قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في البداية نتساءل عن الحاجة الملحة والضرورية للاصلاح الديني، هل يحتاج الناس اليوم الى الدين أكثر من أي وقت مضى؟ ما الدافع اليه؛ هل بسبب إعراض الناس عنه، أم بسبب إقبالهم عليه؟ أم أن الأمر يتعلق بإنفلاتات تتجلى في التشبت بقراءة متشددة للدين، وبذلك يراد تقديم منظور للدين مخالف، أو ربما يواكب العصر ويتكيف مع تطوراته؟.
الاصلاح الديني من حيث المفهوم ارتبط ظهوره بأوربا مع مارثن لوثر(1483-1546) martin lauter كرد فعل على الممارسة المنحرفة للكنيسة، وقد ركز البروتستانت على إيقاظ همم المسيحيين، وبتبني التجارب الدينية المرتبطة بالواقع وإحياء الجانب الروحي عكس ما كانت تمارس الكنيسة من طقوس وابتزاز، وقد رفع البروتستانت شعار الكتاب وحده؛ أي الكتاب المقدس.فنجحت بذلك في الحد من نفوذ وسلطان رجال الدين، وصدهم عن التدخل في المجال العام.أما في بلداننا قد ارتبط الاصلاح الديني في الآونة الاخيرة بحدث 11سبتمبر، وكذا تنامي ظاهرة الارهاب العالمي المرتبط بالدين وتحديدا quot;بالاسلامquot;، من خلال خطاب quot;القاعدةquot;. وقد اكتوت بلظاه جميع البلدان العربية الاسلامية.
الحديث عن الاصلاح الديني- بصفة عامة يطال وينطبق على كل فكر ديني خاصة الفكر المسيحي واليهودي؛ وهذا لا يعني أن الاسلام كديانة لا يختلف عن المسيحية واليهودية نظرا لخصوصيته، ولو لم تكن كذلك لذاب في الديانتين ولانتهى أمره.
موضوعة الاصلاح الديني كتب حولها الكثير من مختلف البلدان العربية الاسلامية بدافع وحيد تحديث المجتمع والدفع به الى مصاف الدول المتقدمة، انطلاقا من رؤية تربط الاصلاح السياسي بالاصلاح الديني.
فبل الاشارة الى تداعيات صيحات ودعاوى الاصلاح الديني، يجدر بنا أن نضع ملاحظات أولية على المنوال التالي:
الاصلاح الديني والدين لابد أن نفرق بينهما فالاصلاح الديني مشروع أو إجتهاد بشري، يتسم بالنسبية؛ طالما أنه يعبرعن اجتهادات فردية تتغيا الاجابة عن تساؤلات من صميم الدين وليست هي الدين، إذن، هي أفهام مرتبطة بواقع وزمان وظرف معين، ولذلك فأي أطروحة للاصلاح الديني ليست بمنأى عن المساءلة والنقد، ولاينبغي التسليم بها دون البحث في خلفياتها ومراجعة قبليات أصحابها.
أما الدين فهو مبادىء وقيم وتعاليم، ليس من صنع البشر؛ لأن مصدر تعاليمه إلهي، لذلك، الدين لايخضع للتطور والتغير طالما يثوي حقيقة مطلقة تسعى البشرية الى الوصول إليها، فالدين لا يمكن بهذا المغنى أن نطالبه بأن يتطور ولكن فهوماتنا له ومعرفتنا به هي التي ينبغي أن تتغير.
تحديث الاصلاح الديني وتطويره وتجديده، يستدعي استحضار المنطلقات التي يجب أن ينطلق منها المتصدي لهذه العملية ولن يكون هذا المنطلق إلا النص المقدس الذي يحتوي على المضمون الديني المراد إبلاغه وإيضاحه، والتوصل الى ذلك لن يتأتى إلا عن طريق التوسل بأدوات وآليات محددة، يتم استخدامها في استنطاق النص المقدس (القرآن والسنة) لتوليد معنى جديد منه.
وهنا، نتساءل عن كيفية إدراك مراد الله؛ هل عن طريق ما أومأنا اليه آنفا؛ أي بأدوات خاصة، أم عن طريق فهومات بشرية؟ بأي منهج يجب أن نتعامل، هل بمنهج السلف أم بمنهج الخلف؟ وأين نضع العلوم الانسانية في علاقتها بالنص الديني، التي طرحت أسئلة عميقة ودقيقة حول محتوى النص الديني؛ حيث شككت في قدراته على مواكبة حاجيات الانسان المعاصر؟
الاصلاح الديني ليس دعوة نفعية عملية براغماتية للتكيف مع مقتضيات العصر، أو الاستجابة لاملاءات غربية، وضغوط خارجية، فهي دعوة قديمة؛ حيث كان وما يزال كل عصر وكل جيل يجابه أسئلة من صميم الدين، ويجيب عنها وفق ما توصل إلبه فهمه وقتئذ، وبحسب قدراته وأفقه، وانتظاراته من الدين.
