قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في ذكريات الحادي عشر من سبتمبر عام 2010م أعلن قس موتور من أمريكا أنه عازم على حرق نسخ القرآن، بنفس اليوم الذي هنأت المستشارة الألمانية ميركل الساخر من الأنبياء بأنه فعل عين العقل ونفحته بصرة من اليورو سلطانية، ولم تقل لنا ماذا سيكون مصير من يضحك على اليهود وبني صهيون هل سيكون عمله حرية تعبير؟ أم سيكون معاديا للسامية؟ عليه أن يسرح فورا من منصبه، ولو كان وزيرة مهمة وكاتبا مرموقا كما حصل من قبل.
والمجانين أكثر من رمل عالج والربع الخالي وصحراء تندوف.
وقبل ألفي سنة قام الملك الصيني (كين شي هوا نجدي) بحرق كتب التراث، مما دفع فرقة من البوذيين تسمي نفسها تانج ـ شان (Tang - Shan) إلى نقش تراثهم بالصخر الجلمود.
وفي الثورة الثقافية التي قادها العجل الماوي في الصين في الستينات أثنى خيرا على مافعله من قبل ملك الصين الموتور فدعا إلى حرق التراث، وفي القرن الثالث قبل الميلاد ولدت مكتبة الأسكندية وحوت يوما على نصف مليون وثيقة فانتهت على يد المتعصبين المسيحيين إلى الحرق، ومعها قتلت أيضا العالمة المشهورة باتيا بعد تكسير أسنانها وحرقها بالنار.
وفي ليلة الكريستال من عام 1938 م قام النازيون بحرق كل مايمت بصلة للفكر اليهودي ولو على الشبهة فأكلت النيران جبالا من الكتب، وهو تقليد مشت عليه أسبانيا سابقا، بزيادة حرق البشر والقطط والساحرات مع الكتب في الساحات العامة بحضور الملك فيليب شخصيا، ولما ترجاه شقي محكوم بالحرق أن يبدله بالشنق رفض وقال لو كان ابني هرطيقا حرقته بالنار بيدي ولا أبالي!! فهلل له الجمهور على تقواه وورعه؟
وروى لي صديقي سفيان من أسبانيا أن شاحنة ضربت خطأ جدارا قديما في بالنسية فخرت مئات الكتب المختبئة طوال القرون.
وفي القاهرة تم اكتشاف 200 ألف وثيقة من معبد يهودي من مكان سري يسمونه جينيسا (Genisa).
وفي يوم قام أيضا مجانين الطالبان بتدمير تمثال هائل فريد لبوذا كان مختبئا في جبالهم حتى عاقبهم الله بطائرات من طير أبابيل ترميهم بقنابل من طائرات ب 52 تحمل القنابل النووية في أحشائها فحرقتهم في جبال تورا وبورا ومازالت، وكأنه انتقام بوذا الخفي، وهو رجل وديع مسالم لايحقد ولا ينتقم فتبرع الأميركان بالمهمة، كما يقول المثل الشعبي إذا أحب الله عبدا أرسل له من يقوم بالمهمة مجانا..
ليس هذا ما نريده في البحث ولكن عن التراث الإنساني الحالي بعد أن تضخم إلى القدر الذي يتدفق فيه مثل تسونامي ويضيع على شكلين تلف الورق وسيطرة من المتمكنين كما في الجوجول وإمبراطور الأمازون الذي اشترى مخطوطا نادرا لأرخميدس طفا على السطح بعد ألفي سنة فاشتراه من المزاد العلني بـ 2.1 مليون دولار كمدخن أرجيلة ينفث حلقة من دخان؟
إن السؤال الحالي كما طرحته مؤسسة أمريكية عام 2002م كم هو حجم المعرفة الإنسانية؟ والجواب أكسا بايت (Exabyte) أي رقم أمامه 18 صفرا، وهي تساوي رف بطول عشرة أمتار من مكتبة لكل فرد على ظهر الكوكب؟
إن قسم من مخزون التراث الإنساني الحالي يبلغ في أرقام 85 مليار موقع إلكتروني، و 120 ألف فيلم، و250 ألف صوت مسجل، وأكثر من 400 ألف وثيقة تاريخية، وهذا التراث قد خزن حاليا على شكل ديجتال في مشروع طموح يقوده بروستر كالي (Brewster Kahle) ويريد أن يجعله تحت تصرف أي مخلوق في أي وقت طالما يستطيع الدخول على النت؟ وسيوصل عدد الكتب المنسوخة ديجتال حتى عام 2015 م إلى 15 مليون كتاب ومخطوطة؟

