قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عندما شكت زوجة الطبيب من الصداع المستمر أشار عليها بتناول بعض المسكنات، والأطباء في العادة أقل الناس اهتماماً بعائلاتهم صحياً، وإذا أصبحوا مرضى كانوا عموماً من النوع غير المريح، وإذا أصيب أحدهم بنوبة سعال ظن أنه سرطان رئوي، أو إذا عانى من عسرة هضم شك على الفور بقرحة متقدمة أو ورم مستفحل، فدماغهم يجري بسرعة نحو أشد الأمراض فتكاً وسوءاً، ولا غرابة فهم ينامون على موت دماغ في العناية المشددة، أو يستيقظون على مريض يحشرج في سكرات الموت من احتشاء قلب!!
أو ينهضون في ظلمات الليل على كارثة جراحية من وراء حادث مروري، أو طعنة سكينة من أخ لأخيه آثر حل المشكلة بالغدارة والخنجر؟
والذي حدث مع زوجة الطبيب أنها استمرت تشكو من الصداع الذي يكاد يفجر رأسها، ثم لاحظ الجراح على زوجته أنها بدأت تتغير في تصرفاتها، فلقد أصبحت أكثر عدوانية فهي تغضب مع كل تصرف، كما اتسمت تصرفاتها بالغرابة فَطَبق (السلطة) كان مترعاً بالملح وبشكل يومي، فصرخ الزوج في وجهها: لاشك أنك جننت وهناك شيء ما في رأسك؟
وعندما استلقت الزوجة تحت جهاز التصوير الطبقي المحوري (CT - SCAN) أظهرت الصورة ورماً متقدماً في الفص الدماغي الجبهي المسئول عن الشخصية، الذي كلفها فيما بعد شلل الأطراف الأربعة.

فك لغز الجينات البشرية (مشروع HGP) ومغزاه التاريخي : والسؤال ما هو السبب على وجه التحديد الذي كان خلف التحول السرطاني عند هذه السيدة الشابة؟ إننا كأطباء لا نملك الرد على هذا النقطة!! وهذا يفتح الباب على فلسفة الطب، فلماذا تتمرد الخلايا على النظام العام، فتعلن ثورة على التناسق الخلوي في البدن، ولماذا تنفجر أمراضٌ بعينها بين الحين والآخر على النحو الذي عرض في الفيلم الأخير (الانفجار الفيروسي ـ OUTBREAK)(1) بل ماهي حكمة المرض والمعاناة في هذا الوجود!! لماذا كنا مطوقين بالمرض والعجز والشيخوخة.
والآن والذي يجعل الخلايا تغير سيرتها في السرطان فتتحول من خلية عادية إلى خلية ورمية حميدة أو خبيثة!
لا يوجد عند الطب إجابة واضحة ومحددة، إذ لو كانت الإجابة موجودة لسار الاتجاه في طريق العلاج، وهذا التحدي مضاعف الوجه فلا يعني قهر بعض الأمراض أن المعركة انتهت معها إلى الأبد، بل هناك إمكانية أن تغير طبيعتها فتقوم بهجمة جديدة كما هو الحال الآن مع بعض الزمر الجرثومية التي كانت طيِّعة فيما سبق، فأصبحت جسورة معندة تعيث في البدن الفساد، والطب يتفاءل اليوم أنه بعد فك أسرار الجينوم البشري (HUMAN GENOM PROJECT) أنه قد يصل إلى الإجابة على بعض الأسئلة المفتوحة حتى الآن.
ونظراً لأن الكروموسومات الموجودة داخل نواة الخلية التي يبلغ عددها 23 زوجاً تحوي حوالي ثلاثة مليارات من الجينات (2) فإن فك الشيفرة قد يتطلب مسيرة عقد أو عقدين من السنوات القادمة، والعمل اليوم قائم على ساق وقدم في هذا المشروع الذي هو أعظم من مشروع (ناسا) لارتياد الفضاء، وبفهم الشيفرة الوراثية سوف نشق الطريق لأشياء في غاية الخطورة أبرزها المسؤولية الفعلية للجينات ووظائفها على وجه الدقة، بل وربما أيضاً السر خلف حياتنا القصيرة، ففي الوقت الذي ينضج فيه الانسان تتخطفه يد الموت.
