قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

العاصفة تأكل حياة كل العراقيين
نعم، انها ldquo; عاصفة الاوراقrdquo;، كما وصفها احد الكتّاب العراقيين الذين احترم كتاباتهم ـ نقلا عن ماركيز ـ، لكنه لم يكن موفقا في مقالته الأخيرة! كل شيء هائج في العراق هذه الأيام.. كل القيم مفقودة في العراق الحر.. الاضطراب يعصف بكل الأفكار.. الثقافة القديمة مترّسخة في مجتمع من الصعب ان يرحل مع الراحلين الجدد عن أجندته السابقة.. من لم يزل يصفق لما كان قد ترّبى عليه، فسيخيب أمله، فهو مقارب للرحيل النهائي والانتقال إلى الرفيق الأعلى، وسيأتي جيل جديد نجهل تماما كيف سيكون تفكيره، وهو يخرج من تحديات الماضي وخنادق الأشرار.. فأما يستجيب لتحديات الحاضر، أو ستستمر معاناته، ولكن بأشكال أخرى!
الأزمة، لا تجدها منحصرة عند السياسيين والمتحزبين والملالي ورجال الدين، بل يعيشها حتى المثقفين والكتّاب والمفكرين والفنانين.. الذين يعّبرون اليوم عن مشاعر متنافرة، ويستندون ـ ربما ـ إلى معلومات خاطئة، يتداولها احدهم عن الآخر، من دون تدقيق، ولا أي تحقيق!! العراقيون قاطبة، لا يعرفون ماذا يريدون في خضم هذا المأزق التاريخي الذي هم عليه، أو المخاض الذي هم فيه اليوم.. التشظيات تجدها بين تنافرات جيل مضى زمنه من قوميين وشيوعيين وبعثيين وإسلاميين! أو بين هوس جيل قديم وضياع جيل جديد! أو بين أفراد من شيوخ عشائر، وضباط عسكريين متقاعدين، ورفاق درب ومناضلين الأمة العربية ومجاهدين الأمة الإسلامية.. أو عصائب وميليشيات وجماعات.. تلحق بهذا أو تترك ذاك، سعيا وراء المال والسلطة والقوة والنفوذ، أو بين قبائل وعشائر تنادي بالافضليات، وتعيش أمجاد ذاكرة الأصول والبطون والأفخاذ والأطراف، أو بين مدن أصبحت مخيفة، أو كسيحة، أو كئيبةnbsp; وبين أرياف قاحلة ومتخلفة عن حياة العصر حتى وان بقيت تستلم العالم عبر ستالايتات مزروعة فوق أسطح صرائف وأكواخ، أو بين طوائف منقسمة ومتناحرة، وبين اكثريات أسموها بـ quot; المكونات الأساسية quot; وبين أقليات هادئة الطبع، كبيرة الإنتاج، تنسحق يوما بعد آخر.. الخnbsp;

تفاقم المشكلات: المضامين والتداعيات
المشكلات تتفاقم بفعل عدم وجود اتفاق بين العراقيين، لا على معرفة أسبابها فقط، فهم راضون بواقعهم ـ كما يبدو ـ من دون أية احتجاجات ولا أية مظاهرات.. ولا أية معارضات! أو لأنهم يختلفون في أساليب حلّ تلك المشكلات، إذ لا تجد خمسة عراقيين يتفقون على مبدأ واحد، فهم مختلفون لأسباب أو حتى من دون أي سبب واحد.. العراقي لا يتنازل للعراقي الآخر حتى وان اخطأ بحقه.. والعراقي لا يعترف بالخطأ الذي ارتكبه أبدا! وعليه، فان الحياة العراقية لم تختزل مشاكلها بالأمن والحواجز والمنطقة الخضراء والمناطق الحمراء والصفراء وانطفاء الكهرباء وانسداد المجاري، ولا حتى بالأصابع البنفسجية.. بل تمتد العاصفة لتشتمل على ضياع القيم، وانفلات الألسنة، وصناعة العبث، والسخرية من المواطنة، وتزوير التاريخ، ونهش المال العام، وتمجيد الهوامش، وقتل المضامين.. لقد غدت فكرة العراق الموحد مجرد أحلام عصافير عند واحد من الزعماء العراقيين! وحذار من العروبة، فهي في عرفهم، أفيون العراق ومن سموم الماضي القاتلة!! وكأن بغداد والبصرة والكوفة والموصل والنجف وغيرها.. لم تكن يوما بمراكز حيوية للحضارة العربية المسالمة والانفتاح على العالم برقي منقطع النظير.. إنها كانت ـ في عرفهم ـ مجرد قرى قاحلة في قلب صحراء، أو في جوف واد غير ذي زرع أو ضرع!
