لطالما تم ربط التدهور الأمني في العراق بتأخر تشكيل الحكومة الذي استمر منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية في شهر آذار/ مارس 2010، وحتى ألان (الأيام الأخيرة من شهر أيلول/سبتمبر)، ما يعني أن هناك جهات داخلية تدير أجندة تعمل كرد فعل على كل من الفراغ السياسي، وشكل الحكومة الذي نعني به هنا (انتماءها الحزبي، الطائفي، العرقي وما إلى ذلك، أو فيما إذا كانت حكومة وحدة وطنية تظم غالبية الكتل السياسية المؤثرة). وهو ما يعني أيضا أن مثل هذه الجهات المثيرة لزعزعة الاستقرار ترتبط على الأرجح بجهات خارجية وتحديدا دول الجوار الإقليمي للبلد. (1 )
إن الخارطة السياسية الحزبية العراقية تكاد تكون مفصلة على توجهات دول الجوار بقصد أو دونه. وهذه مفارقة أخرى من مفارقات الواقع العراقي. فالترسيمة الطائفية والعرقية والقومية للأحزاب العراقية ترتبط بصورة أو أخرى بدول الجوار.
لقد افرز التقدم البطئ نحو تشكيل الحكومة حتى الآن منافسين اثنين فقط هما رئيس الحكومة المنتهية ولايته quot;نوري المالكيquot; زعيم كتلة quot;دولة القانونquot;، وإياد علاوي زعيم كتلة quot;العراقيةquot;.
لقد قطع المالكي شوطا كبيرا في التجديد لولاية ثانية على سدة الحكم في العراق، وذلك بعد أن اجتاز حاجز الترشيح عن كتلة التحالف الوطني العراقي المشكلة داخل البرلمان، وذلك من خلال الجلسة التي شهدت مقاطعة المجلس الأعلى وحزب الفضيلة، وكان المفاجئ فيها أن التيار الصدري قد ساند ترشيح المالكي. ويبدو أن الصدريين قد حصلوا على تعهدات من المالكي بتلبية مطالبهم المتمثلة بإطلاق سراح سجنائهم، وتسلمهم لعدد من الوزارات المهمة في الحكومة القادمة. كما يتوقع أنهم قد خضعوا إلى ضغوط من الجانب الإيراني الذي اقتنع بالمالكي كأنسب المتنافسين.
كانت رغبة القائمة العراقية أن يكون شخص آخر غير المالكي فيما لو خسروا quot;المعركةquot;، كعادل عبدالمهدي مثلا. وقد أكد ذلك القيادي في القائمة العراقية حسن العلوي الذي قال quot;توجد رغبة سنية (على الأقل داخل القائمة العراقية) للقبول بمرشح الائتلاف الوطني عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء. كما يعتقد العلوي أن انتخاب المهدي كبديل للمالكي quot; سيوفر فرصاً أمنية بشكل أفضلquot;. (2 ) ولكن من الصعب الآن العودة إلى الوراء، حيث أن تحالف العراقية والمجلس والفضيلة لا يكفي لتشكيل الحكومة.
يبدو أن الطريق إلى رئاسة الوزراء قد بات ممهدة أكثر للمالكي، وذلك بحساب الربح الذي حققه في الجولة الأخيرة في التنافس على ممثل التحالف الوطني لتسمية مرشح رئاسة الوزراء. يضاف له ما يمكن أن يكسبه من تحالف مع كل من جبهة التوافق وقائمة وحدة العراق. ومع أن مجموع كل هذه المقاعد لا يحقق الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، ما يعني أن كتلة القوائم الكوردستانية تبقى هي الفيصل في حسم هذا الصراع وستميل الكفة حيث تميل هذه الكتلة. والمعطيات تشير إلى أن الكتلة الكوردستانية تعتبر أكثر قربا من المالكي، بحكم تجربة المرحلة الماضية رغم ما شابها من عثرات في علاقات الطرفين. الشئ المؤثر في ميل الأكراد إلى المالكي أكثر منه إلى علاوي، هو وجود عدد كبير من أعضاء قائمة العراقية يعارضون بشدة الشروط التي يضعها الأكراد لتحالفاتهم، وهو ما يعني أن القرارات والمشاريع التي تطرح في البرلمان سوف تمر عبر نقاشات وتصويت الأعضاء ما يعني تأثرها بمواقف هؤلاء وغيرهم. وان تعارض وتنوع المواقف في قائمة علاوي يجعلها عرضة للتفكك، بمعنى أن أي تحالف معه ومع قائمته سوف يكون هشا، وذلك عكس جانب المالكي.