هل يا ترى أن الجينات بُرمجت، بحيث أنها تحقق انقساماً خلوياً محدوداً، يقف بعد عدد معين؟ ثم كيف يعمل الاستقلاب في الجسم، فبدننا ينمو وينهدم في اللحظة الواحدة، وتموت الملايين من الخلايا مع كل ثانية، ولكن الجسم يقوم بعملية الترميم التي لا يخطئها، إلا أن محصلة عملية الهدم ـ البناء تمشي مع الزمن ضد الجسم بحيث تسلمنا هذه العملية في النهاية إلى يد الموت.
إن الجدلية في هذا الحقل، هو أن الكشف العلمي عن أمر، يقود ليس إلى تقلص هامش المجهول؛ بل زيادته وبشكل تسارعي، فنحن عرفنا في مرحلة أن الدم سائل متجانس أحمر اللون يمشي في العروق، ثم اكتشفنا أنه يحوي كائنات محددة هي الكريات الحمر والبيض والصفيحات الدموية، وحتى الكريات البيضاء فصائل وأنواع، ثم اكتشفنا أن الكرية الحمراء التي تشبه رغيف الخبز، تقوم برحلة في مسارات البدن تبلغ 1500 دورة يومياً ولمدة أربعة أشهر (120 يوماً) تقطع فيها ما يشبه رحلة ماجلان في دوران الكرة الأرضية، ويتخرب يومياً 240 مليار كرية؛ ليتجدد بدلاً عنها نفس الرقم (3) ثم اكتشفنا أن تركيب الكرية الحمراء يشبه الخرسانات المسلحة؛ فالهيموغلوبين (الخضاب ـ البناء البروتيني الداخلي) مسلح بذرة حديد!
ثم اكتشفنا أن الدم يقوم على توازن دقيق بين التخثر والتميع في آليات رهيبة لحفظ توازن الجسم، ضمن مجموعة ضخمة من آليات التوازن، وعند دراسة العوامل التي تؤثر في تخثر الدم تلاحقت الاكتشافات وتم إماطة اللثام عن عوامل تجاوزت العشرة عدداً، وهكذا فمع كل حركة اكتشاف نكتشف جهلنا بدون حدود، وإن كنا نزداد علما، فهذه هي جدلية الوجود والقانون المسيطر.

الانسان يمثل موكبا من الاشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة:
تحت ضغط هذه الأفكار سطر جراح الأوعية المشهور (الكسيس كاريل) تأملاته في كتابه (الانسان ذلك المجهول):
(وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهوداً جبارا لكي يعرف نفسه ولكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان فإننا نستطيع أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، أننا لانفهم الانسان ككل إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة)(4).
أخطاء قاتلة تترصد المضي في التخصص المنفرد :
وإذا كانت البيولوجيا بمثل هذا التعقيد فإن التخصص ولاشك يفيد في اكتشاف الأعماق، ولكن مشكلته أنه يضيع حاسة الاتجاه التاريخية فالتخصص الطبي سلاح ذو حدين، بل حتى تقسيم المعارف إلى درجة فقد الصلة ببعضها، فيحصل نوع من ( التشريح ـ ANATOMY ) المعرفي لجملة المعارف، والتشريح في الواقع هو عمل على جثة ميتة، أو رؤية البعوضة تحت المجهر المكبر حيث نرى تركيبها وأجهزتها، ولكننا لن نرى مطلقا كيف تحفر في جلدنا بنصلها؟ وكيف تمص الدم وكيف نصاب بعد دقائق بنوبة فظيعة من حك الجلد!
إن التخصص الطبي ينمي المعارف ويسرعها في اتجاه عمقي شاقولي ولكن فيه ثغرتان قاتلتان:
ـ الأولى: خطورة الاستغراق الاختصاصي حيث يمثل نزولاً في نفق يشبه (قمع الزيت) كبير المدخل والفوهة، ولكنه يمشي إلى العمق بشكل لولبي يزداد ضيقه بشكل متدرج، ليصل في النهاية إلى ثقب أعمى، مما قد يحيل العلم ـ أي علم ـ في النهاية إلى الامتصاص والاندثار داخل هذا الثقب الأسود، فيفقد صلته مع باقي الفروع العلمية، أي الانفكاك عن الواقع والحياة.