صناعة الخراب
منذ نصف قرن، والعاصفة تأكل العراق أكلا، وتنهش المجتمع نهشا، وتدمّره تدميرا: انقلابات عسكرية، وبيانات على شاكلة بيان 13، وتدخلات خارجية، وتآمرات داخلية، وخيانات وطنية، وسحل أجساد بالحبال، وانشقاقات حزبية، وصراعات سياسية بين الأحزاب الثورية، واغتيالات عشوائية، وعذابات قصر النهاية، وسلطات قمعية، وميليشيات شبه رسمية، وإعدامات جماعية، وانقسامات مبدئية، وفتن داخلية، ومحاكمات صورية، ومشانق علنية، وتهجيرات سكانية، ومزارع رعب بالسواطير والطوابير، وإلغاء وجود بشر حتى الدرجة الرابعة من القرابة.. وميادين حروب دموية سقط فيها الآلاف، وتجفيف اهوار، وذبح نخيل، وقطع السنة، وجدع انوف، وشرم آذان، وإبادة مدن، وحصار ظالمين، وانسحاق عملة، واحتلال وطن، وتجريم شعب، وشريعة غاب، وسحق مؤسسات، وحرق تراث، واخذ ثارات، وتهريب آثار، وحرب طوائف، وقطع رؤوس، وذبح نساء،nbsp; وتدخل دول الإقليم، ونهب ثروات، وفساد أنفس، وشراء ذمم، وتهميش ملايين، وسيادة مكونات، وانفصام أقاليم، وهجرات ونزوحات.. الخ
أبعد كل هذا وذاك، كيف يمكننا تخّيل نوع العواصف في العراق؟ كيف لا ينسحق أي عراقي وينكر مواطنته بحجة تحلل الشعب إلى مجرد مكونات وطوائف واقليات؟؟.. ويحاول أن يجدها عنده هو نفسه فقط؟ كيف يثق أي عراقي بالآخر، وقد مرّ هو وكل أبناء جيله بماراثون لا يمكن تحمّل تداعياته أبدا؟ كيف لا ينكر عروبته، وهو يجد نفسه، وقد انقسم بيته إلى نصفين متصارعين: عراقي لا يتّسعه أبدا، وعربي يعبث به العابثون؟ كيف لا يرى هولاكو، حكيما وتيمورلنك منصفا بعد أن شهد الويلات في النصف الثاني القاني من القرن العشرين؟ كيف لا تجده ينفر خفافا وثقالا من تعابير مبتذلة، وأغان فجة، وشعارات مملّة سمعها كثيرا، ورددها مسؤولون جهلة، وعاشت عليها ذاكرته ليل نهار، وهو مرغم على سماعها، بل وألزم باستخدامها من دون أن يعترض أبدا؟ ماذا تتوّخى منه وهو من مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن عاش قرابة خمسين سنة من حياته أن ينّفذ فقط من دون أن يناقش أبدا؟ ويخاف مرتعبا؟ وينام مرتجفا؟ لماذا تطالبه أن يحفظ قيم العراق، والعراق غدا عنده خرابا يبابا ـ أو كما وصفه الصديق الروائي صلاح صلاح في روايته المميّزة بـ quot; بوهيميا الخراب quot; ـ؟
ما الذي نطالب به من جيل جديد تربّى على اصداء العنف، وعلى بيانات الحروب، وعلى ازيز الطائرات، وقصف القاذفات، وحرب المدن..؟ ما الذي نرتجيه من وصول اكوام من الجثث، وتفرقها على اسطح السيارات الى بيوتاتها حيث جزع الامهات الثكالى؟ ما الذي نبتغيه من تدمير المحتل الغاصب تراب العراق، وقتله العشوائي لكل من يصادف في طريقه؟nbsp; ما الذي انتجه تاريخ مضمخ بالدماء لمجتمع يعشق الحرية، ولبشر كان يوما يغني ويرقص ويطك اصبعتين؟ ما الذي وجده العراقيون، وهم يجدون وطنهم يذبح امامهم ذبح الشياه.. وتبعثر مكتباته وتدمّر متاحفه؟nbsp; ما الذي تنتظره من اقوام كانت تنتظر أي فرصة للنهب من دون أي خجل؟

