستغل المفهوم الإنساني الحديث للتسامح لتحقيق مآربها فحسب، لكن حينما تتضرر مصالحها فإنها أول من يقف ضد المفهوم متهمة إياه بأنه يخالف ثوابت الدين ويعارض العادات والتقاليد المحافظة. لذا، فإن المفهوم الحديث يبتعد مسافات زمنية كبيرة عن المفهوم المستند إلى التفسير الأصولي التاريخي، كما استطاع العالم الحديث أن يعتمد عليه لتحقيق قفزات نوعية في قضايا التعايش والتقدم والتطور، فيما لا زال التيار الديني في الكويت يستغله بطريقة قاصرة ومؤلمة وبعيدة كل البعد عن أي مسعى حداثي وحضاري تعايشي.

إن الأسئلة الفائتة من شأنها أن تلقي الضوء على ثغرات لا يزال التيار الديني في الكويت يعجز عن حلها، لأن المفهوم الحديث حول التسامح بعيد كل البعد عن أدبيات خطابه التاريخي وفقهه وممارساته وتصوره للقضايا والموضوعات والحياة الحديثة بشكل عام. فهل لنا أن نعرف موقف مدعي المحبة والتسامح الأصولي من قضايا الحريات العامة في المجتمع، وهي القضايا التي تعتبر الترمومتر الرئيسي لمعرفة الموقف من باقي القضايا التي يقع تحت إطارها ويحتويها ملف التسامح. هل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من حرية التفكير الديني واختلاف فهم النص الديني، وهل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من حرية العبادة للجماعات غير الإسلامية، وهل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من دعاوى غير المسلمين لبناء دور العبادة في البلاد، وهل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من ممارسة الإسماعيليين لطقوسهم الدينية، وهل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من ممارسة الصوفيين لشعائرهم الدينية، وهل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من منهجية النقد العلمي التي يجب أن تطال التاريخ الإسلامي، وهل لنا أن نعرف موقفهم quot;التسامحيquot; من حرية الرأي والتعبير بشكل عام في الكويت ونظرتهم لقضايا المساواة وحقوق المرأة وحقوق المسلم وغير المسلم وانتشار الفكر اللاأدري بل والإلحاد أيضا، وهي قضايا تعتبر بالنسبة إليهم خطوطا حمراء دينية. أم أن قضية المحبة والتسامح تتعلق فقط بوجود كويتيين سنّة لابد أن يتعايشوا مع الشيعة والعكس صحيح. فهل التسامح يتشكل في الإطار الطائفي الضيق، إم إنه مفهوم إنساني واسع وشامل وكبير لا يزال التيار الديني الأصولي بشقيه السني والشيعي وبشخصياته الأصولية والدعوية غير قادر على استيعاب أهدافه ومقوماته ولا يستطيع أن يجاري مخرجات تفسيره؟ فحتى النظرة التسامحية السنية تجاه الشيعة والشيعية تجاه السنة عادة ما لا تخلوا من تفضيل طرف على آخر، حيث يتم طرح الموضوع على أساس إنه منّة من طرف ضد الآخر وأمر لابد منه في إطار عملية التعايش في المجتمع. بمعنى أن النظرة الأصولية لقضية التسامح، سواء من قبل السنة تجاه الشيعة أو العكس، هي نظرة فوقية مصلحية لا نظرة منطلقة من مفهوم المساواة والمواطنة والإنسانية.

إن فهم النص الديني لا ينتهي بمجرد أن المدرسة الأصولية قالت رأيها فيه بوصفها المدرسة الوحيدة المخولة تفسير النص. بمعنى أن الفهم ليس له حدود خاصة يعينها الخطاب الأصولي الدعوي أو يتحدث عنه مفسر من المفسرين يتبع مذهبا من المذاهب أو طائفة من الطوائف. ففهم النص الديني هو عملية فكرية تنتمي إلى نادي المعرفة الدينية التي من أعضائها الأصوليون، والحداثيون أيضا، فيما المدرسة الأصولية تسعى إلى اعتبار العضوية في نادي المعرفة الدينية حكرا لها ولأفرادها. فلابد للعضو في نادي المعرفة الدينية أن يقر بأن العضوية فيه ليست طائفية، ولا تخص فقط أصحاب التفاسير الصحيحة، وانها تعبّر عن رؤى بشرية نسبية غير نهائية. وعليه فإن أي فهم للنص الديني وأي تفسير للشريعة لابد أن يكون ضمن إطار المعرفة الدينية، وأنه ليس إلا فهما واحدا ضمن مجموعة كلية من الأفهام التي ظهرت في الماضي والحاضر وسوف تظهر في المستقبل. وبالتالي لا يمكن الإقرار بوجود عضو واحد فقط أو عدة أعضاء محددين في نادي المعرفة الدينية، وإنما هناك مفسرون مختلفون من البشر.

