قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أسئلة ملحة عن نوح، ليس القصد منها نوح، بقدر طرق التداخل المعرفية من أجل الوصول إلى الحقائق، بكلمة أدق محاولة الوصول إلى درب الحقيقة؟
والنموذج الذي بين يدي طريقتين منفصلتين للوصول إلى الحقيقة مجسدة في قصة نوح والطوفان؛ الطريقة الأولى هي توليد الحقائق من الألفاظ، والثانية الوصول إلى درك الحقائق من البحث في الأرض والتاريخ والوقائع.
نموذج هذا ماطرحته أنا عن قصة نوح والأبحاث الأركيولوجية، والثانية الطريقة اللغوية التي اعتمدها محمد شحرور في كتابه (الكتاب والقرآن) من تفكيك النص القرآني، وبناء الحقائق من اللغة؟
والآن إلى المعمل والعمليات فمتى حدث الطوفان؟ وأين حدث الطوفان؟ هل فعلا عم الكرة الأرضية كلها؟ هل من دلائل آركيولوجية وأنثروبولوجية وبالينتولوجية عن ظروف حدوث مثل هذا الطوفان الذي لم يبق ويذر؟
هل من المعقول أن نوحا حمل على سفينة متواضعة، ربما أصغر من سفن كولومبوس حيوانات الأرض جميعا؟
لماذا حدث الطوفان وماهي دلالته التاريخية؟
متى عاش نوح أنثروبولوجيا وكيف عاش أكثر من ألف سنة؟
ثم ماهي طبيعة الصراع الذي نشب بينه والمجتمع المحيط به؟
كل هذه الأسئلة أضعها تحت المجهر ليس فقط من أجل القصة؟ بل من أجل المناهج المعرفية للوصول إلى الحقيقة.
أقول هذا لأنني منذ زمن اطلعت على كتاب الشحرور (الكتاب والقرآن) حين تعرض لموضوع القصص القرآني، وكيفية الدخول على الحدث التاريخي لتفكيكه؟
وهو مانسميه في علم الجراحة المدخل أو الأداة (Approach)، فالدخول لاستئصال الزائدة الدودية، تتم بمشرط وملقط ومبعِّد وخيط، ويتم الدخول عليها من شق مك برني (Mc Burney) وهي في الزاوية السفلية اليمنى من البطن.
كذلك الحال في الدخول على الانورزما الوعائية، فهذه تحتاج ما ذكرنا بالإضافة إلى وسائل تشخيصية معقدة، وجرافت أي شرايين صناعية.
وحين ذهبت إلى الدمام اجتمعت بأخوة أفاضل، تناقشنا فيها حول مداخل المناهج للوصول إلى الحقيقة، أو لنقل بكلمة أدق محاولة الاقتراب من الحقيقة.
أنا أعرف الشحرور، وهو رجل فاضل مجتهد، ولكن كما كان أرسطو يقول إن أفلاطون عزيز علي ولكن الحقيقة هي أعز على قلبي من أفلاطون!.
ولأن الشحرور الشامي لم يعد نكرة، بل يؤسس لفكره هنا وهناك، ويخرج على الفضائيات من حين لآخر، بل من ذهب إلى اعتباره أنه المجتهد 14 وأنه صاحب المذهب السادس الجديد؟
وسمعت أنه طُلِب من الكونجرس الأمريكي لشرح رسالته، كما أن الاستخبارات السورية رأت فيه منافسا ممتازا للأصوليين الذين يناجزونهم بقوة السلاح، فيأتي ضمن اللعبة السياسية إن شاء أو أبى، من حيث علم أو جهل.
والمهم فالمدخل الذي دخله الشحرور على قصة نوح ينتهي فيها إلى أمور لطيفة، وكثير من (الخرابيط) يتعجب منها الإنسان كيف وصل إليها هذا الرجل الذكي، ولكن كما يقول ديكارت أن أعظم النفوس يمكن أن ترتكب أفظع الرذائل فليس من أحد محصن؟ والموضوع كما يقول ديكارت إنه لايدور حول ذكاء وغباء، بل كيف نوجه عقولنا، ومنه وضع هندسته العقلية بعنوان (المقال على المنهج)، وقال أنه مفيد حتى للأتراك؟
فلنبدأ أولا بالأشياء الجيدة، ونحن معه في هذا.
نوح تاريخيا يأتي في الوسط تماما، بين آدم أبو الأنبياء (يقول شحرور أن آدم لم يوحي إليه؟) وبين الرسل الذين جاؤوا في عصر الكتابة، ولكن الشحرور و(باللعب على الألفاظ) خرج بمفهوم يقول أن نوح عاش أيام الكهوف، أي قبل ثلاثين ألف سنة، وربما عاصر إنسان نياندرتال (اختفى في هذا الوقت بين 30 ـ 35 ألف سنة)، ولكن كيف يمكن الحكم على هذه الفترة التاريخية ومن أين الأدلة؟ ولكن الشحرور سيد السيرك يخرج من القبعات السوداء أرانب بيضاء، ويلعب بالألفاظ مثل الروليت ليستخرج ما يريد؟ فيضربن بأرجلهن يعني الستربتيز ؟! ويمكن لحمو المرأة أن يراها عارية تماما كما خلقها ربها؟ وغض البصر لايعني غض البصر بل يمكن أن يبحلق؟ (الغض من الغضاضة الطراوة؟)..
إن أخذ عينات من مفكر وكتاب أمر جيد، كما في أخذ عينة دم بسيطة من مريض مصاب بالتهاب كبد وبائي من نوع سي (Hepatitis )
نحن معه في أن نوح بسفينة متواضعة، لم يكن بمقدوره أن يحمل كل حيوانات العالم، بمن فيهم الدب القطبي والكنجارو الأسترالي واللاما من جبال الأنديز؟
إن مفتاح الحقائق مرة أخرى ليس الألفاظ، بل البحث في الأرض والآثار، في حين أن الشحرور يرجم بالغيب!