إن العضوية تعلمنا الدرس الكبير في تفاهم الأعضاء وتجانس الخلايا، فالجهاز الهضمي عندما يضطرب يترك بصماته في اضطراب نظام السوائل والأملاح في الجسم، فالأعضاء لا تتصرف بشكل منفرد بل بتفاعل وثيق بين بعضها بعضا، بحيث أن كل خلية أو جهاز يعمل في مستوى وظيفته ولكن بشكل مؤثر ومتأثر، وكذلك أمراض الجسم فلا يمكن فهم (أمهات الدم ـ ANEURYSM) بمعزل عن وظائف الكبد، ولا ارتفاع الضغط بغير معرفة وضع الكلية، ولا حدوث الدمامل وكثرة الأكل مع انهيار وزن الجسم المتواصل بدون الانتباه إلى مرض السكري، فالجسم ومعه النفس تعمل كوحدة متكاملة، وهذا يعني أن العلم يجب أن يعمل مثل حياكة (القماش) أي بالمستوى الشاقولي والأفقي.
وهذه النقطة هامة في تعامل الأطباء بين بعضهم بعضا، فيعامل الجسم البشري ليس كعظم منفرد، أو عضلة تائهة، أو جهاز هضم مستقل معلق في الهواء!.

الثانية: تفكك شبكة المعرفة الانسانية
فالبيولوجيا هي حقيقة ممزوجة من مجموعة حقائق متشابكة، وطيف عريض من الكيانات المتفرقة، وخلفية الانسان ليست جهازا عضليا، أو مجموعة من الأربطة والأوتار، أو شريانا ينبض ووريدا يضخ الدم، بل هو كيان إنساني، هو شبكة ثقافية متنوعة ومعقدة؛ بين كونه رب عائلة ومهنة موظف وذو اهتمامات رياضية أو محصور في مناخ جغرافي محدود وبيئة ثقافية بعينها، فكما يجب أن نلم ونشد ونوتر الشبكة الطبية بالربط بين فروعها للوصول إلى تراكم معرفي وفهم أفضل للبيولوجيا، كذلك يجب مسح الانسان بين البيولوجيا والسيكولوجيا والتاريخ والجغرافيا والعرق واللون والجنس والدين والثقافة، للوصول إلى تعامل أفضل معه،
فلسفة العلوم (الابستمولوجيا ـ EPISTEMOLOGY):
شاعت هذه الكلمة (الابستمولوجيا) في الفترة الأخيرة ومصدرها اللغة اليونانية وهي مكونة من كلمتين (EPISTEME) ومعناه علم و (LOGOS) ومعناها علم أو نقد(5) فتكون اللفظة السابقة تعني علم العلوم أو فلسفة العلم، وباستخدامنا لهذا المصطلح نريد أن نصل إلى تقرير قضية العلم وخلفيته الفلسفية.
إن العلم لا يفهم بدون إطاره الفلسفي والتاريخي، والفلسفة هي تلك الشجرة الضخمة التي تؤلف الميتافيزيقيا فيها الجذور العميقة الضاربة في التربة، والعلوم المتفرقة بما فيها الطب فروعها الممتدة في السماء، كما أن هناك علاقة جدلية بين العلم والفلسفة، فالعلم يقوم بقفزات نوعية من حين لآخر منشئاً قطيعةً معرفية (ابستمولوجية) مع المستويات العلمية السابقة، كما حدث مع فكر (ابن رشد) والفلسفة اليونانية؛ حيث تم الدخول إلى فضاء معرفي جديد يقوم على منظومة الشك ـ اليقين، والتجربة ـ الاستقراء، وكذلك الحال في فلسفة (رينيه ديكارت) التي دشَّنت الدخول إلى عصر عقلي جديد، ينطبق هذا أيضا على فكر (إيمانويل كانط) الذي أرسى في كتابه (نقد العقل الخالص) بناء الميتافيزيقيا على الضرورة الأخلاقية، كما ينطبق على (غاليلو) الذي رأى أن الوجود له لغة خاصة به هي لغة الرياضيات، وفي اللحظة التي نفك رموزها نصل إلى الحقيقة النهائية فيها.