الاقنعة الديمقراطية
كيف تريد منه أن يصدقك، وقد كذب عليه كل الذين حكموه.. ولعبوا بخلقته، وعبثوا بمصيره؟ واستخدموه دميّة في كل حفلاتهم الهستيرية، وهوساتهم الجماهيرية، ومسيراتهم المليونية، وهيجان مناسباتهم؟ كيف تريده يحترم غيره، وقد وجد أجمل ما يعتز به مذموما مدحورا؟ كيف تريده مواطنا طبيعيا بعد أن عبث الآخرون بهيئته ومعابده وطقوسه.. وبأهله وباعزّ ما يملك؟ كيف تريده يعترض وينتقد ويتظاهر.. وقد عاش حياته كله لا يعرف إلا أن يذبح حنجرته بالروح بالدم؟ كيف نريد من أولئك الذين أسموهم بـ quot; الأقليات quot; أن تسكت بعد أن عاشت عمرها كله، وهي تشعر بالاضطهاد ليس السياسي حسب، بل بالجزع الاجتماعي أيضا؟ وكلنا يعرف ما الذي كان يصيب حنا أو ميخا في ثكنات الجيش، أو ساحات العرضات، أو في النوادي الليلية من إصابات جارحة للنفس والوجدان..؟؟ كان بعض هؤلاء قد صدّق أيام 14 تموز 1958 أن الزمن تغير، وأصبح العراق ديمقراطيا حرا، وأصبح شعبه سعيدا.. فخرج هؤلاء من مكامنهم، يعّبرون عما في صدورهم باسم الحرية والزعيم الأوحد والجمهورية الخالدة، ولما كان الزمن العراقي يكذب على شعب العراق دوما، فقد دفعوا أثمان باهظة في ما بعد! هكذا، صدّق العراقي اليوم أيضا، انه يعيش عصرا ديمقراطيا للمكونات الجديدة، فراح يغّرد كما يريد، أو يتصايح كما يرغب، بعد أن جرّب سابقا كيف يموء في الداخل، أو ينبح في الخارج (عذرا كما وصفوه في واحد من بياناتهم).. صدّق اليوم انه يعيش زمن الأنوار والحريات والديمقراطية، فراح يحكي ما يشاء من دون رقيب أو حسيب.. ولكن ليس كل الصيد في جوف الفرا.. فثمة من يخرج عن الخطوط الحمراء، فيكون مصيره الخطف، أو القتل ورمي جثته في مكان بعيد!
وماذا بعد؟
nbsp;لقد تقهقر المجتمع العراقي، وهو لم يزل يعاني من جملة مآس لا تعد ولا تنتهي، واذا كانت بعض المدن مستقرة بالرغم من كل الصعب، فان مدينة كبرى كالموصل قد أمستnbsp; ـ ويا للأسف الشديد ـnbsp; مدينة نفايات مهمّشة، بعد أن كانت أمّا حقيقية للربيعين في عموم العراق! فهل تبدأ ساعة الصفر من اجل تغيير شامل لكل العراقيين.. ما مدى استيعابهم للمواطنة الحقيقية؟ ما وزنهم ازاء حكامهم؟ ما الرؤية التي يمكن اطلاقها لانقاذ العراق؟ وما المشروع الذي ينتظرهم جميعا؟ هذا ما ستجدونه في الحلقة القادمة بحول الله.

انتظروا الحلقة الثانية
www.sayyaraljamil.com