فكيف يمكن أن يقرر أنه في عهد نوح لم يكن ثة من صلاة وصيام وزكاة ولا أي شكل من أشكال العبادات؟
وكيف له أن يقرر أنه كان في مجتمع ليس فيه نقد وعملة ؟ وأنه عاش في منطقة منخفضة محاطة بالجبال، ولعله أي الشحرور معه صور ديجتال عن المنطقة التي عاش فيها نوح؟
وهذه الطريقة هي الفارق بين لعبة اللغة، ومسيرة الفلسفة الوضعية المنطقية، وبتعبير القرآن، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي أنطق كل شيء.
إن كل مستوى وكائن له طريقة خاصة في التعبير والحديث، سواء الجلود أو لحاء الشجر، أو طبقات الأرض التكتونية، ويدخل في هذا قصة نوح وأين يمكن العثور عليها؟
وحين يتحدث القرآن عن ريح عاد، يقول ماتذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، فلا يعقل أن يكون تأثير الريح، أشد من الريح النووية العاتية، التي ثبت أن عقارب الصحراء الجزائرية لم تتأثر بها وخرجت تلعب؟ وهذا يفتح عيوننا مرة أخرى على مشكلة اللغة وعيوبها كما قالت بذلك مدرسة البرمجة من العيوب القاتلة الثلاث؛ عن عدم الدقة والتضخيم والنقص.
نحن معه أيضا في قصة غمر المياه أنها لم تكن لكل الأرض، بل كانت محدودة في بقعة معينة، ولكن أين؟ فهذا هو السؤال الذي لايمكن فكه باللعب بالكلمات، كما خرج بذلك الشحرور أنها منطقة منخفضة من الأرض مطوقة بالجبال، ومن يجيب على مثل هذا السؤال ليس اللغة بل البحث الأريكيولوجي في طبقات الأرض، وهو ما أعلنته بعثة علمية درست الأرض والبحر الأسود، لتخرج بنظرية متواضعة، تقرب إلينا القصة القرآنية، وهي يمكن أن تكون صحيحة، وأين وقعت؟
وهل كانت المياه بهذا الجبروت، خلاف ماقاله الشحرور أن الأمواج لم تكن عاتية بل كانت أمواجا عادية، ولكن شكلها كان مقوسا، مثل ظهر الموجة لا أكثر، وهو شيئ يثير الضحك فعلا؟
والآن طالما كان نوح من نوع (ماقبل تاريخي Prehistorically) أي قبل عصر الكتابة، فنتوقع أن الطوفان حدث مع بدايات الثورة الزراعية، أي عميقا في الزمن أكثر من ستة آلاف سنة، وهو موعد البشرية مع الحصاد والزراعة وبداية الجتمع الثقافي.
وهو ما أعلنه البحث الأركيولوجي أن الطوفان ربما حدث قبل 7500 سنة وبقوة عارمة اكثر مما صورها القرآن والعهد القديم.
والقرآن حين يتحدث عن صحف إبراهيم وموسى، فهو يؤرخ لبروز الرسالات العظمى، بعد زمن اختراع الكتابة، (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى)، فإبراهيم عليه السلام خرج في حدود قبل 4000 سنة، وموسى قبل حوالي 3500 سنة، وهي الفترة التي تلت اختراع الكتابة قبل 5000 سنة، وهذا صحيح من دراسة التاريخ واللغات وعلم الفيلولوجيا، وليس من خلال اللعب بالكلمات، بل الرجوع إلى التاريخ الذي بدأ مع اختراع الكتابة، فنحن عرفنا من مكتبة نبوخذ نصر التي كشفها هنري ليارد في نينوى (الموصل) عن 25 ألف لوح مكتوب باللغة المسمارية، حقيقة ماجرى في تلك الأيام، ليس كذب الملوك بل فكرة ماذا كان يحدث؟ من وجهة نظر من كتب؟
والعثور على قطعة نقد معدنية لاعلاقة لها برشوة وصدقة، بل تؤرخ حقبة تاريخية أن هذا النقد كان موجودا.
وينطبق هذا أيضا على الكتابة الهيروغليفية، ولغة المايا لولا حماقة الأسبان في تدمير آثارهم فلم يحل لغزها حتى اليوم.
ثم نأتي إلى بعض الإفكار العجيبة في قصة نوح عند الشحرور حين يختار طريق اللعب بالكلمات، وهي قصة قديمة شرحها الفيلسوف النمساوي (فيتجنشتاين Wittgenstein) أنها لاتوصل إلى الحقائق قط.
وهنا وفي هذه النقطة يشتد النزاع جدا حول المناهج المعرفية للوصول إلى الحقائق، وتكلم ابن خلدون أيضا عن هذا الجدل بين اللفظ والمعنى والحقيقة، وقال أنه عند الاختلاف، يجب تطليق الألفاظ، والتخلص منها والحج إلى شمس المعنى وقنصه ثم إلباسه اللفظ المناسب.
وكلمة شجرة تاخذ قوالب وألبسة لانهائية من الألفاظ (شجرة بالعربي ـ باوم Baumبالألماني ـ تري Tree بالإنجليزية)
والغزالي نبه جدا إلى هذه الورطة، التي وقع فيها الشحرور الشامي حين أراد الوصول إلى الحقائق من الألفاظ؟ فقال أي الغزالي القديم في كتابه المستصفى من أصول الفقه:
quot;اعلم أن من أراد الوصول إلى المعاني عن طريق الألفاظ ضاع وهلك، وكان مثله مثل من يريد المغرب وهو يستدبره، ومن قرر المعاني أولا ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد نجاquot;.
وشرح هذه القاعدة الهامة، أن البشر حين يتنازعون حول الألفاظ لايصلون قط إلى نتيجة، ومن الضروري التخلي عن الألفاظ، والتفاهم حول المعاني وماذا نريد تماما؟ وحين نتفق على المعنى نعمد إلى اللباس المناسب من الألفاظ فنخلعه عليه، ولذا استخدم القرآن لفظ الغائط وهو بالأصل ليس البراز العضوي، بل المنخفض من الأرض، وكذلك الحال في كلمة الوضوء الذي يعني بالأصل الطهارة فتحول إلى آلية محددة لاستعمال الماء قبل الصلاة.