متى بدأ الإنسان يفكر بخزن التراث الإنساني؟
لعل أول من فكر بمثل هذا المشروع هو الملك آشور بانيبال الذي ارتقى العرش الآشوري في القرن السابع قبل الميلاد قبل أن تدمر دولة آشور مع عام 604 قبل الميلاد وتختفي من الذاكرة الإنسانية؛ فيأتي هنري لايارد في منتصف القرن التاسع عشر ليكتشف مكتبة أثرية تضم 25 ألف لوحا من النقش المسماري تضم التاريخ والمعرفة الإنسانية منذ تاريخ الدولة السومرية.
وهناك من يقول أن الأهرامات في مصر بنيت في قسم منها من أجل هذا الغرض لحفظ التراث الفرعوني، وهو نفس المشروع الذي يفكر فيه الكثيرون ماذا لو حلت كارثة بالجنس البشري أين سنحفظ التراث الإنساني لمعاودة استئناف الحضارة الإنسانية..
إن فيلم ألقي بعيدا (Cast Away) يشرح تماما حالة من قذف من ظهر الحضارة إلى جزيرة معزولة ليتحول إلى كائن لاثقافي يبحث فقط عن طعامه بالدرجة الأولى مثل أي فرخ طير ويعسوب وقرد!
إن الثقافة الإنسانية خلدها القرآن بالحرف فافتتحت العديد من السور بحروف ترميزية (الم.. كهيعص) ليس فيها أي معنى وفيها كل المعنى، لأن الكلمة هي تركيب حروف فوق بعضها البعض من اثنين حتى عشرة حروف ويزيد مثل أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟
والقرآن بهذا الترميز قال لنا أن الكتابة هي الذاكرة الجديدة، ولكن مع دخول عالم الديجتال تحول النص إلى نص جبار هائل جمعي (Hyper -Text) وما يتعلمه طفل هذه الأيام يبكي على تعلمه أرسطو وأرخميدس وزينون.
ومن أهم المشاريع التاريخية كان بناء مكتبة الاسكندرية التي ضمت يوما نصف مليون مخطوط ازداد باضطراد مع جو علمي فلسفي زخر بكثير من المفكرين، كما أورد ذلك بالتفصيل كارل ساجان في كتابه (الكون) في جزئه الأول حين أورد أسماء أكثر من عشرة علماء منهم العالمة التي أنهى حياتها المتعصبون؟
وحاليا أعيد إنشاء مكتبة الاسكندرية ولكنها أثرا بعد عين وشبحا من ماضي في بلد غارق في المشاكل والهم والديكتاتورية المافيوية.

المكتبة الوطنية في بافاريا:
يقول كلاوس ساينوفا (Klaus Ceynowa) من مكتبة ميونيخ أن المكتبة الوطنية في بافاريا تضم تسعة ملايين كتاب وهي بذلك تعد من المكتبات الأعظم في العالم، وهناك مثلا مكتبة الفاتيكان (خمس ملايين) والكونجرس الأمريكي (8 مليون) ، ولعل مكتبة لينين هي الأضخم قاطبة، كما أوردت ذلك رسالة اليونسكو، التي توقفت عن النشر باللغة العربية أنها تضم ثلاثين مليون كتاب تتسع باضطراد.
وحاليا ما يواجه البشر ليس قلة المعلومات بل طوفانها بحيث أن خزنها أصبح ضرورة ملحة، ويقول ساينوفا أنه من المؤسف ذلك الفراق بين تآكل الكتب وضرورة حفظها، فمعظم الكتب بين عامي 1845م و 1980 م كتبت بورق من النوع الحامض وهو نوع سيء يتفتت مع الوقت وهو مصير لايقل عن مليوني كتاب من التراث الألماني حاليا، ولذا فقد بدأ مشروع نسخ المكتبة الوطنية منذ عام 2007 حيث يعمل ثلاث روبوتات على تصوير الكتب بمعدل 1300 صفحة في الساعة، وقد تم حتى الآن نسخ مليون كتاب على شكل ديجتال، ولكن الوقت يضغط مما جعل المكتبة تتفق اتفاقا سريا مع جماعة الجوجول من منطقة جبل الفرجة (Mountain View) على نسخ بقية الكتب بحيث تنتهي المهمة مع عام 2015 م ويتم نسخ كافة الوثائق، مقابل أن تحتفظ المكتبة لنفسها بنسخة من كل العمل، وعدم السماح لجوجول بالدخول على المناطق التي تعتبرها خاصة بالأرث الألماني، وهذا العمل قامت به جوجول مع العديد من المكتبات بحيث تنسخ حتى عام 2015 م حوالي 15 مليون كتاب ومخطوطة كما أوردنا وهي جلّ الثقافة الأنسانية المنتجة حاليا.
ومثلا فتحت يدي جوجول ثمانية مليارات موقع إلكتروني.