إن احتمال تشكيل الحكومة الجديدة من قبل المالكي سوف يثير أطرافا خارجية لا تريد أن يكون المالكي من جديد على رأس الحكومة العراقية، وهذه الأطراف تحديدا هي العربية السعودية وسوريا. رغم أن المالكي قد فتح قنوات اتصال وتفاهمات مع سوريا، في محاولة لطمأنة quot;الجبهة العربيةquot;، وذلك من خلال إرسال وفد يمثل كتلته إلى سوريا حيث التقى الرئيس السوري. هذه الجهود إضافة إلى تأثير الموقفين الإيراني والأميركي quot;غير المعترضينquot; إن لم نقل المساندين للمالكي هي ما أفرزت موقفا سوريا لا يعارض ترشيح المالكي، ويعتبر أن مسألة تشكيل الحكومة العراقية شأن، داخلي. وهذا الموقف يشابه من حيث العنوان quot;موقف العربية السعوديةquot; التي نفت شائعة ترحيب الملك عبدالله شخصيا بترشيح المالكي.
إن تشكيل المالكي للحكومة القادمة يشي بتكرار سيناريو المرحلة المنصرمة من حكمه فيما يتعلق بالعلاقات مع دول الجوار العربي خاصة، الأمر الذي يعني احتمال استمرار العنف في العراق بصورة أو أخرى. يضاف إلى ذلك احتمال استمرار المقاطعة الدبلوماسية لهاتين الدولتين وبعض الدول العربية الأخرى التي تأخذ بنظر الاعتبار موقفيهما. رغم أن سوريا قد أبدت استعدادها لإعادة إرسال سفيرها إلى العراق، لكن ذلك يبقى قلقا وهشا. من جانب السعودية فان أهم ما يعيب العلاقات بين البلدين هو مقاطعتها للمالكي وحكومته، إضافة إلى إشكالية فوضى الفتاوي التي تشمل تكفير الشيعة والحث على الجهاد ضد الاحتلال والشيعة (3 ) وحتى ضد من يسيرون بركب العملية السياسية من السنة. علما أن الحكومة السعودية قد انتبهت متأخرا إلى إصدار قرار ملكي يحصر الفتاوي في شخص مفتي المملكة فقط، ولعل من دوافع ذلك سد الباب على أشخاص أصدروا فتاوي غريبة منها هدم الحرم المكي وإعادة بنائه بما يضمن الفصل بين الجنسين، وفتوى رضاع الكبير وما إلى ذلك.
أما في حالة أن يشكل زعيم القائمة العراقية إياد علاوي الحكومة الجديدة، فهذا يعني فك العزلة العربية عن العراق، ومزيدا من الانفتاح والدعم من قبل العربية السعودية وسوريا ومعظم بلدان العالم العربي، لاعتبارات تتعلق بإشراك السنة بالعملية السياسية، على أساس أن إياد علاوي يرأس قائمة تحظى بشعبية كبيرة لدى الأوساط السنية العربية في العراق رغم أنه (علاوي) رجل شيعي علماني. بمقابل النظرة إلى نوري المالكي على أنه يمثل كتلة شيعية بحت، إضافة إلى التزامه الديني بمقابل علمانية علاوي. كذلك فإن ترؤس إياد علاوي للحكومة العراقية المقبلة سوف يحظى بارتياح ودعم أميركي أكبر من غيره نتيجة لأنه مقرب أكثر من أميركا والغرب أولا، وثانيا، لاحتمال أن حدة التوتر الطائفي والعنف الداخلي في العراق سوف تنتهي أو تنخفض إلى حد كبير على أساس رضى الأوساط السنية عليه، ما يحد من نشاط التنظيمات الإرهابية ومنها القاعدة. وهو بالنتيجة يؤدي إلى سلاسة اكتمال انسحاب القوات الأميركية ونجاح مشروعها ألتغييري في العراق.
