خبر سعيد هل هذا اليوم على غير العادة:
مكتب السلام الدولي يمنح جائزة شون ما كبرايد للسلام للعام 2011 إلى هناء أدور الناشطة العراقية في مجال حقوق المرأة والديمقراطية!
كانت مفاجأة لها حين أبلغها بذلك ممثل الشرق الأوسط في المكتب العالمي، الناشط العراقي محسن شريدة، وحين سألته لماذا لم تبلغوني بتحضيراتكم لذلك من قبل؟ قال لها ضاحكاً: كنا نتآمر عليك!
![]() |
| هناء أدور |
وقرأ عليها القرار : يسر مكتب السلام الدولي أن يعلن عن كون جائزة شون ما كبرايد للسلام تمنح هذا العام إلى فرد ساهم بعدة طرق مختلفة في تقدم الديمقراطية وحقوق الإنسان، واتخذ موقفاً ثابتاً ضد العنف والحرب.
هذا المكتب مؤسس منذ عام 1892، ويمنح جائزة باسم رجل الدولة الإرلندي المتميز الذي اشترك بنيل جائزة نوبل للسلام عام 1974 ويمنح جائزته، سنوياً لأفراد أو منظمات عن عملهم البارز من أجل السلام ونزع السلاح وحقوق الإنسان!
وقد نال المعهد جائزة نوبل للسلام، ويكرس نشاطه لرؤية عالم خال من الحروب، وعبر الأعوام نال جائزة نوبل 13 ممن حازوا جائزته وتحمل عضويته، 320 منظمة عالمية في 70 بلدا،إضافة لأفراد وشخصيات معروفة!
ويعقب الرئيس المشارك لمكتب السلام العالمي المحامي السويدي توماس ماغنوس قائلاً (إن هناء أدور ناشطة استثنائية معروفة جيداً في أنحاء العراق بمواقفها القوية بالنسبة للعملية السياسية بطيئة الحركة بين السياسيين، إنها شجاعة وحياتها معرضة دائماً للخطر، لكنها لم تتباطأ بأي شكل في مهمتها، إنها الأكثر جدارة، لنيل الجائزة، مصممة نشيطة، ذات سجل نشاطات يثير الإعجاب لتعزيز حقوق الإنسان، والديمقراطية، ولتطوير المجتمع المدني والدفاع عن حقوق المرأة، كانت وما تزال متحدية ومتحدثة صريحة، بلا كلل تجاه الأحزاب الحاكمة والبعثيين والسياسة التي يسيطر عليها الرجال بشكل عام! وقد أقامت لها الجالية العراقية في مدينة يتبوري السويدية احتفالاً تكريمياً خاصا! حضره جمهور غفير استمعوا فيه لحديث طويل من هناء أعقبه حوار ونقاشات حول الوضع في العراق، في هذا الظرف الدقيق، وقد أشاع خبر الجائزة جو تفاؤل في مزاج الكثيرين!
ـــ
المقال:
من بين ركام الخراب وأجواء القنوط والتوجس في العراق تبرز بين فترة أخرى أعمدة نور تفتح أفقاً للأمل، هناء أدور ونساء شجاعات نادرات يقفن اليوم مصابيح في لجة الظلام، كم نحن سعداء إذ تأتي هناء إلينا في منفانا البارد، لتمنحنا نفحة من قلبها، ومن تجربتها النضالية الكبيرة!
هناء، سنوات دراستنا معاً في كلية الحقوق، ستينات القرن المنصرم، كانت الأجمل بيننا، متأججة الروح، مضيئة العقل، برشاقتها وملابسها البسيطة الأنيقة، وابتسامتها التي لا تفارق محياها، دائبة الحركة لا تهدأ بين أروقة الكلية، ومقاعد الدراسة تمنح من حولها كلماتها الطيبة، ومنشورها السياسي، فكان لكتب القانون الجافة بيدها نكهة أخرى!
قدمت إلى بغداد من البصرة تحمل بين جوانحها ذكريات نشأتها في كنف أسرة كادحة، واشراقات أفق الميناء المفتوح على البحار البعيدة، وعبق أشرعتها ونوارسها، وعرق كادحيها، مع جراحات اعتقالها وتعذيبها وهي صغيرة من قبل الحرس القومي لانقلاب شباط الدموي عام 1963!
كونت لنفسها نظرة خاصة متوازنة كانت مزيجاً من شتى الينابيع، استقت من المسيحية تسامحها العظيم، وحرصها على محبة البشر، وروحانيتها العالية، ومن الماركسية ماديتها الحاسمة، وجذوة الثورة، والطموح للأهداف الكبيرة التي تصل حد المستحيل، ومن وجوديتها المضمرة، التزاماً لا حدود له، حتى أنها أخذت على عاتقها الهموم صغيرها وكبيرها، كل ذلك جعلها راهبة في سوح النضال، ومناضلة في جلجلة روحية لا تنتهي، ومن هذه المنطلقات ظلت تغتني من مختلف الأفكار والاتجاهات والأمزجة الإنسانية!