ولكن مع الوقت وبالاستعمال يتحول الغائط إلى المعنى العضوي، وأذكر جيدا من الدكتور (سبح) في كلية الطب كيف كان يقول: مهجور مستعمل خير من معلوم غير مستعمل، ويقصد بهذا أن الكلمات هي صناعتنا، ونحن من نسعملها ونعطيها المعنى والوظيفة.
ومن المؤسف أن اللغة هي قناة التفاهم، وبدونها ليس من تفاهم، ودخلت البرمجة اللغوية العصبية على الخط لتقول لنا؛ إن التواصل هو ثلاث أشكال الكلمات والصوت والسيمياء، بمعنى أن الكتابة تنقل 17% من المعنى، كما هو الحال في هذه الكتابة التي أنجزها حول مناهج البحث عن الحقائق، أما الصوت فيرفع النسبة إلى ربما 35 % ولكن الحضور الكامل وحركات اليدين والرأس والتخاطب المباشر قد يرفع مستوى نقل المعنى إلى حوالي 67 % ولم نصل بعد إلى 100% ..
ومنهج الشحرور هو من هذا المستوى المتردي جدا، خارج العلوم الإنسانية المساعدة من التاريخ والأركيولوجيا والأنثروبولوجيا والبالينوتولوجيا.
وربما في المستقبل قد يصل الجنس البشري إلى تفريغ معلومات الدماغ إلى الكمبيوتر بطريقة كهرطيسية سريعة؛ فيكسب مرتين الإفراغ الكلي والسريع والنقل بدون تزوير وخداع؟ أو هكذا نقول؟
والآن لنقف أمام بعض المزحات من كلام الشحرور وسنعتبره نوعا من الطرافة لتحلية البحث والابتسام معها؟ فما هي ؟؟
ابن نوح أولا ليس ابنه بل كان الأب النبي (ديوث) عفوا من التعبير يدخل الرجال على امرأته؛ فتحبل من أحدهم فيولد ابن نوح ولا يعلم نوح؟
كيف وصل شحرور إلى هذا المعنى قال ـ وباللعب في اللغة السحرية ـ أن الولد غير الابن؟؟ لنعتبرها مزحة لا أكثر!
لننتقل الان إلى نكتة سمجة أيضا ولنضحك قليلا؟
قال من حمل نوح في السفينة كان الكافرون والمؤمنون؟؟
بكلمة ثانية نسف كل المعنى الذي بدأ فيه نوح رحلته بتدمير كل بنية المجتمع الوثني فلا يترك على الأرض منهم ديارا.. عفوا .. عفوا إن نوح لم يدعو عليهم إلا بعد مسرحية الطوفان ؟؟ لماذا ؟؟ الجواب خاف من الانتقام ؟؟ عجيب إليس كذلك ..
إنها اللعب باللغة وهي لعبة رائعة يمكن أن نصل إلى أي شيئ فيها.. (راجع صفحة 675 حتى 690)..
فار التنور معناها حمم بركانية، ومن غرق منهم ساقهم الماء إلى فوهة البركان (كان شاهدا أنثروبولوجيا على ماحدث)، والبنين تعني البنيان وليس الذكور وقد يكون معناها البنان؟ وأرذل العمر لاتعني الشيخوخة بل التوقف عن العلم عند سن 25؟؟ وامرنا مترفيها تعني زادوا؟ والفرار لايعني الفرار بل خرق العرض؟ وجهارا لاتعني الجهر بل اللطف..
إن قصص الشحرور تذكرني بقصة الملا الكردي الذي كان يفسر نصا من الفقه، وينقله من العربية إلى الكردية..
يقول النص إذا وقعت الفأرة في السمن فخرجت حية يبقى السمن حلالا!
قال الملاالكردي للتلامذة بدقة إذا وقعت الفأرة في السمن فخرجت ثعباناً (انتبه لكلمة حية وحية)؟
يقف طالب نبيه فيسأل يا ملا كيف دخلت فأرة وخرجت ثعبانا؟
يصيح الملا به اسكت أيها الفاسق إنها قدرة القادر..
والشحرور عنده هذه القدرة من تحويل الفيران إلى ثعابين وديناصورات؟
ويبقى عمر نوح وهو الأمر الذي لم يخوض فيه الشحرور، وكان سيمتعنا جدا لووقف وقال؛ إن كلمة ألف سنة تعني مائة عام، وبالتالي فنوح عاش خمسين سنة، وهو متوقع من قصر العمر في تلك الأيام المحاطة بالحروب والمجاعات ونقص التغذية؟ وليس فتح البوابة كما فتحها العلم عن أسرار طول العمر بعد كشف الكود الوراثي عند الإنسان، فهذه لايمكن للغة أن تلعب فيها؟؟
عفوا يمكن للشحرور أن يغني مثل الشحارير فيخرج كل شيء من الأنغام؟
إن منهج الشحرور يمكن وبواسطة السحر اللغوي أن يفتح لنا ابوابا لانهاية لها من المسرحيات المسلية...
والآن إلى المنهج التاريخي الوقائعي، الذي يحاول فهم قصة نوح ومكانها في التاريخ، ومحاولة الإجابة على الأسئلة التي بدأنا فيها البحث خارج لعبة اللغة.. ومنها عمر نوح ..
القرآن والتاريخ:
لايوجد كتاب اعتنى بالتاريخ وسننه واعتبره مصدراً للمعرفة مثل القرآن، ولايوجد كتاب في تاريخ الجنس البشري أكد على مفهوم القانون وسنة الله في خلقه كما فعل القرآن، ولايوجد كتاب وقف عند حوادث تاريخية بعينها يتكيء عليها ويستفيد مثلما جاء في القرآن.
