عنوان الكتاب: اليسار العربي، رؤية النهوض الكبير.
تأليف: نايف حواتمة.
الناشر: دار الأهالي، دمشق، دار بيسان، بيروت، 2009م.
عدد الصفحات: 230 صفحة.

لم يشهد اليسار العربي حالة من التقهقر والتراجع السياسي والفكري والمنظومي في تاريخه كتلك الحالة التي يعرفها في عصرنا الراهن. فإذا كان سقوط الاتحاد السوفيتي في القرن الماضي قد خلف جرحاً غائراً لا يزال ينزف لدى كثير من مثقفي اليسار العربي، وأدى إلى صعود وهيمنة الرأسمالية الاقتصادية والليبرالية الحديثة، وانزواء كثير من المثقفين اليساريين في خلواتهم الفكرية والثقافية للبحث عن تشكل وهوية جديدة في عصر العولمة المتسارع الخطى، وأسفر عن ذلك انقلاب بعض اليساريين على ذاتهم، فإن بعض اليساريين لا يزال مخلصاً لمبادئه، شارعاً في نقد خطابه وممارساته، ومحاولاً التأسيس لما يسميه نهوضاً كبيراً قادماً، كما يتوقع.
يشكل هذا الكتاب نموذجاً مثالياً لحالة اليساريين الأخيرة، فمؤلفه أحد كبار منظري اليسار السياسي في عالمنا العربي (نايف حواتمة)، وهو الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، في زمن كادت فيه الجبهات أن تندثر أو تنمحي ضمن جناح ما يعرف بمنظمة التحرير الفلسطينية.
يحاول المؤلف في هذا الكتاب توضيح رؤيته للمستقبل، وبيان كيف يصدر حكمه على مجتمعه وعصره، مجيباً على هذه الأسئلة دون الرضوخ لسطوة الانتماء الإيديولوجي والفكري والسياسي، كما اتسمت العديد من الأبحاث، فالمعضلات الكبرى جديرة بالمعالجة الموضوعية، حين توكل بالباحث رؤية تطوير الواقع عبر معطيات ومناهج البحث المعرفي العلمي والنقدي الابستمولوجية، والتي تسمُ بحوثه السياسية وكتبه ومؤلفاته وأدبياته.
ويستخدم المؤلف أدوات قياسه لتحقيق laquo;النهوضraquo; والتقدم، للمجتمعات العربية والإسلامية وخلاصها من التخلف والطغيان الإيديولوجي، التي تتجاهل المعايير الإنسانية العامة الشاملة، كما يرى. ومرجعيته في تحديد laquo;التقدم والتخلفraquo; النسبة الثلاثية الشهيرة عربياً: laquo;الأمية والجهل؛ الفقر والمرضraquo;، مصحوبة بها درجة التنمية وحال المرأة وحقوق الإنسان، ومدى التسامح السياسي والاجتماعي والاعتقادي وحرية الرأي، ونبذ أي ذرائع تدعي laquo;خصوصيات ثقافية ـ ايديولوجيةraquo; بوصفها العراقيل لسطوة التخلف والطغيان، على حساب تقدير العلم واحترامه ودعمه في الفكر العربي.
لا يقف المؤلف عند حدود الراهن في معالجة ثلاثية التخلف البنيوي المتقدمة، بل يعدها ظواهر ناجمة عن العلة الأساس الأكثر خطورة وأثراً في العقل العربي، وهو يشير إلى التخلف المجتمعي الناجم عن تكلّس البنى المجتمعية التقليدية، وتكلّس ذهنيتها وفكرها، من عشائر وقبائل وجهوية وسمت laquo;الدولةraquo; والسلطة العربية وبنائها، وبما تحمل من انحطاط بنى تحتية، رغم قشرة laquo;حداثةraquo; عواصمها، هذه البنى الانحطاطية تعيد إنتاج ذاتها إنساناً وتنظيماً وسلوكاً وفكراً. في مقاومة المعرفة وحرية الفكر، ناهيك عن تحطيم شامل لحقوق المرأة.
ينطلق حواتمة من الذات الموضوعة في المصاف الإنساني الجمعي، ومن موقع العلم الحقيقي وإنجازاته لينتقل منها إلى اللحظة الكلية اليسارية الثورية الإنسانية، وهو الأصل الموضوعي في انبثاقه الفكري والتكويني التطوري الذي سخّر له مبكراً حياته كهدف، مستنداً إلى ذلك المنطلق الفكري الموضوعي، لإتاحة الانبثاق والتمأسس من جديد لأي مجتمع مدني في قلب فلسفة السياسة. مبدياً قلقه من خلال اهتمامه بالحركة التطورية التجاوزية للنوع الإنساني في انسجام وتآلف أممي، ينسج فكره من الواقع والتحليل عبر منظومات العقل، باعتبار هذا الجدل هو الحقيقة الوحيدة التطورية نحو حرية الإنسانية، وتقويض قيود الاستلاب في أي بقعة من بقاع العالم.
ورغم ما قد يبديه المؤلف وكتابه من سلاسة في الطرح والمعالجة وquot;استسهالquot; في معالجة ظاهرة التخلف الحضاري الأممي التي يعايشها العرب والمسلمون، فإن طروحاته لم تتخلص بعد من مقارباتها الأيديولوجية اليسارية التي كانت سبباً في ابتعاد الجماهير، كما يحلو لليسار أن يسميها، عنها، واكتفاء اليسار بالنخب المثقفة التي تهوى الرؤى الرومانسية الحالمة، وكأن قضية النهوض وتوقعات مساره يمكن أن تنجح بجرة قلم أو رؤية ماركسية متكلسة بعد إزالة صدأ الأيام وهزائم الزمان عنها!؟.


كاتب وباحث
[email protected]