قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ودخلت الثورة السورية الكبرى الثانية، ثورة الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية شهرها الرابع بمزيد من الإصرار من قبل الجيل السوري الشاب من مختلف الانتماءات والتوجهات. إصرار على مقارعة آلة حرب سلطة الاستبداد والإفساد بالوردة والشمعة والصدر العاري؛ إصرار على رفع الصوت عالياً، واضحاً، مزلزلاً من أجل حق السوريين، كل السوريين، أن يعيشوا بشراً يتمتعون بحريتهم وكرامتهم بشراً لهم أحلامهم وتطلعاتهم وأمانيهم كسائر الناس. إصرار على بناء الدولة الديمقراطية العادلة، التي تكون بكل ولكل أبنائه إصرار كلف السوريين آلاف الأرواح والأجساد والحريات والمشردين. إصرار يؤكد - بما لا يخضع لأي جدل- آلاّ رجعة إلى الوراء في طريق الشرف والكرامة.إصرار بيّن للقاصي والداني أن سياسة زرع الخوف التي كانت المحور الذي تتمفصل حوله تكتيكات واستراتيجيات الزمرة اللامرئية التي حكمت - وتحكم- سورية منذ عقود لم تعد مجدية، بل قد غدت قوة حيوية إضافية تمد الشباب السوري الأبي بمزيد من العزيمة والعناد الواعي المشروع، قوة تدفع بهم نحو الإلحاف على الاستمرار في مسيرة العزة والنخوة حتى إسقاط النظام الأمني القمعي، الذي بات وبالاً على البلاد والعباد.

أما مصدر هذا الإصرار الذي يلتزمه الشباب السوري فهو وعي ناضج متقدم مبني على حس وطني سليم، حس عملت سلطة الاستبداد على تبديده، كما بددت طاقات البلد، حتى غدت سورية في خانة أكثر دول العالم فساداً وتجاوزاً على الحريات والكرامات. لكن الشباب السوري - الذي كان باستمرار موضع الأمل والثقة- أعلنها واضحة جلية أن الوحدة الوطنية هي قدس الأقداس، وأنه لا جدوى من أي تجييش طائفي، أو دغدغة للنزعات الوحشية البهيمية، أو غرس الرعب في أفئدة الناس عبر إيحاءات تمتد خيوطها إلى مكاتب المسؤولين في أجهزة المخابرات. فالوحدة الوطنية السورية المبنية على قاعدة احترام الخصوصيات، وتأمين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنين من دون أي استثناء، مثل هذه الوحدة الوطنية هي التي تعد الحاضنة الكبرى القادرة على جمع كل السوريين، بعيداً عن روحية الأحقاد، وعقلية الانتقامات، وسياسة اعتماد الولاءات ما قبل الوطنية، المتناغمة مع النزعات الاستبدادية.

ولعله من أبرز تجليات وعي شعبنا- خاصة القوى الشبابية فيه التي تقود باقتدار وشجاعة ندر نظيرها التظاهرات العارمة في سائر المدن والبلدات في إطار ثورة الكرامة السورية- جملة المبادرات التي طُرحت، وتطرح، بغية إنقاذ الوطن وأهله، وهي في مجملها مبادرات تؤكد حتمية التغيير الوطني الديمقراطي الذي من أجله انطلقت الثورة؛ ومن دونه لم ولن يكون هناك أي حل للأزمة الشمولية التي تعاني منها سورية بفعل تحكّم زمرة القرار بمفاصل الدولة والمجتمع، بعيدا عن إرادة ورغبة الشعب السوري بكل مكوّناته. وهنا لا بد من إبراز أهمية المبادرة الأخيرة التي عبرت عن رؤية لجان التنسيق المحلية لمستقبل سورية السياسي، وذلك باعتبارها المبادرة الأكثر نضجاً وتكاملاً إلى حدٍ كبير، كونها تمثل حصيلة خلاصات مبادرات عدة طُرحت قبلها؛ وهذا فحواه أنها بمثابة القاسم المشترك بين ما قُدّم حتى الآن.

وما نراه بالنسبة إلى المبادرة - الرؤية- المعنية هو أنها شبه متكاملة من جهة تحديد مقومات الحوار وآليته، وبيان المبادئ التي من شأنها ضبط الحياة العامة في سورية الجديدة؛ إلى جانب تأكيد ضرورة استمرار الثورة الشعبية بوصفها مصدر الشرعية السياسية في البلاد، وذلك إلى حين تحقق أهداف الشعب السوري في الحرية والمساواة والكرامة.
فالمبادرة المعينة تدعو إلى وقف العنف والقتل من قبل أجهزة الأمن والميليشيات والشبيحة. كما تطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين جميعهم القدامى والجدد؛ ووقف التجييش الإعلامي ضد المتظاهرين؛ والاستمرار في التظاهر السلمي من دون أي ترخيص مسبق.

كل ذلك، يندرج في إطار عملية التمهيد للحوار المقترح الذي من المفروض أن يكون - وفق المبادرة- ضمن مؤتمر وطني عام، يقطع الطريق على مخاطر العنف والانتقام؛ ويُشارك فيه سياسيون من طرف النظام ممن لم تتلوث أيديهم مباشرة بدماء السوريين ولا بسرقة أموالهم؛ كما يشارك فيه ممثلون عن المعارضة من الداخل والخارج.
أما المبادئ التي تطالب المبادرة بها، بوصفها محددات الحياة العامة في سورية المستقبل، فهي تتلخص في اعتماد الجمهورية المدنية غير الوراثية؛ واحترام الخصوصيات القومية والثقافية والدينية في المجتمع السوري؛ ورفع الغبن الذي لحق ببعض المكونات السورية، خاصة المكوّن الكردي، جرّاء سياسات نظام الاستبداد؛ واعتماد العدالة والتسامح، لا الثأر والانتقام، في معالجة أية خصومات بين السوريين؛ وسيادة القانون، ومحاسبة الجميع أمامه.

