قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


كل يوم يأتينا البرلمان العراقي بشيء جديد بنصابه الذي لايكتمل إلا بشق الأنفس تاركين القوانين المهمة التي تمس حياة المواطن البسيط ومنشغلين بأشياء لاتسمن ولاتغني من جوع. فمرة يتعطل البرلمان تضامنا ً مع التظاهرات في البحرين، ولاأعلم إلى الآن كيف لمن يريد أن يتضامن أن يجلس في بيته أو يسافر، ومرة أخرى يصوت على إتفاقيات دولية أو قوانين غير مهمة لاتمس حياة المواطن العراقي بصلة وتقع في آخر سلم الأولويات. لكن الأدهى من ذلك هو عندما يصوت البرلمان ضد الدستور أو ضد مبدأ من مبادئ الديمقراطية، كالتصويت الأول على مجلس السياسات الاستراتيجية الغير دستوري. أما هذه المرة، فقد صوت البرلمان العراقي في سابقة خطيرة على منع عرض مسلسل الحسن والحسين على القنوات الفضائية العراقية ولايعرف السند القانوني الذي أستند عليه البرلمان في التصويت بالإجماع.

لقد كتبت في مقال سابق بعنوان (الحسن والحسين والثورات في العالم العربي) وقلت أن في المسلسل الكثير من الزيف والتشويه التاريخي الصريح والواضح، وأن في المسلسل رسالة واضحة مفادها أن مايحدث من ثورات في العالم العربي ماهو إلا مؤامرة غربية بعقل يهودي. فالمسلسل سياسي بإمتياز ليدخل الدراما العربية في الصراع الطائفي في المنطقة. لكن هناك ماهو أخطر من ذلك حين يخرق البرلمان العراقي الدستور بتشريعه قانون ضد حرية التعبير. أن واحدة من مبادئ الديمقراطية هي حرية التعبير التي يجب أن تكون مقدسة، والتي هي من الأشياء القليلة التي شعر بها العراقيون بعد عقود من سياسة الكبت وتكميم الأفواه التي مارسها النظام السابق من خلال مصادرة حرية المواطن العراقي بحقه بالتعبير عن رأيه بحرية تامة وبدون أي ضغوط معينة.

نعم، أتفق ويتفق الكثيرون معي بأن المسلسل فيه تشويه تاريخي، لكن ماهو أكبر من ذلك هو تشويه صورة الحرية التي لابد أن يتمتع بها الإعلام العراقي. إن كان هناك مالايعجب أحد فيما يقال ويحكى ويعرض من على شاشات التلفزيون فتوجد المحاكم المختصة التي يمكن أن تبت بذلك. فليس المنع من خلال البرلمان من صفات الديمقراطية وليست الفتوى الدينية التي يجب أن تحرك الحكومة والبرلمان وباقي مؤسسات الدولة. القانون وحده الذي يجب أن يفصل في هذه المسائل. حتى الرقابة على المطبوعات والمنشورات وغيرها سوف لن تجدي نفعا ً في عالم مفتوح على مصرعيه وهي لن تحل مشكلة حرية التعبير في بلد مثل العراق.

أن تدخل مؤسسات الدولة أو البرلمان العراقي فيما لايعنيها سيشكل خطر كبير على الديمقراطية الناشئة في العراق. فقبل أسابيع أعاد السيد رئيس الوزراء السيد البيضاني إلى رئاسة تحرير جريدة الصباح بعد أن أقيل من خلال مجلسها. لايعنيني هنا أن كانت إقالة السيد البيضاني من منصبه صحيحة أم لا، لكن الذي يعنيني هو تدخل رئيس الوزراء بشكل شخصي في هيئة يجب أن تكون مستقلة، مما يشكل خطر على الهيئات المستقلة من جهة وتدخل في عمل وسائل الإعلام من جهة أخرى. ومن جهة أخرى أيضا ً، إن تدخل المؤسسات الدينية في عمل الدولة سيشكل خطر أيضا ً على تلك الديمقراطية، حتى لو كان هذا التدخل بشكل قانوني من خلال أعضاء البرلمان. فواجب البرلمان العراقي مراقبة الحكومة وليس مراقبة حرية التعبير وتقييدها.

أخيرا ً وليس آخرا ً، مافائدة منع مسلسل هو في متناول أي فرد ويمكن لأي أحد مشاهدة على قناة فضائية أخرى أو من خلال شرائه من السوق على شكل أقراص مدمجة. لماذا يشغل البرلمان العراقي وقته في أشياء ليست من إختصاصه ويترك ماهو أهم من قوانين مهمة، كقانون الاحزاب أو قانون النفط والغاز، أو على الأقل التصويت على تخفيض الرواتب الذي بقي على رف الإنتظار أشهر عديدة فيما يستلم البرلمانيون رواتبهم وراوتب حماياتهم الكبيرة. إن كان التصويت، بالإجماع على منع شيء معين من سمات الديمقراطية، فهذا يعني بأن أعضاء البرلمان العراقي، بالإجماع، لايفقهون معنى الديمقراطية وحرية التعبير، وتلك مسئلة تدعو إلى التأمل.

عماد رسن
[email protected]