مشاريع لحفظ الكود الوراثي والخلايا الحية والكائنات:
بالإضافة إلى مشروع نسخ الكتب وتصويرها وهي عملية مكلفة (كتاب بـ 250 صفحة يكلف 40 يورو تقريبا؟)، فقد فكر المبرمجون بحجر رشيد جديد (Rosetta Project) بحيث وضعوا 200 ألف صفحة من حجم (A4) على سطح نيكل بمساحة 54 سنتمتر مربع، ولكن يحتاجون في قراءته إلى مجهر إلكتروني؟
وهناك عمليات حفظ بذور النباتات وهو ماقامت به النرويج بحفظ أكثر من 4.5 مليون بذرة من حنطة وشعير وطماطم وتفاح وتمر ونباتات وورود، حفظت كل هذا البذور في أوعية فضية في جبل قطبي 620 كم تحت مستوى القطب الشمالي في الجبال الباردة تصمد حتى ألف عام، وعلى نفس الطريقة فعلت المكسيك مع بذور الحنطة والشعير كخزانات للطعام على فرض وقوع سني يوسف على وجه الأرض وتطلب أحياء الزراعة ورسم الحضارة الإنسانية من جديد. وهناك بجانب واشنطن مشروع آخر لحفظ كل أنواع الخلايا والجراثيم والفيروسات على وجه الأرض باسم ( American Type Culture Collection= ATCC) في وسط من الآزوت يصمد حتى عشرة آلاف سنة ويمكن استدعاء الخلايا من جديد ودفعها للحياة؟
كما يقوم كريج فنتر بحفظ كودات الوراثة عند الخلائق على وجه الأرض بعد أن أمسك بسر فك الجينوم الإنساني في أكتوبر من عام 2000 فسبق المشروع العالمي في لوس ألاموس.
كما أن أبو النمل أوسبورن يحاول وضع انسكلوبيديا الحياة في 180 مليون صفحة في الانترنت، وقد أصدر هو وزميل له من قريب كتابا هائلا منفرد النظير عن عالم النمل بعد أن كشف الأخير لوحده 14 نوعا جديدا من النمل في جمهورية الدومينيكان المنكوبة بالديكتاتورية، ويقول أن هناك أكثر من 28 ألف نوع من النمل تزحف على وجه البسيطة كشف منها حتى الآن 14000.

طرق الحفظ والتحدي فيها:
أذكر جيدا من ألمانيا حين صدرت للمرة الأولى أشرطة الفيديو وكانت خائبة مع جرونديك ثم نجح نظام (VHS) ومازال أفضل من السي دي الجديدة بالاستمرارية فعندي حاليا أشرطة من ثلاثين عاما لبعض الأفلام أراها برياحة وإن كانت ليست بنقاوة السي دي، ولكن مشكلة الأخيرة أنها تعطب بسرعة، ولذا يفكر العلماء بطرائق أمينة لحفظ التراث الإنساني مثل الهولوجراف بما فيها شروط التبريد، كما هو الحال في المشروع الأمريكي (UPI) في سليبري روك (Slippery Rock) لحفظ 13 مليون صورة وثائقية في شروط تبريدية خاصة، أو مشروع فرايبورج في جبال الغابة السوداء من ألمانيا على امتداد مئات الأمتار في باطن الأرض على شكل ميكروفيلم في براميل حديد يضم 600 مليون صورة وثائقية، بل التفكير في نقل مخزون التراث الإنساني إلى سطح القمر، فيما لو ارتكب البشر حماقة إفناء بعضهم البعض.
ولكن المشروع الأجل هو الذي يقوم به بروستر كالي في أمريكا منذ عام 1996 في نقل وتخزين التراث الإنساني على شكل مجاني، وهو يقوم يوميا بتصوير مئات الكتب، وينقل شهريا حوالي 25 تيرا بايت ماتعادل مكتبة الكونجرس الأمريكي التي تضم 8 مليون كتاب؟ وهو يطمح أن ينهي نسخ كل شيء على الأطلاق وإدخاله إلى عالم الديجتال من وثيقة وصوت وصورة وكتاب وزبور وقرآن وتوراة، وليس على طريقة القس الأمريكي المجنون، الذي نوى حرق القرآن في ذكرى أحداث سبتمبر بعد تسع سنين عجافا، وهو بذلك يسيء للجنس البشري برمته، وهو متوفرون في كل مكان، وفي كل ثقافة سواء من القس جونز الأمريكي، أو مجانين بني صهيون، ومهابيل إيران، ومخابيل جبال الهندوكوش من جماعات الطالبان؟ أو النازيون والفاشيون والبعثيون العبثيون، والماويون مزوروا الثورة الثقافية؟
فالمجانين بحمد الله كثر؟

الوصول إلى ديموقراطية المعرفة؟
إن (بروستر كالي Brewster Kahle) حريص أو هكذا يزعم أنه يقوم بأمرين الأول نقل التراث الإنساني بكل ماحوى من أيام سومر حتى أغنية أوتيل طوكيو، والثاني وهو أهم تخليص المعرفة من قبضة الجبارين المتنفذين الرأسماليين سمك القرش العالمي؟ فالمعرفة قوة وتخليصها من أيدي المهتمين بالقوة، ومحاولة التسلط على البشر بتحويل المعرفة إلى أداة قهر جديدة، وفي العهد القديم أنا المعرفة قوة، وفي الأنجيل تعلموا الحق والحق يحرركم.
يريد كالي تحرير المعرفة بحيث يمكن إيصال المعلومة إلى كل فرد وبذلك تتحقق ديموقراطية المعرفة.