هي اليوم بإهابها البسيط المتقشف تمثل أهم سمات جيلنا الذي شق طريقه في عصر طاحن مرير، تحدوه آمال وأحلام كبرى، تهاوت واحدة تلو الأخرى، فعاد مثخناً بجراحاته وانكساراته!
خاضت النضال الشاق، لم تفكر بأنوثتها كعائق لها، بل كمحفز وسبب لمزيد من العمل والعطاء!
لم تكن شاهدة من بعيد، عادت من منفاها في ألمانيا إلى العراق لتلتحق بصفوف الحركة المناضلة ضد النظام السابق، فعانت مع شعبها المنعطفات التاريخية الحادة، وومضات الأمل الخلاب ونكباته! فصارت كل لحظة من تاريخها ممزوجة بأحزانها وبعذابات المناضلين الحقيقيين، ذلك الجيل الكبير الذي قدم التضحيات الكثيرة، وحاول التغيير بكل بسالة وشجاعة مجابها قوى عاتية، ولكن ماذا تفعل سفينة تغدر بها أنواء البحر، وتخذلها بوصلتها المختلة منذ البدء؟
لقد ظل جيل التضحيات والإنكسارات حتى اليوم موزعاً بين روح نقية عنيدة، وعقل يجهد لوعي ما حدث!
ربما لم تصغ هناء لمن قال أننا جيل الخيبة والهزيمة!
لكنها بالتأكيد سألت نفسها مع الملتاعين والغاضبين : لماذا جرى الذي جرى؟ لماذا حل هذا الخراب الشامل؟ من هو المسؤول؟ ولماذا بقينا لا نخرج من محنة إلا لندخل أخرى؟ هي ردت على كل ذلك بمواصلة اندفاعها الثوري بصيغة أخرى منغمسة بالعمل والصمت، ومن يدري قد يكون هذا هو الجواب الشافي، ما دامت التنظيرات والتحليلات تتردد بين مأزق وآخر، و بين تبرير وآخر! مضت مع رفيقات لها في محاولة إنهاض الحركة النسوية في العراق التي انكفأت إثر ضربات القوى الرجعية التي تعاقبت على قيادة السلطة في العراق منذ أكثر من نصف قرن،وحتى اليوم،واستعادة وجوه رموزها الكبيرة المؤثرة الملهمة!
تطل علينا الآن منهن الطبيبة نزيهة الدليمي التي نذرت حياتها لمعالجة المرضى المعوزين في أرياف العراق دون اعتبار لنزعة طائفية أو قومية، وعملت أواخر الخمسينات من القرن الماضي على صياغة أفضل قانون للأحوال الشخصية في بلد إسلامي تنتهك فيه عادة حقوق النساء واليتامى والضعفاء، وذهبت عام 1959 لتستلم منصب وزيرة البلديات كأول وزيرة في الشرق الأوسط، مستقلة باص مصلحة نقل الركاب، وحين أعفيت من منصبها بامتثال عبد الكريم قاسم للمد الرجعي، خرجت من الوزارة لا تحمل شيئاً من راتبها، فقد كانت تصرفه على الفقراء والمحتاجين الذين لا تستطيع ميزانية وزارتها إسعافهم!
نساء عراقيات كثيرات ضحين بأرواحهن وبدفء العائلة، من أجل قيم ومبادئ كبرى، فذابت أسماؤهن في تاريخ عراقي يتسم عادة بالجحود والنكران!
لقد كان العالم أكثر وفاءً فاحتفى بهناء ومنحها جائزة كبرى،محتفياً من خلالها بتاريخ النساء العراقيات،الزاخر الجميل!
لقد تحطمت الحركة النسائية التقدمية تحت وطأة القمع والحروب والحصارات الطويلة، وصار واقع المرأة اليوم مزرياً وكئيباً جداً، ومع ذلك لم يسمح القائمون على الأمور للنساء بتولي المسؤوليات الوطنية على أساس الجدارة والاستحقاق، بل على أسس طائفية وعرقية وعائلية، وعلى تحالف المال السياسي مع الفتاوى، والضغوط الخارجية، فغيبت ذوات الخبرات والامتداد الحقيقي لأمجاد المرأة العراقية!
حين تصدت هناء لرئيس الوزراء صنعت لحظة تاريخية تصادم فيها مستقبلان، مستقبل يتجه نحو الماضي حيث الطوائف والأحقاد والعتمة والشقاء، ومستقبل نحو الحياة، والبشر الأسوياء، وتسامح الناس، وسعادتهم تحت أنوار العصر!
هناء،لا يزال التاريخ يلقي عليك وعلى رفيقاتك مهماته القاسية،حيث وضع في أيديكن الكثير من مفاتيح غده المختلف، ولنا الثقة أنكن ستحافظن عليها، رغم العواصف السوداء!







التعليقات