كان واضحا منذ بداية التغيير الستراتيجي الكبير في العراق و منطقة الخليج العربي مطلع الألفية الثالثة بأن المنتصر و المستفيد الأكبر من كل جولات الدم الدموية التي تمت في المنطقة بأسلحة الرعب و الصدمة و الإبادة الجماعية لم تكن شعوب المنطقة ولا تلك التيارات الشعبية الواسعة فيها المتطلعة للحرية و التواصل و الإنفتاح و السلام، بل كان المنتصر طرفا آخر تتناقض طروحاته و تصرفاته مع كل الأهداف سالفة الذكر، إنه النظام الإيراني القمعي الذي تميز بستراتجيته الخاصة المعتمدة على الصبر الطويل و الشديد و إقتناص الفرص من خلال الإستفادة الجمة و المطلقة من تحالفات الماضي السياسية و الطائفية و تجييرها لأهداف مستقبلية و بشكل أثبت جليا مدى القدرة الإيرانية التامة على المناورة و إدارة ملفات الصراع الإقليمي المحتدم و التمكن الفاعل من إدارة اللعبة بإقتدار وحرفنة، لقد سقط العراق بكل إرثه الحضاري و القومي و السياسي في الشباك الإيرانية المنسوجة بصبر فارسي عجيب، و تمكن الإيرانيون من إجتياح آخر المعاقل العربية المشرقية التي يمكنها الحد من توسيع مجالهم الحيوي، وحولوا العراق لملحقية تافهة تابعة لحدائق الولي الإيراني الفقيه الذي يقرر أمرا بصيغة ( كن.. فيكون )! لتتحول أوامره لملف مقدس واجب التنفيذ؟؟، لقد إستطاع الطائفيون و جنود الولي الفقيه السريون و أهل الولاء و الإرتباط التاريخي من فرض منطقهم و تنفيذ أجندة أسيادهم من خلال إستغلال الثغرات الخطيرة في توجهات الجموع الشعبية العراقية الهائلة من الأميين و الذين لا يمتلكون حصافة تقدر الموقف بل تقودهم عواطفهم البدائية و البسيطة نحو نهايات كارثية، فتمكن النظام الإيراني من فرض أجندته في العراق و الضغط على حلفائه الأقدمين و المحدثين و سحب البساط من تحت أقدام القوة الوطنية المستقلة و الليبرالية و الحضارية هو بمثابة إنتصار ستراتيجي إيراني مجيد، وتكريم و مكافأة لا نظير لها للإرهابيين الذين روعوا الشارع العراقي بميليشياتهم وعصاباتهم الطائفية و بحموع القتلة و المجرمين و الرعاع الذين ضمتهم صفوف ما يسمى بالتيار الصدري الفوضوي المتخلف صاحب الرؤية الخرافية و المتخلفة الذين يقودهم شخص لا يمتلك الأهلية و لا المسؤولية ولا المقدرة وإرتبط إسمه بأول جريمة دموية شنيعة جاءت مع مطلع الإحتلال الأمريكي وهي جريمة مقتل السيد عبد المجيد الخوئي وجمعا من مرافقيه في الحرم العلوي في النجف يوم التاسع من إبريل 2003. وهي الجريمة التي سكت عنها القضاء العراقي بالكامل نتيجة للموازنات الطائفية المريضة رغم أن القتيل و القاتل هما من طرف طائفي واحد و لكنه التخاذل و السفه و الضعف الشديد في إدارة الدولة التي لا تمتلك من مواصفات الدولة الحضارية الحية القابلة للحياة أي شيء. لقد كوفيء المجرمون ببلاهة غريبة وسلموهم المناصب الوزارية بحيث حولوا الوزارات بتحلفهم المريع لحظائر! و أنتجوا أجيالا هائلة من الفاسدين و اللصوص و القتلة الدمويين وروعوا الشارع العراقي برؤاهم الميتافيزيقية المتخلفة، وحولوا مدن العراق لمزابل حية و مارسوا