قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كان الفيلسوف ابن رشد يُفضِّل أن يكون للمفكر خطابان: خطاب للعامة، وخطاب للخاصة.
واقترح ابن رشد كذلك، أن يقوم الحُكَّام بعدم منع ومصادرة الكتب الفلسفية والفكرية، وذلك بفتح مكتبات خاصة للعلماء والمفكرين تحتوي على كل الكتب الخاصة، التي لا يفهمها غير العلماء والمفكرين، وتُمنع عامة الشعب من دخولها، خوفاً عليهم من فتنة ما لا يعرفون، وما لا يفقهون.


ناموا فاستيقظنا، ونمنا فاستيقضوا!
ولكن كان ذلك النداء والتوجيه والتوجه في القرن الثاني عشر للميلاد، عندما كنا في عزِّ نهضة وأنوار قروننا الوسطى (800 -1258 م)، وكانت أوروبا كلها في عزِّ ظلام قرونها الوسطى. ثم نمنا، وانطفأت سُرجنا وقناديل فكرنا وحضارتنا بنكبات سياسية متلاحقة، بعد دفن المعتزلة 846 م، ورحيل ابن رشد 1126م، وغزو المغول لبغداد 1258م، وتدمير الحضارة والثقافة العربية، وحُكم المماليك العبيد (1250-1517م)، واستيلاء العثمانيين الظلاميين المنغلقين على العالم العربي (1517- 1918م). وأثناء ذلك كله، كانت أوروبا قد نهضت من سُباتها العميق، وبدأت نهضتها الكبرى. فكان التاريخ معنا ومع أوروبا، أن نستيقظ نحن وتنام أوروبا، وأن ننام نحن وتستيقظ أوروبا.
ولكن نومنا الأخير طال واستطال. وما زلنا نيام. وهنا الخطورة، أن نموت ونفنى من طول النوم، الذي تحوَّل الآن إلى خَبَل ومرض.


من (المعلم الثاني) إلى (أم الهول)
لم تكن أم كلثوم (أم الهول) مجرد مُغنيّة ومطربة، ولكنها كانت مؤدبة للمؤلفين والملحنين والسمِّيعة من الصهبجية وغيرهم. تُغنّي لهم بأدب جم، بعد أن أحاطت نفسها بقمم شعراء الأغاني وملحنيها، وانضم إليهم أمير الشعراء أحمد شوقي.
فالموسيقا تأديب وتهذيب.
والغناء تأديب وتهذيب.
وكان (المعلم الثاني) الفيلسوف الكازاخستاني أبو نصر محمد الفارابي (874-950م) (وصورته الآن على ورقة العُملة الكازاخستانية) موسيقاراً كبيراً، يؤدِّب ويهذِّب تلاميذه بالموسيقا. وهو الذي كان بعزفه الموسيقي يُبكي ويُضحك مستمعيه. وهو من أنامهم وأيقظهم، ثم أيقظهم وأنامهم. ووضع كتابه الشهير والفريد quot;الموسيقا الكبيرquot;. وبذا، كانت الموسيقا لكل الناس، وليس للخاصة، أو فئة من الناس. ونحن كليباراليين نسعى إلى أن نصل إلى كل الناس، بما نقول، وبما نكتب، غير تاركين الساحة رمَّاحة للدعاة الدينيين المتشددين الظلاميين، الذين خطفوا الإسلام، وامتطوه إلى منافعهم، دون رادع أو وازع.

(أم الهول) وطه حسين لكل الناس
لقد استطاعت أم كلثوم (أم الهول) أن تصل إلى كل الناس، من الأستاذ الجامعي إلى سائس الخيل. وكان طه حسين على هذا النحو أيضاً. فكان يقرأه أستاذ الجامعة ويقرأه ويفهمه الطالب في المرحلة الإعدادية أيضاً. وكلاهما - (أم الهول) وطه حسين - كان ليبرالياً. وقدم إلى الحركة الليبرالية المصرية والعربية الدفق والزخم الليبراليين الكبيرين والكثيرين. فكانت أم كلثوم بفنها الراقي وطه حسين بفكره وعقلانيته، وأسلوبه السلس الواضح.
فهل يملك الليبراليون اليوم القدرة على الوصول إلى كل الناس، كما وصلت أم كلثوم وطه حسين؟

