قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مما هو معلوم بشأن جذور الفكرة النووية الإيرانية أنها وليدة بنات أفكار الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يرى أن برميل النفط أشرف من أن يحرق لإنتاج الكهرباء، ولذلك سعى لإنشاء المفاعلات النووية لانتاج الكهرباء دون أن تكون لديه طموحات غير مشروعة، وهو في الواقع فكّر بمنظور تنموي كامل فقد أراد ألا يستنفد الثروة النفطية لبلاده وتصديرها بما يحقق له طموحاته في تنمية دولة تتوفر لها كثيرا من المقومات الحضارية والبشرية التي تؤهلها لأن تكون دولة حديثة ومتطورة دون أن تهدد جيرانها أو تعبث بأمن وسلامة المنطقة والعالم.

المفارقة أن برنامج إيران النووي بدأ في الخمسينات، بمساعدة من الولايات المتحدة وبدعم وتشجيع ومشاركة من الحكومات الغربية، وحين إسقاط الشاه في الثورة الإسلامية في العام 1979م تم إيقافه بعد تك الثورة مؤقتا وإعادة تشغيله مجددا بقليل من المساعدة الغربية، وهذا البرنامج يتألف من عدة مواقع بحث، منجم يورانيوم، مفاعل نووي، ومحطة لتخصيب اليورانيوم.

وقد أثار هذا البرنامج كثيرا من اللغط والجدل أدخل إيران في سلسلة أزمات مع مجلس الأمن الدولي آخرها حزمة عقوبات تبعها فيها الاتحاد الأوروبي واليابان، فيما خذلت روسيا حليفها ترجيحا لمصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن السؤال.. هل يحد ذلك من خطورة البرنامج النووي الإيراني؟ وهل يمكن في حال استمرت إيران في مقاومة العقوبات الدولية أن تتعرض لهجوم عسكري سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل؟ في اعتقادي أن جوهر الأزمة يكمن في هذين السؤالين والإجابة عنهما تحتمل فكرة استرتيجية حول احتمالات الحرب والسلام في المنطقة الملتهبة أصلا.

الرؤية من خلال محاولة الإجابة عن السؤالين تتلخص في أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تشن هجوما على إيران وستبذل وسعها لمنع إسرائيل عن شن أي هجمات عليها، وحينها تكون الجمهورية الإسلامية قطعت شوطا كبيرا في عمليات تخصيب اليورانيوم والوصول الى المراحل النهائية لإمكانية انتاج القنبلة النووية، ولذلك فإن الحل الدبلوماسي هو الأنسب إذ أننا أمام حقيقة واقعية وهي أن المفاوض الإيراني نجح في التلاعب بالزمن وخدمة برنامج بلاده النووي في مفاوضات عبثية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجموعة الدولية المعنية بهذا الملف.

لن تحدث حرب ليس لأن الرئيس أحمدي نجادي قال إن برنامج بلاده النووي قطار بلا كوابح، ولكن لأن اختلاف المصالح بين الأطراف المعنية بهذا الملف أنتج فراغات وأحدث ثغرات استفاد منها الإيرانيون ونجحوا في تطوير قدراتهم النووية فيما مفاوضوهم يروحون ويجيؤون بين عواصم العالم بين مؤتمرات ولقاءات في تكتيك تفوق على الطرف الثاني من الطاولة، وأثناء ذلك استطاعت المؤسسة العسكرية الإيرانية تطوير قدراتها الصاروخية والدفاعية برا وبحرا وجوا وتأمين المنشآت النووية، وربما كل ذلك لن يصمد طويلا في حال شن هجوم على إيران ولكن الثمن سيكون باهظا ولن تدفع الجمهورية الإسلامية الثمن لوحدها بل ربما كانت أقل الأطراف دفعا لثمن حرب يشنها آخرون عليها.

منذ البداية لم يكن هناك اتفاق دولي صارم وحازم على كبح القطار النووي الإيراني، فالصين تتقاطع مع إيران في كثير من المصالح وكذا روسيا والشركات الأوروبية والأمريكية، يعني الجميع متورطون بشكل أو بآخر في مصالح بحسب وجهة النظر الاقتصادية ليس هناك ما يبرر قطعها أيا كانت اللعبة السياسية، ولعل اللافت المهم في مجريات الحرب والسلام في الجمهورية الإسلامية قناعة راسخة لدى جميع الأطراف بأن التهديد الإيراني يستهدف إسرائيل بالدرجة الأولى وليسوا مضطرين أو ملتزمين الى ما لا نهاية بأمن هذه الدولة، والماثل في ذلك تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على العراق حيث توجد قناعة على نطاق واسع أنها ما حدثت إلا لضمان أمن إسرائيل.

في المستقبل القريب لن يكون السلاح النووي بعيدا عن متناول كثير من الدول الطموحة اليه طالما أن الميزان الدولي مختل بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي التي توقعها دول وترفضها أخرى ومن بينها إسرائيل، والتي يعتبر سلاحها النووي مسوغا لطموح الدول العربية والإسلامية لامتلاك التقنية النووية سرا أو جهرا، فهي امتلكت وصنّعت سلاحها النووي بسرية تامة على مدى عقود قبل أن يكشف بولارد ذلك، تماما حال البرنامج النووي الإيراني الذي كشفته المعارضة الإيرانية.

بإمكان دول الخليج شراء السلاح النووي وربما فعل بعضها حين تفككت الجمهوريات الروسية حيث أصبح متاحا لمن يدفع أكثر إضافة الى غير ذلك من المصادر، ولذلك وفي ظل الغطاء العسكري الأمريكي للمنطقة باعتبار أن دولها حليفة استراتيجية وتاريخية ليس هناك ما يبرر الخوف من وصول إيران للمرحلة النووية العسكرية، وبإمكان الإمارات العربية المتحدة أن تظل تطالب بجزرها الثلاثة باعتبارها حقا جغرافيا وتاريخيا دون أن يكون لنووي إيران أي تأثير رادع، وكذا الحال بالنسبة لأي استحقاقات خليجية، فإيران بقدر حرصها على سلامتها وأمنها مطالبة بل معنية بسلامة وأمن دول المنطقة وجيرانها، فإيران الدولة نظام وثورة، وكل ثورة قابلة للانشطار حينما لا تحسن قراءة الواقع والوقائع وذلك ما قد يحدث حتى لو امتلكت السلاح النووي وحينها يسهل وضع اليد عليه بأقل مجهود ودون حروب استباقية أو عميقة.

أؤيد راينهارد بوتيكوفر رئيس حزب الخضر الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم في ألمانيا الذي اعتبر أنه حتى في حالة ثبوت قيام طهران بإنتاج قنبلة نووية، فإن القيام بهجوم عسكري عليها ليس له ما يبرره، لأنه يمكن مع الزمن وتآكل الثورة وانهيار الداخل الإيراني يمكن وضع اليد والسيطرة في خاتمة المطاف على أي تقنيات أو أسلحة نووية دون حروب أو متاهات تورط دول الخليج والمنطقة والعالم بأسره في حرب جديدة في الشرق الأوسط، ولذلك اتوقع أن تجدي سياسة الاحتواء بصورة متطورة عن اعتمادها في ستينيات القرن الماضي ويتحقق معها نصر بلا حرب.


إعلامية سعودية*
[email protected]