ولايوجد أمة لم تستفد من كل هذه الثروة العقلية كما فعل المسلمون، في استعصاء عقلي عنيد غير مفهوم وغير مبرر ولاعقلاني جداً، حرَّكها من خانة دول المقدمة والعظمى والمركزية، الى خانة دول التخلف والقاع والاتباع والمحيط والاطراف، في لغز يحتاج فك طلاسمه الى بحث تاريخي عقلاني موسع لاكتشاف بدايات الخلل.
ثلاث مفاهيم تأسيسية:
فهذه ثلاث مفاهيم تأسيسية في جدلية القرآن والتاريخ.
اعتبر القرآن أولاً التاريخ ليس مجرد حوادث تائهة طائشة عشوائية، لايضمها خيط، ولاينتظمها قانون، بل نظر الى التاريخ أنه تدفق وصيرورة، تمسك حركته مفاصل سننية، وتنير طريقه واتجاهه نواظم كونية غائية عظمى.
واعتبر القرآن ثانياً التاريخ مصدراً للمعرفة، تماماً مثل الطبيعة والنفس، فهذه الحقول الأولية هي كلمات الله الأساسية، والنسخة الأصلية من كلمات الله، التي لاتقبل التزوير والتحريف والتبديل والتأويل المضطرب، والتفسير اللاعقلاني، فصخرة أو جبل، شجرة أم نهر، هرم فرعوني أم سور الصين، نقش مسماري أم هيكل عظمي، أدل على نفسه بنفسه من أي نص كتب عنه، مهما كان مصدره.
وثالثاً وقف القرآن أمام أحداث تاريخية بعينها، يعتمدها كمقارنة؛ بين مايولد من بطون الأيام الحبالى، وما بين الحق الذي جاء به.
هذا العرض المقارن يفتح الطريق أمام علوم قرآنية قد قصَّر العالم الاسلامي حتى اليوم في تأسيسها، لإنه شخر عبر القرون، وانفك عن الواقع، فكما رسخت ورست واستوت علوم، من أمثال القراءات والتجويد والأحكام والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، فإن الطريق لم يعبد بعد أمام دراسات من طراز الدراسات التاريخية القرآنية المقارنة، التي سنشرح طرفاً من طبيعتها في نماذج قادمة.
وهكذا فإن ينابيع القرآن المعرفية لن تنضب في شق الطريق الى فضاءات معرفية متجددة.
التاريخ يتحرك وفق قوانين نوعية:
التاريخ إذاً يتحرك وفق قوانين نوعية، والتاريخ مصدر للمعرفة، والتاريخ دراسة مقارنة؛ فهذه محطات عقلية تأسيسية للمعرفة، ومفاتيح كبرى لحركة تجديد العقل الاسلامي، وإضاءة القرآن على نحو غير متوقع.
هذا التوجه في القرآن كمفتاح لبناء العقل السنني، وتوليد العقل الاستدلالي، وتهميش وتحييد الاسطوري والخارق والخلاب، ودخول الباب لفهم أحداث التاريخ وفق قوانين تحمل إمكانية وكمونية التكرار في سياق كوني منتظم، والإشارات القرآنية لإحداثٍ تشكل مفاتيح لفهم حركة التاريخ الانساني بانعطافاتها المصيرية، في مثل قصة يوسف في القرآن، والعصر الذي عاش فيه، ولماذا استخدم القرآن لفظ (الملك) ولم يستخدم لفظ (فرعون)(1) ومن مثل الهزيمة العسكرية الساحقة التي مني به الفرس، في مطلع الربع الأول من القرن السابع الميلادي، في سلسلة تطاحن عسكري، من نوع الحروب العالمية في العصر القديم، يجعلنا نفهم لماذا وفي هذا الوقت بالذات وفي هذا المكان بالتحديد، في فك أسرار التساؤلات العقلية الخمسة لماذا ؟ كيف ؟ متى ؟ أين ؟ ومن؟
الدقة في التقدير الميتافيزيقي التاريخي:
لماذا يبزغ عصر الاسلام في هذا الوقت والمكان على وجه الدقة؟ في تقدير ميتافيزيقي؛ يجلي التاريخ بعضاً من أسراره التاريخ بعد حين، فلو انبثق الاسلام قبل قرن من ولادته لعاصر قوى مختلفة وامبراطوريات متماسكة نسبياً.
لانستطيع أن نفهم شروق شمس الاسلام بدون فهم تاريخي (راداري) معمق، يعرف أن خروج الاسلام في هذه اللحظات التاريخية، سوف يواجه امبراطوريات محطمة واهنة، استنزفتها حروب مدمرة، فقام الاسلام يكنس بقايا حطام الامبراطوريتين في الشرق الأوسط، أكثر منه مواجهة هذه القوى.
لايمكن فهم مثل هذه الأمور بدون التشبع بالوعي التاريخي، وإن العرض الذي قام به المؤرخ البريطاني توينبي في كتابه تاريخ البشرية (2) يعطي تصورا عن الوضع، بحيث يمكن فهم دلالة الآية القرآنية (الله أعلم حيث يجعل رسالته)(3) فهذه التساؤلات تفتح الطريق لإدراك أنعطافات التاريخ المصيرية.
في مواجهة أعظم حضارة في العصر القديم:
وتشكل قصة موسى عليه السلام نموذجاً مختلفاً وهو يواجه أعظم حضارة في عصره؛ أمريكا العصر القديم، وهو واضح التصور ودقيق العبارات مع فرعون، أنه لايريد تغيير المجتمع المصري أو التبشير فيه، وكان يمكنه أن يفعل ذلك، فهو صاحب رسالة.
كانت كلماته واضحة وعباراته مقتضبة أن أرسل معي بني إسرائيل، ليس لإن سدس الشعب المصري، الذي هو كتلة الشعب العبراني، في أسفل قاع المجتمع يؤدي دور الآلة العضلية للإنجاز الحضاري بتنظيم عقلاني فرعوني.
