قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أرَّخ (ابن خلدون) في مقدمته لنهاية الحضارة الإسلامية بقوله quot;وكأن لسان الكون نادى بالخمول فاستجاب والله وارث الأرض ومن عليهاquot;.
وحسب (جون آرنولد توينبي) المؤرخ البريطاني في كتابه (مختصر دراسة التاريخ) أن الحضارات تتعرض للفناء والاندثار، مثلها مثل الأفراد والتنظيمات والدول، فليس من أحد محصن ضد الزوال، والبقاء لله العلي الكبير المتعال، فكل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام.
ويصل توينبي في إحصائياته إلى 600 مجتمع بدائي انبثق منها 32 حضارة اندثر معظمها، ولم يراهن على ديمومة الحضارة الإسلامية بقدر بقاء الغربية، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
وهو أمر اختلف معه (أوسفالد شبنجلر Oswald Spengler) الفيلسوف والمؤرخ الألماني، أن كل حضارة كيان قائم بذاته، متفرد غير قابل للتكرار.
وأن الحضارة ظاهرة متفردة، تتخشب وتتيبس مفاصلها، مثل أي نبات ثم تكون هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرا.
والمهم في تحليل شبنجلر أنه وقَّت لنهاية الحضارة الغربية، بعنوان صارخ (أفول الغرب Der Untergang des Abendlandes)، وهو موت لا راد له، ولن يحدث في عقود، بل على امتداد القرون القادمة، ولعل أهم مؤشرات ذلك الموت هو (المرض الاستعماري الوبيل) و(التمدد الإمبراطوري المفرط) على حد تعبير المؤرخ الأمريكي (باول كينيدي) وهو يماثل ظاهرة الصدمة في البيولوجيا، حين يضيع الدم في المحيط؛ فيعالج الجسم الظاهرة باحتقان الدم مركزيا، للمحافظة على وظائف الأعضاء الحيوية من دماغ وقلب وكبد وكلية، مقابل دخول الفرد حالة الغيبوية والسقوط.
ذكر هذا الشيء وهو يدرس انهيار القوى العظمى على امتداد القرون الخمس الفارطة، في كتابه الموسوم (صعود وسقوط القوى العظمى).
وحسب (كارنو دي ساد) فإن القانون الثاني في التيرموديناميك لايبقى على علاقة في الكون ولا يذر، ومصير الجميع إلى نهاية وفناء.
وينطبق هذا على كل أنواع التراكيب، سواء في أسمنت البناية فتشقق، أو المركب الكيماوي فيتحلل، أو التراكيب العضوية فتفسد، أو الدول فتختفي من خارطة الوجود، أو اللغات فتنقرض، أو الحضارات فتنهار، ويكون لسقوطها دوي عظيم حسب تعبير الإنجيل.
وحسب (ويل ديورانت) صاحب سفر (قصة الحضارة) فإن الحضارة نسيج اجتماعي معقد من الاقتصاد والثقافة والدين، صعب بناؤه، سهل تمزيقه والانسحاب منها في عودة إلى البربرية، بسرعة أكبر جدا من الدخول فيها وبناؤها.
وتمتاز الحضارة أنها نتاج تعلم كل جيل، فإذا توقف أو امتنع أو حيل بين الجيل وبين تعلمها، لم يبق حضارة بل برابرة يتطاحنون بالحجارة والعصي؟
رأينا في مذابح دجلة والبوسنة وغروزني، وبرلين في الحرب الكونية حين مات حول برلين ثلاثة ملايين من العساكر المقرودين.
ويعتبر القرآن أن المجتمعات تموت كما يموت الأفراد؛ فجاء في محكم التنزيل، وفي أكثر من موضع الحديث عن موت الأمم وهو هنا غير موت الأفراد تأمل الآية:
quot; لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لايستقدمون ساعة ولا يستأخرونquot;.
وهذا اللون من الموت يختلف عن موت الأفراد، التي وصفها القرآن بتعبير مختلف؛ كل نفس ذائقة الموت، أو بتعبير وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنتَ منه تحيد؟
فالحديث هنا هو مواجهة الفرد حالة الفناء الذاتي، أما موت الأمم فهي حالة مدهشة، لايستطيع أحدنا الزعم أنه رأى مشهدا مثيرا من هذا الحجم؛ فيقول والله كنت البارحة في جنازة الأمة (الصربية أو المصرية أو العراقية)!