الاصلاح الديني ضرورة واقعية وإنسانية؛ نظرا لما لها من انعكاس على الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فأوربا quot;المسيحيةquot; لما فتحت ورش الاصلاح الديني؛ حيث حسمت المسألة الدينية في علاقتها بالسياسة، استطاعت أن تنطلق نحو آفاق التقدم والرفاه، قد يبدو هذا الإجراء من الصعوبة قياسه على الوضع العربي الاسلامي؛ لان مقدسها الجمعي ليس بالسهولة أن تزحزحه، بله تغييره، بالرغم من ذلك فإن أوربا لم تقص الدين بالمرة من الحياة، فقد ظلت حياة الانسان الغربي مستحضرة الدين، دون أن يفرض عليه نمط من الاعتقاد الميتافيزيقي.
ظل الاصلاح الديني عبر الازمان دعوة متواصلة، حيث برز رواد كثر من أديان مختلفة ثاروا على الاوضاع الدينية القائمة والسائدة، وأسس البعض منهم أرضية ابستمولوجية يقوم عليها الدين، بيد أن البعض الآخر حافظ على ذات الأرضية مستلهما أفكارا جديدة، لبناء إصلاح على أسس متينة، تقطع مع الأطر والأشكال الكلاسيكية التي ألفها المسلمون في حياتهم.
إن السؤال المركزي الذي يحرك الباحث والمثقف والعالم مفاده: ما السبيل لتحقيق التقدم والتنمية مع الحفاظ على الثابت الديني؟
معظم الكتابات في العقدين الأخرين ركزت عن الاجابة عن هذا السؤال، وكلما حلت بالبلدان العربية الاسلامية أزمة الا وانبعث هذا السؤال، ويبرز إلى السطح كلما تعثرت المشاريع النهضوية، ومع فشل المشروع الأخير quot;مشروع الاسلام السياسيquot;، توحد الجميع تحت يافطة ضرورة الاصلاح، لكن أي إصلاح ؟ ومن أين يبدأ هذا الاصلاح؟ حيث رجع الجميع الى مربع الصفر، بعد ما شبعنا حد التخمة انقسامات وتفرقة على كافة الصعد، الى أن جاء فكرquot; القاعدةquot; ليحسم في مسار تلك المشاريع النهضوية برمتها، و يعلن حالة الافلاس الشامل، وبذلك عدنا الى الوراء بقرون، وطفقأت النخب الثقافية والسياسية إما للدفاع أوالتبرير، في ظل حالة من التشظي الايديولوجي والمذهبي.
وبالعودة الى ثنائية؛ الاصلاح الديني و التحديث السياسي، البعض يرى أننا يجب أن ننتظر تشكل اصلاح ديني كي نبدأ التحديث السياسي الحقيقي، والبعض الآخر يرى العكس. لابد من تحديث سياسي واقتصادي واجتماعي، ثم بعد ذلك نبدأ بإصلاح ديني حديث؟ وثمة من اعتبر الدين عائقا في وجه التنمية والتقدم وعلق على الدين quot;الاسلاميquot; بخاصة فشل المشاريع التنموية في مجتمعاتنا. إذن، كيف نفسر تنامي ظاهرة التدين في الدول المتقدمة، وفي أعلى هرم السلطة السياسية على سبيل المثال الولايات المتحدة الامريكية، خصوصا في عهد ولاية بوش الاب والابن.
وهل لا بد من تأهيل المجتمع لكي يصبح مجتمعا صناعيا ليزدهر فيه الفكر الديني ويتطور، أم يتعلق الأمر بحلقة مفرغة مفادها؛ طالما أن المجتمع متخلف فالنتيجة، أن أي إصلاح مهما كانت طبيعته سيتسم بالتخلف.
ويمكن القول، أن مصدرهذه الاشكالية نابع من عدم إيلاء الأهمية للإصلاح التربوي والتعليمي على حساب الاصلاح السياسي والاقتصادي، الذي لم يتحقق لمجتمعات العالم الثالث. إذن، النقلة الأولى المطلوبة هي التحرر من تبعات الأجنبي من جهة، والتحرر أيضا من جهة أخرى من أسر بعض التجارب المستنسخة والمستعارة للنهوض لاسيما في بعدها quot;الدينيquot; التي باءت بالفشل في في البلاد الاسلامية.
من الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها بعض النخب الثقافية والسياسية التي ادعت أنها تريد اصلاح الواقع المرير للامة؛ حين جعلت من مهامها الهجوم على الدين واستفزاز المتدينين، ولم تبذل جهدا في اصلاح فهم الناس للدين، كما ان الكتابات التي صنفت ككتابات تعنى بالاصلاح الديني فهي اما تندرج في اطار الكتابات حول الاجتهاد الفقهي وتجديد أصول الفقه... أو تندرج ضمن نقد الفكر الديني اما بشكل أكاديمي، أوعلى شاكلة من ذكرنا آنفا؛ الذين لا هم لهم الا الهجوم على الدين؛ ناسين أن الدين في مجتمعنا بمثابة هواء يتنفسه الانسان، فضلا عن تغلغله في المخيال الشعبي.
ختاما، هل فشلت حقا محاولات الإصلاح الدينيّ في الإسلام؟ ؟ وهل محاولات الإصلاح ذاتها ذات جدوى في زمن العولمة ؟