أقول ليس لإن موسى عليه السلام يتوقع منه إذا خرج به من أرض مصر، سيكون ذلك الشعب وتلك الأمة التي يبني عليها الآمال.
إن موسى أوعى من أن يقع في مثل هذا الفخ، مع جيل اعتاد ضرب السياط على ظهره، وأخلاق العبودية.
إن هدف موسى لن يظهر واضحاً في مصر، بل سيكشف عنه النقاب بعد العبور، ومشاكله من صناعة عجل الذهب، والتعدي على هارون أخيه، وارتكاب الفواحش، والحنين الدائم لرائحة البصل والثوم المصري، فجهازهم الهضمي لم يتعود الطعام المريء الممتليء بالبروتين والعسل (المن السلوى) بل مازالت الأمعاء معتادة على الخضراوات المصرية مثل أخلاق الأرانب تماماً، كما لم ينفعهم، لاسيل المعجزات التسع في مصر، ولاتشقق الصخر في الصحراء فيخرج منه الماء، أو تحريك السحب والغمام تظللهم من حر شمس صحراوية لاهبة.
كان موسى ينتظر أن يدفن هذا الجيل في الصحراء، كي يخرج من ذراريهم خلال أربعين سنة جيل صحراوي جديد خشن، لايعرف الا لفح الشمس، والهواء الطلق، واليد العاملة، والحرية والكرامة، في نموذج جديد مختلف جداً عن جيل العبودية في مصر.
كان جيل العبور إذاً ليس الأمة التي أرادها موسى، بل كانت المادة الخام، التي سوف تفرز الجيل الجديد، الذي لن يعاصره موسى، بل يشهد تهيئته فقط، ليتحرك به يشوع باتجاه الأرض المقدسة.
وتبقى في النهاية قصة الطوفان الذي يدشن لأحداث كونية مفزعة من حجم جراحات مناخية لطوفان لايبقى ولايذر، وموت جماعي بالغرق لإمم كاملة، كي يحمل قبطان العالم الجديد النبي نوح عليه السلام، البذور الصالحة من بقايا العالم القديم المهدم، كي يبني عالماً جديداً مختلفاً.

هل الدُسر هي المسامير؟
استوقفتني في سورة القمر منذ فترة طويلة لفظة (دسر) فعندما كنت أشتغل بحفظ القرآن، أفادتني بعض كتب التفسير أنها المسامير المعدنية، فنوح عليه السلام نجار فهو يهيء السفينة لينجو من الغرق الأعظم، بألواح من خشب ومسامير وقار، ولكن المسامير تعني اكتشاف الحديد وتصنيعه، وهذه لم تعرفها الحضارة الفرعونية مثلاً إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، والتاريخ لايمدنا بأحداث كونية من هذا الحجم في الألف الأولى قبل الميلاد، فالحضارات التي تم إماطة اللثام عن بقايا جثثها، أظهرت الحضارة الفرعونية والسومرية وهي تسحب في عمق الزمن الى حوالي ستة آلاف سنة، أي الألف الرابعة قبل الميلاد، وبقايا الفراعنة لم تقدم لنا مادة في طوفان من حجم كوني ضرب الحضارة المصرية، ولكن ملاحم وأساطير بلاد الرافدين نقلت بشكل واضح ومكرر، عن ظاهرة طوفان كوني مريع من حجم فلكي حدث في المنطقة، فهل كان الطوفان ياترى فقط في منطقة محددة يجب التنقيب عن حدودها؟
ظهر هذا واضحاً في ملحمة جلجميش التي كشف النقاب عنها البحث الاركيولوجي من مكتبة نبوخذ نصر الآشوري، في بقايا مدينة نينوى، مدينة الموصل العراقية الحالية، حيث ظهرت مكتبة عملاقة صفحاتها ألواح من الطين قد حفر عليها مايشبه عمل المسامير، مما جعلها تأخذ لقب الكتابة المسمارية، المكتبة الآشورية هذه أشارت بشكل واضح الى طوفان أهلك الحرث والزرع والنسل، ولم يُبق على شيء في منطقة بلاد الرافدين.
كان عويل الرياح كأنه صراخ المرأة الحبلى وهي تضع:
منذ الألف الثالثة قبل الميلاد استقر في الوعي الجماعي الانساني قصة طوفان مهول عم المعمورة.
تم الكشف عن هذا في حفريات نينوى في منتصف القرن التاسع عشر، على يد شاب انجليزي اسمه اوستن هنري لايارد AUSTIN HENRY) LAYARD) كان في طريقه، في رحلة سياحية باتجاه سيلان عام 1839 م، فأثارت انتباهه حفائر نينوى (الموصل في شمال العراق الحالي) مما جعله يصل لاحقاً الى الكشف عن تراث أدبي حافل من مكتبة الملك (نبوخذ نصر) باللغة الآشورية، فيها إشارة الى قصة الطوفان، وكان (هنري رولنسون) الذي كان يعمل ملحقاً عسكريا في السفارة البريطانية في إيران، ثم المقيمية البريطانية في بغداد لاحقاً، قد فك أسرار اللغة الفارسية القديمة من النقوشات التي حفرها الملك الفارسي (دارا الأول) على حجر (بهستون) في كرمان شاه، ويشبه كشف حجر رشيد في إثارته وأهميته، الذي فك ألغازه (شامبليون) الفرنسي في جهد استغرق عشرين عاماً، واخترق الحضارة الفرعونية فأنطقها وبعثها الى الحياة تروي سحر القرون.
رولنسون فعل نفس الشيء مع حجر دارا بجهد استغرق اثني عشر عاماً، اضطره أحياناً أن يشد نفسه بالحبال ويتدلى مثل القرود على ارتفاع 300 قدم، معرضاً نفسه لأشد الأخطار في نهم علمي لايعرف الاشباع، دفعه لمتابعة عمله في العراق، ليميط اللثام عن القصة الكاملة للطوفان، من خلال مكتبة مكونة من خمسة وعشرين ألف لوح من الطين المحروق قد نقشت فيه حروف غريبة بمايشبه وخزات المسمار مما جعلهم يسمونها اللغة المسمارية.