في حين أنه ليس من أحد منا، إلا ورأى تلك الحالة الفريدة من موت أفرادٍ من البشر، سواء كانوا أقرباء عزيزين، أو غرباء بعيدين، فيأسى مع الأول، ويدهش مع الثاني أو لايهتم، حسب النشاط الذهني واليقظة الروحية. وكفى بالموت واعظا.
لذا لايمكن الحديث عن شيء اسمه الحداثة الإسلامية، إذا كانت هذه الأمة في حالة غيبوبة، أو عدم الحضور، وبتعبير القرآن (الشهادة) وهو خلاف ما اعتاد المسلمون ترداده عن الشهادة أنها تعنى القتل، فضلا عن الموت!. فهل الأمة الإسلامية في حالة احتضار أو موت أو بقايا عظام نخرة؟ قالوا تلك إذن كرة خاسرة..
والسؤال الذي يفرض نفسه أين موقع الأمة في الوقت الراهن، فمن الأهمية بمكان تشخيص وضع الأمة حتى يدرك الأفراد أين هم ماضون؟
وكما يسم الموت الفرد بمظاهر لايخطيء فيها أي مبصر، كذلك كانت الحالة، مع موت الأمم واضمحلال المجتمعات وانهيار الحضارات!
ويذهب المؤرخ البريطاني توينبي إلى وصف نهضة الأمم أن نقطة الانطلاق تتم بصور متباينة، في حين تتوحد صور الموت بين الحضارات، كما في ألوان الشعر المختلفة في سن الشباب بين أحمر وأسود وخرنوبي ومكزبر وكستنائي وأشقر، وعودته للبياض قبل الموت عند كل العروق والأجناس، في شهادة على وحدة المصير.
ويرشدنا علم البيولوجيا إلى أمرين واضحين في موت الأفراد؛ الأول في توقف الوظيفة؛ فنعرف أن صاحبها فارق الحياة، فلا ترتفع يد، ولا يرمش جفن، ولا تختلج عضلة؟
والثاني في تحلل الشكل، وتناثر الأجزاء، وبذلك يبدأ الموت مع توقف النشاط المميز الذي يسم الكائن، لينتهي بتفكك روابط أجزاء ذلك الكائن، ما جعلت من الكائن كائنا يحمل اسما خاصا به.
وهذا التحليل ينطبق على المواد والأحياء والعلاقات؛ فالطاولة لاتبقى طاولة إذا فككنا أجزاءها، ولو بقيت موادها الخام، وكذلك السيارة وطائرة الهيلوكوبتر، والكمبيوتر.
وتظهر الوظيفة على نحو مميز بترابط الأجزاء ووحدة العضوية.
كذلك الحال في هشيم النبات، وتحلل الخلية، وموت العقرب، واضمحلال المجتمع، وفَناء الحضارات في فِناء الزمن.
ومن أطرف الأمور هو تلك العلاقة المقلوبة بين دقة الوظيفة وتفاهة العطب، تكفي جلطة لموت إنسان بانسداد شرياني، وانقطاع الأكسجين لمدة خمس دقائق في احتراق الدماغ، وفيروس تافه لإنهاء حياة فيلسوف، وطلقة سخيفة أن تنتهي حياة غاندي، كما تفعل أتفه الأمور في إنهاء أعقد العلاقات.
هذا الجدل بين الموت والحياة يسري كقانون غامر ساحق ماحق لكل جنبات الوجود.
فهل نحن أمة ميتة وجثة ملقاة على شاطيء الزمن؟ أم أمة عظيمة قدوة للغادي والرائح؟ خير أمة أخرجت للناس؟ كما جاء في القرآن؟ أم أنه وصف لأمة مضى وقتها والتهمها التاريخ في أحشائها ورماه من المخلفات، كما وصف ذلك مالك بن نبي في إطلاق وصف أو تعبير (إنسان مابعد الموحدين)، أو الذي وصفه الجابري وهو يقوم بتشريح بنية العقل العربي أنه ميت منذ أيام الغزالي في القرن الخامس الهجري!