تركيا من جانبها يريحها قيادة إياد علاوي للحكومة المقبلة على اعتبار بحثها عن نفس أسباب الاستقرار الأمني والذي يشجعها على البحث عن المزيد من فرص الاستثمار في هذا البلد من جهة، ومن جهة أخرى قد يكبح شيئا من جماح الأكراد العراقيين الذين يعانون من وجود أصوات في قائمة علاوي معادية لطموحاتهم السياسية ومطالبهم في كركوك والمناطق المتنازع عليها. كما تأمل تركيا بحكومة مركزية قوية قد تحسم قضية عناصر حزب العمال الكوردستاني التركي الذين يتخذون من شمال العراق قواعدا لهم للضرب في الداخل التركي.
بالنتيجة فإنه في حالة أن يقوم إياد علاوي بتشكيل الحكومة المقبلة سوف يأتي بثمار تقدم أفضل في مجال تحقيق الأمن نتيجة دعم دول الجوار العربي له من خلال ضبط حدودها والتعاون ألاستخباري وضبط المعارضين العراقيين لديها (سوريا خاصة حيث تأوي عددا كبيرا من القيادات البعثية)، ودعم اقتصادي (السعودية ودول الخليج العربية)، واحتمال إسقاط كامل أو بعض ديون هذه الدول على العراق. كما أن هناك مصلحة تربط كل هذه الدول وهي أملها بأن يقوض أياد علاوي نفوذ إيران في العراق. الشيء المؤمل أيضا اليأس الذي خلقه تأخر تشكيل الحكومة، يدفع بعامة المواطنين (غير المسيسيين) إلى تقبل الشخص القادم حتى لو جاء عكس رغباتهم الانتخابية. كما أن المرجعية الدينية النافذة في النجف تحاول إثبات حياديتها وعدم تدخلها في الخيارات السياسية، ولهذا من المتوقع أن تبارك لأي كان، يتم اختياره من قبل البرلمان العراقي ليقود الحكومة القادمة.
يبقى احتمال مرجح أن تلعب إيران دورا سلبيا في العراق يتعلق باستقرار الأوضاع أو بعث معارضة قوية داخلية لإياد علاوي، سوى على صعيد استثارة المعارضة البرلمانية أو الحركات المسلحة التي تدور في فلكها وتلقى التمويل والتدريب منها وهي متواجدة في مناطق الجنوب العراقي، على أقل تقدير تمارس دور quot;الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرquot; في أحيان كثيرة أو تلعب دور المعارضة المسلحة للقوات الأجنبية.
الخلاصة أن احتمال تحسن الوضع الأمني في العراق مرتبط بشكل الحكومة المقبلة التي طال انتظار تشكيلها. ونحدد هنا ردود أفعال دول الجوار من ناحية مدى توافق تلك الحكومة مع توجهات ومصالح كل منها في العراق. وبناء عليه يمكن أن نرى مدى الدعم أو المقاطعة لتلك الحكومة أو ما هو ابعد من ذلك مما ينعكس سلبا على الجانب الأمني.

هوامش:
1 لعل هناك من القادة السياسيين العراقيين من يدرك هذا الأمر، ومنهم من صرح به بوضوح، وهو د. عادل عبدالمهدي، حيث قال quot; أن الوضع الأمني يرتبط ارتباط مباشر بالوضع السياسي ,ومعظم المشكلة الأمنية هي سياسية سواء ارتباطها بالوضع السابق أو ارتباطها بالإرهاب....quot;: (
http://www.khabaar.com/news.php?action=viewamp;id=12017)
2
http://news.maktoob.com/article/5690728/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%22%D8%B1%D8%BA%D8%A8%D8%A9%22
ويؤكد هذه الرغبة في حالة عدم تمكنهم (العراقية) من تشكيل الحكومة العديد من قياديي القائمة ، منهم مثلا محمد علاوي، (
http://ar.aswataliraq.info/?p=244658) وأسامة النجفي (http://www.aliwaa.com/Default.aspx?NewsID=198077)، وغيرهم.
3 ليس آخرها بيان تكفير الشيعة لمجموعة من ابرز quot;علماءquot; السعودية قبل سنتين:
http://www.kavkazcenter.com/arab/content/2008/06/28/7497.shtml
أيضا اطلع على ما كتبته الكاتبة السعودية quot;مرام عبدالرحمن مكاوي من انتقاد شديد للعداء المعلن من بعض أئمة المساجد في جدة مثلا ضد الشيعة. رابط المقال:
http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=2108

حميد الهاشمي، أكاديمي، باحث في علم الاجتماع، لندن:

[email protected]