كل الجرائم التي أضطر نوري المالكي نفسه لتجريد حملته العسكرية في فبراير 2008 و المعروفة بحملة ( صولة الفرسان ) في البصرة ومدن الجنوب والتي إستطاعت جزئيا تطهير المدينة من أدران أولئك و إعتقال رموز القتل والإرهاب الطائفي من أمثال زعيم عصابة ( ثأر الله ) و ( بقية الله )!! وبقية أتباع تلك التجمعات الخرافية المتخلفة، وهرب القائد العظيم ( مقتدى الصدر ) بعد طول تخفي عن الأنظار ليظهر ( طالبا مطيعا ) في مدينة ( قم ) الإيرانية وهو الذي صدع الدنيا بالحديث عن الحوزة الناطقة و عن ضرورة إبراز المرجعية الوطنية فإذا به يتحول لنظام الولي الإيراني الفقيه، وليتحول جيش المهدي لتشكيلة أخرى من تشكيلات الإرهاب المتجدد وهو تنظيم (عصائب أهل الحق )!! الممول بالكامل من حرس الثورة الإيراني. ثم جاءت الطامة الكبرى بعد الإنتخابات البرلمانية الأخيرة والتي جرت يوم السابع من آذار 2010 والتي توقعنا منذ البداية بأن نتائجها ستكون وخيمة وهو فعلا ما حصل إذ دخل العراق في أزمة فراغ سياسي كبيرة جدا إستمرت لسبعة شهور دون القدرة على حسم الطرف الذي بإمكانه تشكيل الحكومة والتي إن شكلت فلن يكون بإستطاعتها حل مشاكل العراق لكونها حكومة ترقيعية وشكلية و مظهرية فقط تمارس تحت أغطيتها كل عمليات السلب والنهب و السمسرة وتدمير العراق، فالفاشلون لا يقدمون شيئا، والأحزاب السائدة في العراق هي في النهاية تجمعات عصابية وطائفية فاشلة لاقيمة حقيقية لها أبدا ولا مقدرة لها على حسم النزاعات أو إدارة الملفات الوطنية المتراكمة، فمثلا دب الإنشقاق في أهم المكونات المعروفة وهو تنظيم ( المجلس الأعلى ) بقيادة السيد عمار الحكيم وحيث إندلع صراع شرس في النجف بين إمام جمعتها صدر الدين القبانجي وعائلته وهو من رموز المجلس وبين محافظها السيد عدنان الزرفي على خلفية قيام قوات ألأمن بملاحقة مقربين من القبانجي لكونهم يقفون خلف تنظيم عصابي يمارس القتل بذريعة التحلص من البعثيين دون اللجوء للقضاء!! فيما يرد القبانجي على الزرفي بكونه من البعثيين!!
وفي الوقت الذي يتزايد فيه الصراع على هوية وإسم رئيس الحكومة العراقية القادمة يلتف بعض المجلسيين ومنهم زعيم ( بدر ) هادي العامري حول غريمهم السابق نوري المالكي و يتمردون على خيار المجلس بترشيح عادل عبد المهدي و يناوئون بشكل واضح إرادة السيد عمار الحكيم الحائر اليوم في المعمعة العراقية كحيرة جده الإمام ( الحسن بن علي بن أبي طالب ) عليه السلام أمام أهل العراق وهو يقاوم المد الأموي الذي إجتاح حصونه من الداخل وتركه وحيدا لا ناصر ولا معين، ففي الشقاق و النفاق في العراق التاريخ يعيد نفسه بصورة درامية زاعقة قريبة من المأساة الإغريقية المعروفة... بتحالف الصدريين و الدعويين وإطلاق سراح القتلة و المجرمين كثمن لولادة الحكومة العراقية المعينة من طهران فإن العراق والخليج العربي و الشرق الأوسط عموما أمام مرحلة مظلمة قادمة ستكون الفوضى فيها سيدة الموقف... وهو الهدف المطلوب إيرانيا و..أمريكيا أيضا... وعيش وشوف...؟
- آخر تحديث :






التعليقات