وأما (اسحق نيوتن) فقد استطاع في لحظة تجلي روحية أن يقبس من روح الكون قبسا يسطر فيه كتابه الموسوم (الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية) حيث حرر قوانينه المشهورة الثلاثة في الميكانيكا، وبنى نظاما في غاية التناسق والانسجام، واستطاع اكتشاف قانون الجاذبية، وكان ذلك عام 1687م في الوقت الذي كان الأتراك العثمانيون ينهزمون أمام أسوار فيينا في حملتهم الثالثة.
وبقيت هذه المنظومة المعرفية حتى اهتزت الأرض من تحتها مرة أخرى، وكان ذلك من خلال التراكم المعرفي حيث تولدت النظرية النسبية وميكانيكا الكم، فتم إزالة مفاهيم (كانط) بالزمان والمكان القبلي، وإزالة المكان والزمان المطلقين عند نيوتن، وتم دمج الزمان بالمكان فأصبح الزمان البعد الرابع، والطاقة بالمادة فأصبحا وجهان لعملة واحدة.
وأما ميكانيكا الكم فقد شطبت مفهوم (الحقيقة الموضوعية) و(الحتمية) في القوانين، تلك التي وصلت منزلة التقديس في القرن التاسع عشر للميلاد، من خلال مبدأ الارتياب الذي جلاَّه الفيزيائي الألماني (فيرنر هايزنبرغ) والبريطاني (بول ديراك).

العلاقة الجدلية بين العلم والفلسفة:
العلم لا ينمو إلا في إطار خاص، وفي مناخٍ عقلي مناسب تستنبت بذوره بكل رحمة وحب، وهذا الإطار الفلسفي هو الذي يشكل مرجعية العلم في أول الطريق؛ ليتحول مع الوقت الى (الإيديولوجيا) التي تخنق تقدمه، مما يحتاج إلى (ابستمولوجيا) جديدة محررة، وهكذا يمشي نظم التاريخ.
سيطر الفكر اليوناني لحوالي سبعة عشر قرنا وتحول مع الوقت إلى طاغوت رهيب، وهكذا أحرق أناس من أجل آراء بطليموس في النظام الشمسي مع كل مظاهر التصدع في النظرية، وعدم القدرة على التفسير مع الوقت، وسيطرت فكرة (الآتوم ـ ATOM) أي الذرة أنها الجزء الذي لا يتجزأ، حتى أنهت هذه العقيدة الوثوقية تجربة آلامو جوردو في تفجير السلاح النووي، وكان الانعطاف التاريخي على يد رواد الفكر في العالم الإسلامي، فهم الذين أنهوا سيطرة المنطق (الصوري) ليُدفع العقل بالاتجاه القرآني، أي تأمل الواقع (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) وهكذا ولد مبدأ (التجربة والاستقراء) فكان العقل الإسلامي يلعب الدور المحوري المفصلي في نقلة العقل الانساني، من المرحلة (الأسطورية) إلى المرحلة (العلمية) خلافا لما ذهبت إليه الوضعية على يد (أوجست كومت) ثم الوضعية المنطقية بعد ذلك على يد (إرنست ماخ) النمساوي، اللذين رأيا تطور العقل الانساني يتنقل من المرحلة البدائية إلى المرحلة الميتافيزيقية، ليصل إلى المرحلة العلمية الوضعية، صحيح أن كومت انتبه الى القوانين التي تحكم المجتمع، وبذلك يكون قد تابع مسيرة ابن خلدون في إدراك قوانين المجتمعات، ولكنه لم ينتبه وغفل عن التجلي الإسلامي في إطلاق الشرارة العقلية الكبرى عبر كل التاريخ، وهذه النقلة القرآنية واضحة جداً من النسق القرآني (6) الذي ألغى فكرتي:
ـ المعجزة كدليل مادي للوحي في الوقت الذي كررها بشكل واضح في عشرات الأمكنة للأنبياء الآخرين، وهذا يشي بتدشين عصر جديد.