يمكن وصف وضعنا أنه أشبه بقطار خرج عن السكة، بعد تعرضه لحادث مريع، فركابه مذهولين بين مقتول وصريع ومجروح، وغائب عن الوعي، ومنهم من صحا وهو نازف يتأمل الكارثة؟
نحن أمة خرجنا عن سكة الزمن، وإحداثيات التاريخ والجغرافيا، ضائعين في الزمن اللانهائي، شاردين من مركبة فضاء العصر نحوم في الفضاء الموحش، نعيش بدون أن نعيش، مواطن بلا وطن، جيل التيه والخوف والهزائم العسكرية والديكتاتوريات واغتيال العقل وكرامة الإنسان بالطبنجة والخيزرانة والمخابرات والمباحث السرية والفلق والحبوس، غائبين عن العصر، لم نشارك في صناعته هو لنا مثل عالم الجن الأزرق، كما وصف ذلك في كتاب محمد حسين في كتابه (المسلم الحزين في القرن العشرين) أو كتاب (لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم) لشكيب أرسلان، أو كتاب (التجارب المرة) لمنيف الرزاز، أو مذكرات الحوراني الحزينة عن رفاق الجملوكيات، وهو من أتى بهم وصنعهم ويداه أوكتا وفوه تفخ فغرق بالقربة البعثية.
أو كتاب (رحلة ذهاب وعودة من الجحيم) للمغربي محمد الرايس؟ أو تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلون، أو ظلمة بين جدارين للجادرجي العراقي وزوجته، أو السجينة لبنت أوفقير المنحور المنتحر!
وهي كما نرى عينات من طنجة حتى حلكو ونصيب، ومن الناصرية حتى الأصنام ونواكشوط والبقاع وبعلبك؟
بالطبع قامت حركات وشخصيات وأحزاب بحرق المراحل، عسى أن يدخل العالم العربي المعاصرة، تمثلت في حزب التحرير الفلسطيني المقدسي لاستعادة الخلافة، والإخوان المسلمون المصرية لإعادة تنظيم الأمة، وحزب الله اللبناني مستمدة زخمها من قم بالإحياء الشيعي لفكرة المهدي المنتظر، ومحمود طه السوداني في تحديث المفاهيم، وحزب العدالة والتنمية في المغرب وقد استفادوا من كتابي في النقد الذاتي وضرورة النقد الذاتي للحركات الإسلامية، خاصة في تأسيس مفهوم اللاعنف في التغيير السياسي والاجتماعي، والترابي متأخرا في طرح مفهوم الحريات بعد أن قتل كل حرية، ومن قبل رشيد رضا والأفغاني ومحمد عبده في إيجاد صيغة جديدة لنشاط الأمة, والكواكبي الحلبي في تحليل مفهوم الاستبداد في كتابه طبائع الاستبداد مصارع الاستعباد.
ومالك بن نبي الجزائري في إحياء فكرة الحضارة الإسلامية، وجودت سعيد السوري في مفاهيم التغيير من خلال مفهوم اللاعنف، والشحرور الشامي من بوابة اللغة مثل لاعبي السيرك الذين يخرجون أرانب بيضاء من قبعات سوداء، هو ومحمد عنبر في كتابي (القرآن والكتاب) وكتاب (جدلية الحرف العربي).
والمتصوفة بوضع الدماغ في جيب الشيخ، والاستسلام الرخي اللذيذ لحفلات الايكتازي بالرقص. أو تحالف الجبت والطاغوت في الجملوكيات بعد ان لم يبق عقل وكرامة ورزق ومواطنة..
ومدرسة المنطق الحيوي من دمشق التي تزعم أنها كعبة العلوم وقرآن القرآن؟ اتخذت من مبدا الثنائية في علوم الكمبيوتر لتطبقه على العلوم الإنسانية، مستخدمة بعض الألفاظ من نوع؛ تعاون وعزلة وصراع، كما في أحجية الكلمات المتقاطعة، وقالت بعدم وجود الجوهر، والتغير الذي لاينتهي للشكل بما فيها الله والمقدس والرب والنبي والروح، في دورة تناسخ الأرواح، وهي ليست جديدة.