ومما جاء في اللوح الحادي عشر من المكتبة الآشورية وصف رهيب للطوفان:
(هبت الرياح ستة أيام وست ليال طغى السيل والعاصفة والطوفان على العالم . ثار السيل والطوفان معاً كالحشود المتحاربة. وعندما أشرق اليوم السابع انحسرت عاصفة الجنوب، هدأ البحر وسكن الطوفان، نظرت الى سطح العالم وقد ران عليه الصمت، أصبح البشر كلهم طينا.
كان سطح البحر يمتد مسطحاً كسقف البيت، فتحت كوة فسقط النور على وجهي، عندئذ انحنيت طويلاً، جلست وبكيت، جرت الدموع على وجهي، إذ كان الماء طاغياً في جميع الأنحاء.
عبثاً تطلعت بحثاً عن الأرض، ولكن على مبعدة أربعة عشر فرسخاً ظهر جبل، وهناك رست السفينة، ثبتت السفينة على جبل نيصير، ثبتت ولم تتزحزح(4)
ولعل اليهود من سبي بابل حملوا معهم هذه الأساطير فجاء ذكرها بشكل واضح في العهد القديم، باختلاف أن المياه التي تدفقت لم تكن أسبوعا، على الرواية الكلدانية للطوفان، بل دام تدفق المياه أربعين يوماً، وهكذا تم تسجيل طوفان مرعب في الذاكرة الجماعية للجنس البشري.

رواية العهد القديم:
وإذا كان الطوفان في ملحمة جلجميش قد استغرق اسبوعا من تدفق المياه بدون توقف، فهي في العهد القديم أربعين يوماً، وبالطبع لايمكن مقارنة الدقة والبلاغة الموجودة في القرآن مع النص الذي سنورده:
quot;وكان الطوفان أربعين يوماً على الأرض . وتكاثرت المياه ورفعت الفلك فارتفع عن الأرض . وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا ًعلى الأرض. فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيراً جداً على الأرض. فتغطت جميع البلاد الشامخة التي تحت كل السماء. خمس عشرة ذراعاً في الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال. فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض. من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف علىالأرض وجميع الناس. كل مافي أنفه نسمة روح حياة من كل مافي اليابسة مات. فمحا لله كل قائم كان على وجه الأرض. الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء فانمحت من الأرض. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط. وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يوماًquot; (5)

عرض القرآن لقصة الطوفان:
وجاء عرض القرآن يؤكد الخراب المرعب الذي ترتجف له المفاصل، من طوفان تتحرك أمواجه كالجبال، وتحولت السماء الى مصبات مائية كونية تصب دفعة واحدة، في الوقت الذي تنسطم كل تصريفات الأرض الصحية، ليس لتشفط الماء الى أعماقها، بل لتتدفق المياه منها بشكل مقلوب جداً، في إشارة عجيبة لبدء تنفيذ العملية من تنور هو بالأصل للخبز، لتتدفق منه المياه في مشهد صارخ على انقلاب الحياة العادية بالكامل. في حالة إشباع مائي للأرض لم تعرفه من قبل ولامن بعد.
حدث كوني من هذا الحجم وسفينة معالجة في الغالب بألواح الخشب وألياف (الدسر) تربطها (6) والقار تطلى به لمنع تسرب الماء، كله يشير الى حدث (ماقبل تاريخي)(PREHISTORIC) والمعلومات الجديدة التي تدفقت اليوم من خلال تعاون مجموعة كبيرة من العلماء من خبراء المحيطات والجيولوجيين، التي تنقب كل شبر في الأرض، وصلت في نهاية ديسمبر من عام 1996 م الى اختراق معرفي جديد في قصة الطوفان.
ولايعني هذا معلومات يقينية نهائية، بحيث تركب الآية القرآنية عليها، فهذا فضلاً عن أنه ابتسار للعملية التاريخية، وتهالك على تصديقات لم تقل الأرض فيها كل الحقيقة، ولكنها تنفع في تقريب قصة الطوفان، الذي تحدثت عنه كل الكتب القديمة والاساطير وانتهاء بالقرآن في عملية إجماع غير معهودة لحدث من حجم فلكي، وشهادة لذاكرة جماعية انسانية، تعرضت لحدث كوني غير قابل للمحي من الذاكرة الجمعية.

أخبار الأرض هي النصوص الجديدة التي تتكلم
كانت النصوص المكتوبة هي التي تتكلم، ولكن النص الجديد الذي تكلم الآن تحدث بلهجة ولسان جديدين: من باطن الأرض، والحفريات وبقايا الرسوبيات، ونحت الطبيعة، وتآكل الشواطيء، وحديث الاوقيانوس، وبقايا الحيوانات المحفوظة في براد الطبيعة.
تروي قصة عجيبة حدثت قبل 7500 سنة في نهاية العصر الحجري، مع العصر الحجري الحديث، بعد الثورة الزراعية وقبل انطلاق الحضارات، عن تحول جغرافي، وانقلاب كوني، وقصة بداية اشتعال زناد انبعاث الحضارات من رقدة المجتمعات البدائية، ففي هذه الحقبة كان الجنس البشري قد شق الطريق الى الثورة الزراعية وبدا في اختراع الأدوات البدائية الأولية، وتكاثر حول بحيرة عظمى في منطقة خضراء غناء هي البحر الأسود، الذي لم يكن يومها بحراً بل بحيرة حلوة المياه، أقل حجما بقليل من البحر الأسود الحالي، وإذا نظرنا الى الخريطة فسوف نرى أن البحر الأسود ينفتح بمضيق البوسفور، حيث تجلس على حافته الغربية مدينة القسطنطينية التي سيصبح اسمها استانبول، ليفتح بعدها على بحر صغير هو بحر مرمرة، ثم ليضيق مرة أخرى ليشكل المضيق التاريخي، الذي عبره الملك الفارسي (كزركسيس) للهجوم على اليونان المعروف بالهلسبونت: الدردنيل حالياً، أو الذي سيهجم منه الحلفاء على تركيا في الحرب العالمية الأولى، في هجوم خائب على جزيرة غاليبولي، كلف الحلفاء مئات الآلاف من القتلى.