قد تكون هناك بعض الثغرات في المبادرة، وربما نجد عدم وضوح في بعض جوانبها؛ لكنها بصورة عامة تؤكد ان السوريين لا يثورون عن عبث؛ ولا يودون مطلقاً أخذ بلادهم نحو المجهول. كما أن المبادرة تردّ بقوة على أبواق النظام ومتملقيه، هؤلاء الذين يسوّقون الأباطيل والترّهات حول المندسين والسلفيين والمرتبطين بالأجنبي؛ أباطيل اختلقوها، وروجوها في إطار لعبة التضليل والتزييف التي تمارسها سلطة الاستبداد منذ عقود.

إن ما تشهده سورية راهناً، إنما هو نتيجة تعارض يبلغ حد التناقض بين توجهين لا تعايش ولا لقاء بينهما. الأول، تمثله زمرة القرار المتسلطة على الحكم في سورية. في حين يجسّد التوجه الثاني توق السوريين بكل مكوّناتهم ومشاربهم وتوجهاتهم وجهاتهم إلى الحرية. التوجه الأول استبدادي، أناني، نهم؛ لا يقرّ بأية حدود لسطوته وجشعه وغطرسته؛ يعامل الناس عبيداً، وكأنهم وُجدوا في الأساس ليكونوا موضوعاً للنهب والقمع والإذلال، أو ليكونوا في أحسن الأحوال مهرجين منافقين، مجردين من أي حس إنساني.

أما التوجه الآخر، فهو يخص الشعب السوري بأسره، الراغب في الحياة الحرة الكريمة، الحالم بوطن حاضن، وحكم عادل، ومواطنة محترمة مُقدّرة؛ وطن يكون بالجميع وللجميع، وحكم يُخضع ذاته للمساءلة والمحاسبة من قبل المواطنين وفق آليات ديمقراطية متفق عليها، ومواطن يشعر من أعماق قلبه أن الوطن وطنه، يخص سائر السوريين من دون أي استثناء؛ مواطن يتلمس حقيقة واقعة خلاصتها أن الحكم مهمة ومسؤولية؛ مهمة تكون موضع تقدير ومحاسبة بفضل وفعل إرادة المواطنين الأحرار، الذين من حقهم وواجبهم في الوقت ذاته التعبير عن آرائهم، وتجسيدها في انتخابات ديمقراطية شفافة، تكون أساساً لوأد نزعة الاستبداد في الأنفس؛ وترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة.
لقد اتخذ السوريون قرارهم بشجاعة غير مسبوقة وفق كل المقاييس؛ وأعلنوها ثورة شعبية شاملة مع إدراكهم اليقيني لطبيعة ونتيجة ما سيترتب على هكذا قرار.

ولكنه في المقابل، يبدو أن النظام (السلطة) هو الآخر قد اتخذ قراره بالمواجهة المفتوحة التي بشّرنا بها الرئيس في خطابه الأول؛ فها هو النظام ينتقم من المدينة تلو الأخرى، على أمل استعادة الهيبة الزائفة، وذلك عبر ترويع الآمنين من السوريين والسوريات؛ نساء ورجالاً، شيوخا وأطفالاً، باتوا نازحين في ديارهم وديار الآخرين؛ كل ذلك وسط صمت عربي غريب مريب، وتقاعس دولي لافت؛ الأمر الذي يزيد من قساوة محنة السوريين، ويعمّق شعورهم بالمرارة والغصة.

السوري بطبيعته متسامح، يحب الخير لأهله وجيرانه. لكنه في الوقت ذاته ذكي يقرأ ما بين السطور بسرعة البرق، ويستوعب بيسر ما يعتقد الآخرون أنه طلسم عصي على أي جهد معرفي؛ ولا غرابة في ذلك طالما أن أجداده هم أصحاب الحَرْف والحِرْفة.
نقولها بصراحة للإخوة العرب جميعاً: لم يعد صمتكم مشروعاً، ولم تعد سياسة غض النظر التي تمارسونها إزاء جرائم النظام السوري بحق شعبنا مسوغة. الشعب السوري ينتفض اليوم لكرامته المهدورة، ولكبريائه الجريح، لحقوقه المسلوبة، وحرياته المقموعة؛ وذلك في مواجهة سلطة من أبرز انجازاتها أنها اعتمدت الجريمة بأوسع معانيها ركيزة من ركائز حكمها الذي لم يمتلك في أي يوم أية شرعية.

الصمت العربي غير المعهود هذا، إنما هو في حقيقته شرعنة باطلة - عن قصد أو من دونه فالنتيجة واحدة- للقتل الذي توقعه السلطة بشعبها الذي من المفروض أنه مصدر مشروعيتها. سلطة تستخدم الدبابة والطائرة، وكل الموبقات في سبيل إذلال شعب لم يقصّر مع العرب قط، وتحمّل الكثير الكثير من أجلهم.
الثورة السورية مستمرة، وستستمر بمزيد من العنفوان، بمزيد من التعقل والحكمة. والأمل كل الأمل معقود على شبابنا وشاباتنا الذين يبدعون كل يوم في تظاهراتهم واحتجاجاتهم، ويؤكدون للجميع أنه لا عودة إلى الوراء؛ ولم يعد بيننا وبين الاستبداد بعد هذا الكم الهائل من الدم والألم سوى الاتفاق على موعد وآلية الرحيل.

الرحمة لشهدائنا؛ العزيمة لشبابنا؛ وعاشت سورية حرة عزيزة

[email protected]