لكن، ماذا لو وصف الخطاب الأصولي بمذاهبه وطوائفه المختلفة ما يعرضه من فهم ديني وما يفسره بأنه عين الدين وحقيقته المطلقة والنهائية، وأنه لا يوجد فهم يأتي بعد فهمه، ولايحق للمدرسة غير الأصولية أن تفهم الدين، ورفض أي حديث عن فهم بشري نسبي متنوّع حول الدين؟ وكيف، وفق ذلك، يستطيع البشر ان يتصرفوا إزاء موضوع تعددية الطوائف الإسلامية والمذاهب الدينية واختلاف عقائد الناس وتنوع طقوسهم الإيمانية وتنوع فهمهم الديني؟ وكيف يمكنها ان تهضم قضية تنوّع المدارس الدينية المذهبية والطائفية واختلاف تفاسيرها حول الفقه وعلم الكلام وعلم التفسير وعلم الاخلاق وغيرها؟ إذن، لابد من إيجاد حلول لهذه القضية (المعضلة) التي تقوم على رفض تعددية الفهم الديني، ورفض تنوع تفسير الشريعة والعقائد والأصول، ورفض اختلاف الطقوس، وما ينشأ جراء ذلك من خلافات مذهبية وطائفية وسياسية واجتماعية، وصلت الأمور خلالها إلى رفض مبدأ التعايش بين أبناء المجتمع الواحد والبلد الواحد وظهور مشاكل تتعلق بعدم قبول عقيدة الآخرين وتكفير المختلفين وتحقير طقوس البعض، ورفض التزاوج والتعايش بين أبناء الديانات والمذاهب والطوائف المختلفة؟.

إن المشكلة تكمن في أن الخطاب الأصولي يعتقد بأن رؤاه الدينية العقائدية هي رؤى نهائية مطلقة فوق بشرية وغير قابلة للتراجع إلا وفق شروط ضيقة جدا. وإذا لم تعالج قضية التفسير النهائي والفهم الأبدي المطلق وفوق البشري معالجة كلامية جذرية تتفق مع قيم الحداثة ورؤى الحياة الجديدة، ويتم الإقرار بمبدأ التفسير النسبي البشري شأنه شأن جميع التفاسير غير الدينية المنضوية في إطار المعارف البشرية، بحيث تتعايش بصورة جمعية مع التفاسير الدينية الأخرى، فإننا لا نستطيع معالجة المشكلة المزمنة في الخطاب الأصولي المتمثلة في رفض التعددية والتنوع وعدم قبول التعايش مع الرأي الآخر ورفض احترام حقوق الإنسان. فالتعددية القائمة على بشرية فهم النص الديني ونسبيته تختلف كليا عما يعتقده طرف ديني ما بأن تفسيره للدين ونظرته العقائدية للحياة هو تفسير فوق بشري ونهائي. لذا للجميع الحق في نقد آراء المفكر المصري نصر حامد أبوزيد في فهمه للنص الديني، لكن ليس من حقهم إقصائه عن الساحة الفكرية لمجرد أن فهمه يتعارض مع فهم الخطاب الأصولي، أو لمجرد ان المحكمة المصرية الخاضعة للخطاب الأصولي قد مارست الإقصاء ضده. إذ علينا نقد النصوص الدستورية الأصولية الموجودة في القوانين القضائية المصرية (وغير المصرية) التي تقصي وبكل سهولة مفكرا من مجتمعه وتبعده عن زوجته لأنه طرح فهما دينيا مغايرا للفهم الأصولي ومخالفا لثوابت الخطاب الأصولي التاريخي.


كاتب كويتي

[email protected]