والمسيري في حركة كفاية وووضع الصهيونية تحت المشرط والمشرحة مثل تحليل أي جثة فاسدة.
والنيهوم الليبي في نفض مفهوم المسجد عسى أن تعود للجامع وظائفه الحيوية،
وسعيد الحوى الحموي في التنظيم العسكري تحت عنوان جند الله ثقافة وأخلاقا.
والنورسي التركي بديع الزمان في حركة النور، والوردي العراقي في مشروعه للوعي التاريخي الاجتماعي تحت عناوين شتى مثل (وعاظ السلاطين) و(منطق ابن خلدون) و(خوارق اللاشعور) و(موسوعة التاريخ العراقي الحديث)، وفؤاد زكريا من جماعات الحداثة في مشروع سلسلة عالم المعرفة ونقد الصحوة الدينية؟ ومشروع عابد الجابري المغربي في تفكيك بنية العقل العربي أو الطرابيشي في نقد نقده مايشبه عمل ابن رشد المغربيي في تهافت التهافت على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي المشرقي. أو علي حرب في نقد النص ونقد النقد.
وأخيرا حتى تنظيم القاعدة في حربه ضد الكفار والمشركين والمنافقين بالطريقة الدموية.
والسؤال ماذا فعلت كل هذه المحاولات؟ هل كتب لها وعلى يدها يقظة العقل العربي، وتحرر المواطن؟ والخروج من نفق الديكتاتورية السياسية؟ وهل دخلت الحداثة؟
ولكن قبل ذلك ماهي الحداثة؟
يظن الكثير أنها كمبيوتر وطائرة وانترنت وصاروخ وتقنية النانو، ومعرفة الكود الوراثي، وبناء اللبتونات في الذرة وتفتيت الزمن للفيمتو ثانية؟
من يتأمل العالم العربي يرى برجا في دبي أعلى من برج بابل وصفته مجلة در شبيجل الألمانية بالجنون الأعظم، والجندي العربي يستخدم الدبابة والصاروخ، وإيران انتجت السلاح النووي، وقريبا سوف نسمع دوي الجبال من الانفجار العظيم بأقوى من 8 ريختر قريبا من قم وباميان وبحر قزوين وأصفهان، والطبيب العربي يستخدم جراحة المناظير والنوتس والستنت، والقنوات الفضائية تنقل حوارات الجزيرة بمهاوشات الاتجاه المعاكس والمخالف والمشاكس؟
فهل دخلنا الحداثة أم أن هناك شيء أبعد من هذا؟
والجواب أن الحداثة أمر أعظم من الأشياء، والفلسفة هي تكوين العقل المتمرد على المسلمات، إنها وسط ومناخ من حرية الفكر لإنتاج العلم وأدواته.
وحاليا نقلت أدوات الحداثة من أماكن غريبة غربية بأسماء مشابهة ولكنها في الغرب بنى حية وعندنا ديكور كما في مجالس الشعب، والتوقف السياسي في مرحلة المماليك البرجية أيام سعيد جقمق وبرقوق، ولذا فنحن أمم مستهلكة غير منتجة، ولم تدخل بعد الماراتون الحضاري باحتساب الجهد والزمن، وحين لايدخل الزمن في الحساب، لن نكون قد دخلنا الوسط الحضاري. وليس لنا مستقبل..
إنها أجراس إنذار لقوم صم علة مايبدو.....
والأمة في مركب مخيف من الاستعصاء لاتملك منه فكاكا وخروجا، وإذا عقدت المؤتمرات فهي للمؤامرات، وإذا نصبت الاجتماعات فمن أجل أن لايجتمعوا، وأما الحديث باسم الشعب فهو ضد الشعب، وإذا حصلت الانتخابات فهي مهزلة مفيدة للضحك بأرقام لايخجلون من نشرها مثل نشر الفضائح، وكما هو متوقع من نمو كائنات الهيبريد من الجملوكيات في العالم العربي، كما يفعل علماء المخابر من دمج جينات الفيران مع البغال، لإنتاج كائنات جديدة كلها عوج غير قابلة لاستمرار الحياة..