كيف تحابت الليبرالية مع الدين؟
أم كلثوم وطه حسين في مصر وفيروز في لبنان، أمثلة واضحة وجميلة، على مدى انتشار ليبرالية الأفكار والفن والأدب.
فطه حسين، رغم عداء عدد كبير من رجال الدين له، بحيث استطاعوا طرده من الجامعة ومصادرة كتابه (في الشعر الجاهلي، 1927) ومحاكمته، وألبوا سعد زغلول عليه الذي قال فيه: quot;هبّ أن مجنوناً كتب مثل هذا، فماذا نفعل به؟quot; إرضاءً لرجال الدين. ورُمي طه حسين بالفسوق والإلحاد والعمالة للمخابرات الفرنسية، كما يُرمى الليبراليون اليوم بالعمالة للمخابرات الأمريكية.. ورغم كل هذا، ظل طه حسين يحتل مساحة واسعة من الجمهور المصري والعربي. بل إن كثيراً من رجال الدين اعتبروا طه حسين مسلماً مجتهداً، ربما أخطأ في أحكامه واستنتاجاته، وفي هذه الحالة فله أجر. فالمجتهد له أجران إن أصاب، وأجر واحد إن أخطأ.
ورغم أن أم كلثوم غنَّت للحب المُحرَّم، ولكأس الندامى، وللهجر، وللوصل، وللحرمان، وللعشق، وللنوى، وللصبابة، إلا أنه لم يجرؤ الكثير من شيوخ مصر على مهاجمتها ورميها بالفسوق والخروج عن تعاليم الدين، وذلك بفضل أن (أم الهول)، لم تسفَّ، ولم تنزل إلى مستوى السوقية، والرخص الحالي في الأغاني العربية الجديدة، والتي وإن كانت - هذه الأغاني الجديدة - قد أدَّت خدمة جيدة، عندما صرفت بعض الشباب العربي عن الانتحار الإرهابي، وصرفتهم عن الجنس الآخروي السماوي المتخيّل إلى الجنس الدنيوي الأرضي، ومن وهم مضاجعة الحور العين، إلى واقع حسناوات الدنيا.

تجارب جديرة بالدرس
إن الليبراليين مدعوون الى دراسة التجربة الكلثومية والفيروزية وتجربة طه حسين وغيره من المفكرين والأدباء الليبراليين، الذين استطاعوا كسب جانب عريض من الجمهور والمتلقين، وكانوا سبباً في زراعة فسائل الليبرالية المختلفة هنا وهناك.
فانغلاق الليبراليين على أنفسهم على النحو الذي نراه الآن، وانكماشهم، وعزوفهم عن الاستفادة من أهمية الصحافة (صلاة الصبح) كما أطلق عليها هيجل، وتعاليهم عن التواصل مع الشارع - رغم غبائه وجهله - بحذق، ومهارة، وحرفية، وسلاسة، قد أنزل بهم الكثير من الخسائر، والهزائم، والخطوات المتراجعة.
لقد اتضح، أن الاكتفاء بالوقوف على منابر الندوات، والملتقيات الخاصة، والهمس في الصالونات الأدبية، والكتابة في المواقع المتخصصة جداً، وفي المجلات الدورية المتخصصة، غير كاف لتقدم الليبرالية في العالم العربي، التي تنتظر الآن قائداً سياسياً شجاعاً كالخليفة المأمون، والإمبراطور فريدريك الثاني ملك بروسيا (ألمانيا الحالية)، وكمال أتاتورك، والحبيب بورقيبة، ليأخذ بيدها، ويتقدم بها الصفوف. فالقرار الليبرالي في انتصاره واندحاره قرار سياسي. ولنا ما جرى من قتل للمعتزلة على يد الخليفة العباسي المتوكل (846-862م)، وإقصاء لابن رشد على يد الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور (1184-1198م) خير مثال.
السلام عليكم.