التشكل الجغرافي إذاً بحر مرمرة ومضيقان للأعلى والأسفل؛ الأول البوسفور الذي يشكل عنقاً يتصل بالبحر الأسود، والثاني قناة ضيقة تصل الأسود بالمتوسط.
ولكن قبل ثمانية آلاف سنة لم يكن الوضع الجغرافي هكذا، حيث لم يكن هناك وجود للبحر الأسود، بل كانت بحيرة مفصولة عن المتوسط بعتبة صخرية ضيقة بدون فتحة، تمتد خلفه البحيرة العظمى الحلوة بشعوب تتكاثر على شطآنها، تتمتع بحياة راقية في مستوى شعوب تلك الأيام، بعد أن قفز الانسان من حياة الغابة والجوع، الى انتاج الطعام والتحول من حياة الصيد وجمع الثمار الى الثورة الزراعية، وتشكيل المدينة، وتنظيم العمل وتخصصاته، وبداية شق الطريق الى الحضارة.

تحول كوني مفاجيء
وفجأة يحدث تحول كوني بارتفاع مستوى مياه المحيطات غالباً من ذوبان جليدي كوني. قبل 7500 سنة بشكل صدمة، مما يحرك مستوى المياه وحركتها، بفعل تغير درجات الحرارة، لتتحرك أمواج عملاقة عاتية قادمة من البحر المتوسط الى مضيق الهلسبونت (الدردنيل) فبحر مرمرة، لتضرب بكل عنف العتبة الصخرية حذاء البوسفور، ثم تحد ث الكارثة ويتم خرق البوسفور، ليصبح مضيقاً سوف تجلس عليه لاحقاً بعد آلاف السنوات من طوفان نوح أجمل عواصم الدنيا.
ومن هنا تبدأ قصة الطوفان الذي طرح للنقاش في نهاية العام الفائت كسيناريو محتمل، الذي وصفه العالمان الأمريكيان اللذان وصلا الى تأكيده عن طريق عمل قامت به سفينة بحث روسية في البحر الأسود عام 1993 م، كل مافيه أنه يشبه طوفان نوح الموصوف بفارق واحد، أنه أسوء بكثير مما جاء في الكتب المقدسة، فالماء حسب العهد القديم يرتفع 15 ذراعاً ولكنه في السيناريو الجديد مايزيد عن 150 متراً.

سيناريو الطوفان حسب الكشوفات الجديدة:
مع مطلع العام الميلادي الجديد 1997 تم الاعلان عن كشف آركيولوجي مثير تقدم به فريق علمي جيولوجي آركيولوجي أمريكي (7) وقد قدم البحث في نهاية العام 1996 كل من العالمين الأمريكيين (ويليام راين) (WILLIAM RYAN) و(والتر بيتمان)(WALTER PITTMAN) أثار ضجة علمية في نقابة الأبحاث الأمريكية، لبقايا طوفان اجتاح منطقة القوقاز واوكرانيا وبلغاريا والمنطقة المحيطة بالبحر الأسود الحالي، واندفع بكل جبروت، عندما ارتفع مستوى المياه فجأة في المحيطات والبحار قبل 7500 سنة في نهاية العصر الحجري، أو مايعرف بالعصر الحجري الحديث، وكانت منطقة البحر الأسود بحيرة داخلية مغلقة، تعيش على ضفافها قبائل شتى تنعم برغد العيش، طورت نظام الزراعة وشيئاً من الأدوات البدائية، وأمام هذا الاجتياح المرعب لمنسوب المياه صدمت الأمواج العاتية العتبة الحجرية في غرب تركيا لتخرقها وتشكل مضيق البوسفور، ولتتدفق كميات هائلة من المياه وكأنها تغلي في قدر، لتملأ البحيرة بقوة اندفاع وعنف يزيد عن قوة تدفق شلالات نياجارا ب400 مرة، ليتحول البحر الأسود الى مايشبه (البانيو) الذي امتلأ بالماء و (طفطف) من حوافه، بحيث أن المياه زحفت تفترس بغير رحمة حواف البحيرة بمعدل كيلومتر يومياً، لتصل الى عمق مائة كيلومتر عندما هدأ الطوفان، مما جعل المناطق المحيطة بالبحيرة تتحول كلها الى عالم سفلي تحت الماء، ولتغرق مستودعات غلال حبوب الجنس البشري في تلك الأيام، بالماء المنهمر من أبواب السماء، والمتفجر عيوناً من الأرض، كما وصف القرآن، لتغمر مساحة مائة ألف كيلومتر بارتفاع 150 مترا، في حوض مالح اقتلع كل أثر للحياة من المياه الحلوة، التي كانت عامرة تدب بالحياة في أعماقها بما فيها الديدان، كما دلت على ذلك أعمال الحفر وتحليل الرواسب البحرية، التي قام بها علماء المحيطات والاركيولوجيا والاختصاصيين بالاساطير والميثيولوجيا الشعبية، من التي نقلتها سفينة روسية حفرت في عمق البحر الأسود.
المنطقة الوحيدة التي شمخت ونجت من إعصار الطوفان كانت منطقة القرم، وأما الشعوب التي استوطنت هناك في منطق غناء محيطة بالبحيرة القديمة الجميلة ذات الشواطيء اللازوردية الخضراء، فكانت بين خيار الغرق أو النجاة بالهرب من المنطقة كلها، وكانت هذه الحركة ذات أثر إيجابي كما ذهب الى ذلك العالم الاركيولوجي البريطاني دوجلاس بايلي (DOUGLASS BAILEY) الذي رأى أن هذه الاعصار الكوني بين الغرق والموت الجماعي، وبين الهجرة حذر الموت، قادت الى انتشار تقنية زراعة الأرض، ونقلت بدايات الحضارة الى مناطق متفرقة من الكرة الأرضية، وسارعت في بزوغ الحضارة.