نحن كائنات عجيبة، كرات هائلة تخرج منها أصابع وأيادي نانو، وكائن من هذا النوع ليس أمامه إلا أن يتدحرج فلا يوقفه الا عطالة الوزن وصدمات الأحداث..
هكذا جرت المقادير في العالم العربي الحزين..
وبذلك فالعالم العربي يتسمم على مدار الساعة بين الأفكار الميتة والقاتلة؟
فما هي الأفكار الميتة والقاتلة وما الفرق بينهما؟
إننا في الواقع نعيش هذا الجدل المؤسف بين الأفكار الميتة والقاتلة، والفرق بينهما يذكرني كطبيب، في محاولة لنقل مفاهيم البيولوجيا إلى علم الاجتماع كما فعل هربرت سبنسر.
أقرب شبه لها هي وحدة الدم التي تنقل للمريض حين الحاجة، ويجب توفر شرطين أساسيين فيها، أولا صلاحية الزمرة وتطابقها مع زمرة دم المريض (O, A,B.AB)، وثانيا زمن صلاحيتها، وأي خلل في هذين الشرطين يحول الدواء إلى سم والدم إلى علقم.
كذلك عالم الإفكار؛ فإما تم نقل الأفكار الفعالة في موطنها بغير شروط نقلها، كما هو الحال في مجالس الشعب والمجالس النيابية؛ فهي فعالة حيث أخذت في الدنمرك وكندا ونيوزلندا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ولكنها عندنا مجالس للطرب والتصفيق والموافقة العمياء..
إننا مضحكة ولكنها مبكاة أليس كذلك؟؟
أما الأفكار الميتة فهي أدهى وأمر لأفكار انتهى زمن فعاليتها كما في الأدوية المحرم استعمالها بعد انتهاء زمن صلاحيتها؟
هي تلك الأفكار التي كانت يوما ما فعالة، وانتهت فترة صلاحيتها، ولكن ماهي ؟ وأين توجد؟
ثم من الذي يتجرأ فيقول هذه أفكار ميتة بطلت صلاحيتها؟ وأن تفسير ابن كثير مثلا انتهت صلاحيته، وتاريخ ابن كثير لايزيد عن الاستئناس، ولو بعث ابن كثير لأنكر كتابه، وبدأ في كتابة تفسير جديد وتاريخ جديد، فلا يمكن فتح جمجمة مريض اليوم، بأدوات من زمن الفراعنة، كما لايمكن معالجة أمهات الدم بطرق الزهراوي، فهذه نسلم بها فلا يذهب مريض لطبيب عربي يعالجه بالفصادة والحجامة والعلق معلقا على الجلد؟
أما في الاتجاه الآخر فنمشي مقلوبي الرؤوس، وهو يعني أنه كلما رجعنا في الزمن للخلف كان الكتاب أفضل مثل الخمر المعتقة الفرنسية في القبو؟
هنا المعركة الكبرى.
وكما كان لكل قرية مقبرة لدفن الجثث بخشوع مع كل احترام كذلك يجب أن نعد العدة لبناء جبانة هائلة لدفن هذه الإفكار الميتة، ولنا الويل إذا لمسنا هذه الجثث؟؟ فهذا هو وضع العالم العربي، والحداثة المزعومة، ممزقين عضين بين حداثة وحداثيين مارقين، وبين أصوليين يريدون تقليد لباس عمر بن الخطاب ولحية البحتري مما يضحك عمر ر في قبره ولو كان حيا لخرج عليهم بالدرة! ويهجوهم البحتري بقصيدة سينية جديدة؟؟
حضرت رحلي الهموم فوجهت إلى أبيض المدائن عنسي أتسلى عن الحظوظ وآسى من آل ساسان درس!!!
لقد فشلت التجربة القومية، وبارت الانقلابات البعثية العبثية، وماتت الشيوعية، وهلك العجل الناصري، وحصدت الحركات الإسلامية فشلا بقدر جبل قاف..
أين إذن المخرج ؟؟ هذا هو السؤال المطروح..
أيتها الذبابة التي تطنّ في حوجلة الزجاجة:
هل أبصرت الفوهة المفتوحة؟
هكذا قال فتجنشتاين؟؟