ـ وكذلك فكرة ختم النبوة؛ فالقرآن بهذه الكيفية توسط عصرين وفصل بين مرحلتين، فهو من العالم القديم، ولكنه بشر بمولد العقل الاستدلالي ودعا الى تثبيته كونه أمرا كسبيا، وهذا يفيدنا أيضاً بأن نفهم القرآن بأنه ليس كتاب فيزياء وكيمياء ورياضيات وطب، بل هو ذلك الكتاب الذي يولد المناخ العقلي الذي يفرز كل هذه العلوم.
ونفهم من هذا أيضاً أن عمليات اللهاث لاعتصار الآيات لاستخراج الكشوفات العلمية منها منهج خائب في عدة مستويات، فسرعة الضوء كشفها (فيزو) بوسائط فيزيائية بحتة، وبدون نصوص مقدسة يرجع إليها، في الوقت الذي يسعى البعض لمحاولة اكتشافه في بعض الآيات!
وضمن هذا المناخ الصحي نبت قديما العلم الإسلامي، ويمكن أن ينبت مرة أخرى ضمن نفس الشروط، وبنفس هذه الدورة التاريخية ارتفع أناس؛ فاسحق نيوتن لم يكن لينقدح في ذهنه قانون الجاذبية لأنه رأى سقوط التفاحة، فجده طيب الذكر لم حرك فيه منظر سقوط تفاح الحقل أكثر من شهية قضمها، كذلك الحال في (دينيس بابين) الذي رأى في تراقص غطاء أبريق الشاي مفاتيح طاقة البخار.
وأما ديكارت التي كانت الذبابة تطن مزعجةً بجانب أذنه فقد أوحت له بمبادئ الهندسة التحليلية، حيث استطاع بعبقرية أن يمزج علم الجبر بالهندسة.
وفي السنة التي أعلن فيها (كوبرنيكوس) نظامه الشمسي الجديد كان (فيزاليوس) يشق الطريق عبر الجسم البشري للمرة الأولى في التاريخ الأوربي، فيدخل عالم (التابو) أي تشريح الجسد الميت الذي كان يعتبر مسه بعد الموت حجرا محجورا. وهكذا فحل المعضلات العقلية الكبرى والانبثاق العلمي مرهون بتغير المناخ العقلي والإطار الفلسفي لروح العصر، الذي يُمكِّن الجماعات الإنسانية من إعادة النظر في المنظومة المعرفية التي تحملها.
ويقع الأطباء والجراحون منهم بوجه خاص في خطأ مميت حينما يتعاملون مع الجسد الانساني كقطعة قماش أو ماسورة مياه، كقطعة غيار أو صامولة تفك، برغي يركب أو قطعة زائدة تستأصل، حينما يفترسهم الروتين وتسيطر عليهم العبثية، أو تغشاهم سحابة السطحية، حينما لا يخشعون حينما يكشفون الغطاء عن الجمجمجة، أو يحدقون في انسيابية الدم، حينما يمرون لاهون على النَظم الرائع والسحر المدهش الذي يتجدد مع كل لحظة في عجائب الخلق، بين دم ينساب بكل لطف في مسارات تصل عشرات الألوف من الكيلومترات، في مرور حاشد أعقد من أكبر عاصمة في العالم، بدون شرطي واحد ينظم المرور، وبدون زمامير وأصوات صاخبة، ماكينات بيولوجية تحمل العمل الذاتي والصيانة الذاتية والخلق المتجدد بنفس الوقت، فإذا ارتفعت الأصوات واللغط في ناحية دل على انتفاخ الشريان (MACHINARY MURMER) ذلك الشريان الحكيم الذي يحمل من الاحساسات التي لا نفهمها؛ فإذا تدفق الدم منه بجرح، أوعز لجنود لا نراهم في سد الثغرة وإحكام الثقب، واستنجد بالعضلات لتشد أزره في المحنة، فإذا بنهاية الشريان قد التوت على نفسها فأنقذت مملكة البدن بكاملها من الانزلاق نحو الموت. هذا التعانق والالتفاف والمرافقة والصحبة التي لا تكف بين الشريان والوريد وكأنهما العشيقان الولهانان، والحبيبان المغرمان، فهما لا يصبران لحظة واحدة عن البعد والفراق، فعطشهما وولعهما ببعضهما بدون حدود!