فهذه الطوفان المدمر كان زناد الاتقاد لمشعل الحضارة.
إعادة صناعة طوفان نوح بيد اسرائيلية و بقنبلة نووية!
بقي أن نقول في آخر المطاف أن حرب الخليج الأخيرة جلبت معها أخبار جهنمية عن أحبار اليهود العلماء، الذين يعيشون على عقلية التوراة قبل 7500 سنة، حيث تم إماطة اللثام عن أخبار سرية، من تفكير اسرائيلي مدروس بدقة (8) عندما ازداد وخز رشق أبر الصواريخ، والاندفاع الى استخدام أسلحة الدمار الشامل، أن يفكروا جدياً في اصطناع طوفان نوح جديد من حجم أفظع هولاً وأشد نكرا، فاستنفرت اسرائيل سلاحها النووي، وخططت لضرب السد العراقي على دجلة، بحسابات دقيقة، لإنتاج طوفان نوح من مستوى عصري، فلو تم ضرب السد العراقي الواقع في المنطقة الشمالية من بغداد؛ فسوف تتدفق كمية من المياه تكفي لإحداث موت جماعي بالغرق لمليون ونصف من السكان، بحيث تغرق الموصل وماحولها بالكامل، ليصل منسوب المياه في النهاية حذاء بغداد الى حوالي المترين؟zwj;zwj;!
فأرسلنا عليهم سيل العرم
إن سد مأرب الذي يتحدث عنه القرآن بأن أهله كانوا يعيشون على جنبه بين جنتين عن يمين وشمال، تحولت بعدها بفعل تدفق سيل عرم الى بقايا من أعشاب جافة وشوك مؤذي (9) وأكل خمط وإثل وشيء من سدر قليل، الذي انفجر عليهم عندما فجروا وحادوا عن الخطة الكونية، بضرب من الذنوب والأخطاء لانعرفها على وجه التحديد مالم نشق الطريق الى الدراسة المقارنة التي أشرنا إليها؛ فبإخطاء قليلة ينهار السد، ويندفع الماء المحتقن، يكفي أن يُخرق بمقدار أصبع، وينام الناس عن الخطر ليتدفق عليهم، ومعه انهيار حضارة بكاملها يمزقون شر ممزق تحت رحمة الطوفان.

مراجع وهوامش:
(1) يراجع في هذا سورة يوسف حيث تكرر استخدام كلمة الملك على لسان يوسف، في حين استخدمت لفظة فرعون على لسان موسى، مما يوحي بعصرين مختلفين لنظامي حكم متباينين، ونحن نعرف أن مصر تعرضت لاجتياح عسكري من الشرق الأوسط على يد الهكسوس، الذين جاؤوا من سوريا الحالية بتقنية حربية متطورة، باستخدام الحصان والعربة الحربية، ولم يكن الدولاب معروفاً عند المصريين بناة الإهرام، فكل حملة بناء الاهرامات تمت بدون عربات أو عجلات أو حصان، كما لم يكن الحديد وتصنيعه أو الاسمنت قد أصبحت في متناول اليد، وإنما اعتمدت عضلات الانسان وذكاءه، واستمر حكم الهكسوس 150 سنة صعد يوسف فيها الى منصب حكومي رفيع يعادل رئيس الوزراء الحالي، وتم طرد الهكسوس لاحقاً على يد المصريين من الجنوب، بعد التمكن من تقنية الهكسوس على يد بسماتيك، وانصب غضب الفراعنة على الطابور الخامس العبراني الذي انتشر وتكاثر في زمن حكم الهكسوس عدداً وثراءً ونفوذاً يكفي أن نعرف لاحقاً أن أحد أغنى أغنياء العالم كان عبرانياً هو قارون، ولكنه كان متعاونا مع السلطة الفرعونية على حساب معاناة الشعب العبري كما جاء في التعبير القرآني (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم)(2) كتاب تاريخ البشرية ـ تأليف المؤرخ البريطاني جون أرنولد توينبي ـ ترجمة الدكتور نقولا زيادة ـ لأهلية للنشر والتوزيع ـ الجزء الثاني ـ فصل الحروب الرومية الفارسية(3) سورة الأنعام الآية 124 (4) ( ملحمة جلجميش ( THE EPIC OF GILGAMESH ) حققها ونقلها الى الانجليزية ن . ك . ساندرز ( N . K . SANDARS ) ترجمة محمد نبيل نوفل وفاروق حافظ قاضي ـ دار المعارف بمصر ـ ص 90 (5) العهد القديم ـ سفر التكوين ـ الاصحاح السابع ص 13(6) جاء في كتاب لسان العرب لابن منظور الأفريقي ـ الجزء 4 ص 284 و 285عن لفظ دسر: والدسار خيط من ليف يشد به ألواح السفينة وقال الزجاج كل شيء يكون فيه نحو السمر وإدخال شيء في شيء بقوة ... وفي تصوري أنه إذا تم استخدام مسامير فكانت من نوع الاسافين الخشبية بسبب عدم معرفة الحديد في ذلك الوقت الغارق في القدم (7) العدد الأول من مجلة الشبيجل الألمانية لعام 1997 م ص 138 (8) نشرت هذا الخبر مجلة الشبيجل الألمانية وقتها، حيث إزيح النقاب عنها عندما وضعت الحرب أوزارها (9) لم أفهم الآية القرآنية حتى زرت اليمن وسد مأرب الذي بنت دولة الإمارات في موضعه سداً جديداً ولكن أضيق مسافة وبكلفة مائة مليون دولار، وقامت جامعة دارمشتات من ألمانيا بإعادة تركيب خطة البناء السابق بالكمبيوتر والقدرة الهندسية الحضارية التي يملكها أهل اليمن منذ ذلك الوقت، وصليت بجانب السد وقرأت آيات سورة سبأ فانفتحت المعاني تماماً أمام عيني .