الشريان الذي يذكر بالرجل بقساوته وهشاشته بنفس الوقت، والوريد اللطيف الذي تحرض رؤيته ذكرى الأنثى بنعومتها وطاقتها في التحمل كونها خزان الرحمة.
هذا الطيف العجيب من الألوان في الجسم، وكأننا في مهرجان كوني واحتفال كرنفال بكل الأصوات والألوان، يلمع في الأفق سحابة مظللة بقوس قزح، بين اللون الشرياني الأحمر القاني، والسائل الكبدي الذهبي، وخلاصة الحويصل المراري الأخضر، والبول الأصفر، والحليب واللمف الأبيض.
وفي نهاية الطيف من حيث بدأنا من الأوعية، اللون الأزرق الوريدي، وكأن ساحة الأوعية هي اللون الأبيض الذي يجمع عصير الألوان الكاملة.
ثم هذا المزيج من المذاقات بين عصارة المعدة الحامضة، وسوائل الأمعاء القلوية المرة، وحلاوة السكر في سائل الدماغ، الذي يسبح فيه وكأنه مربى الفراولة، والمرارة المنفرة المتدفقة من النظام الكبدي.
هذا التشابك المحير بين النظم الالكتروني في الدماغ، والسيالة الكهربية في القلب والدماغ، والتنظيم الهورموني بين الغدة النخامية في قاعدة الجمجمة والكظر فوق الكلية والغدد التناسلية، والتناسق العضلي العظمي العصبي بتناغم الاستيل كولين يرخي ويقبض
أين الإرادة بل أين الروح؟ كيف يفكر الانسان؟ كيف يتذكر على وجه الدقة؟ أين هي ملكة التخيل؟ كيف تعمل النورونات العصبية، وعددها مائة مليار خلية عصبية، تعمل كوحدة متناسقة وككل مشترك؟
إن هذا الجسم هو الخزان الأكبر للحكمة والفلسفة، وهو المعلم الناضج لدروس التأمل والعبرة، وهو المزرعة الخصبة لاستنبات وتوليد الومضات الفكرية التحليقية المجلية، وهو الملهم لأفكار ثورية رائدة، تقلب المفاهيم الطبية بين الحين والآخر، كما حدث مع جراحة اليزاروف الذي عالج العظم بكسره، ونحن لا نعرف عن العظام إلا أنها تحتاج للتجبير، بسبب فكرة ملهمة في تسخير آليات النمو لغرض التطويل وإصلاح التشوهات.
وكل الزاد الذي نحتاجه هو المزيد من الصبر والخشوع والتقوى في تأمل ظاهرة الحياة والموت، وكيف تتكلم بلسانها الخاص، فالحياة أعظم فيلسوف أنتجه الرب وفاض به على الوجود.. الرحمن فسأل به خبيرا.
هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟


مراجع وهوامش
(1) في هذا الفيلم تم عرض انتشار فيروس دموي قاتل انتشر من قرد جلب من الخارج وكان الفيروس قد غير طبيعته فبدأ ينتشر عبر الهواء مثل فيروس الرشح العادي (2) داخل نواة الخلية توجد أشكال خيطية تصطبغ بالألوان بشدة سميت الصبغيات أو الكروموسومات وعددها 23 زوجاً يعتبر الزوج الأخير منها مسئولا عن التكوين الجنسي ذكراً أو أنثى، والواحدة منها حبل أو سلم ذو طول مخيف، وطرف أو جانب السلم مكون من قطع متراكبة فوق بعضها، وكأنها التمر في شجرة النخيل والعدد الإجمالي لحب البلح هذا حوالي ثلاثة مليارات، وكل مجموعة منها مسئولة عن تشكيل شيء في جسدنا سواء الطول أولون العين أو الزمرة الدموية وهكذا (3) الطب محراب الإيمان للمؤلف ص 123 دار الكتب العربية (4) الانسان ذلك المجهول ـ الكسيس كاريل ـ تعريب شفيق أسعد فريد ـ مكتبة المعارف بيروت الطبعة الثالثة ـ 1980 ـ ص 15 (5) مدخل إلى فلسفة العلوم ـ محمد عزام ـ دار طلاس ص 10 (6) يراجع في هذا كتاب تجديد التفكير الديني لمحمد إقبال فصل الثقافة الإسلامية.