قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


قرأت فى يوم الثلاثاء (27/12/2011) مقالة بعنوان (دعوة صريحة الى تقسيم العراق) ومع انى أوافق الكاتب على بعض النقاط التى ذكرها، فإنى أخالفه على جوهر المقالة وهو تقسيم العراق. وبصراحة فإن هذه الفكرة خامرتنى مرات عديدة خاصة عندما أشعر باليأس والاحباط وعندما أقرأ تعليقات بعض القراء المليئة بالحقد والكراهية يشتم بعضهم البعض الآخر، سني و شيعي عربي وكردي ورابع مسيحي الخ.. وأتصورهم وكأنهم فى حلبة صراع حتى الموت. وهذا ما سيحصل إذا ما أفلت الزمام ويباد أكثر من نصف سكان العراق. وعلام هذا النزاع ؟ على كرسي ملغوم لا يأمن الجالس عليه على حياته؟ هذا النزاع الغبي الذى لن ينتصر فيه أحد بل يخسر الجميع خسارة فضيعة، والمنتصرون هم أعداء العراق والطامعون فيه فقط. أما السياسيون الذين يؤججون النزاعات لمصالحهم الخاصة ويدخلون الدين فى نزاعاتهم وسيلة لتأييد دعواهم، وشيوخ الظلام من رجال الدين المارقين الذين يثيرون العداوة والكراهية والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، فسرعان ما يهربون تاركين العراقيين يقتل بعضهم بعضا.

لنأخذ النزاع العربي الكردي الذى يقول الكورد أن عمره 90 عاما ويقولون أنه لم يكن هناك وجود للعراق بخارطته الحالية قبل أن يقسمه البريطانيون. ومهما يكن من أمر فان إقليم كردستان هو جزء من العراق حاليا، وليس بخاف على أحد أن الاقليم سينفصل حالما تتاح لقادته الفرصة والمناخ المناسب. الأكراد يعتزون بقوميتهم كما يعتز العرب بقوميتهم، وهم يتكلمون بلغات تختلف عن اللغة العربية التى هى لغة الغالبية من سكان العراق، وهذه وحدها كافية لتؤهلهم لاقامة الدولة المستقلة التى يحلمون بها إذا كانت هذه رغبة الأكثرية منهم. ولكن المشكلة الكبرى هى كيف سيتفق الأكراد والعرب على الحدود الفاصلة بينهم بصورة سلمية وبدون إراقة دماء؟ الأكراد يطالبون بضم عدة مدن وقرى اليهم، فيما يرى العرب والتركمان غير ذلك وكل منهم مستعد لسفك دمه دفاعا عما يظن أنه من حقه. إن إقليم كردستان بالنسبة للعراق يشبه وضع مقاطعة كوبيك بالنسبة لكندا، فالكنديون فى كوبيك معظمهم يتكلمون الفرنسية، ونسبة كبيرة منهم لا يحبون بقية المقاطعات الكندية الناطقة باللغة الانكليزية بسبب الأذى الذى أصابهم على يد الانكليز، وسببوا مشاكل كثيرة للحكومة الفيدرالية ولكن لم يلجأوا للعنف إلا لفترة قصيرة جدا، بسبب وعيهم وتمسك الجميع بالديموقراطية التى دخلت العراق بعد التاسع من نيسان 2003 ولا زالت غير مفهومة من قبل نسبة كبيرة من شعبه.

العرب العراقيون منهم مسيحيون سكنوا العراق قبل دخول المسلمين اليه، ولا يطالبون بأكثر من مساواتهم مع باقى أطياف الشعب العراقي. العرب المسلمون أنفسهم ينقسمون الى شريحتين متناحرتين، سنة وشيعة. ومنذ تأسيس الدولة الأموية فى الشام قبل 14 قرنا، والكراهية بينهم فى صعود ونزول بحسب توجه الحكام. ونادرا ما حكم العراق شخص نزه نفسه عن الطائفية والعرقية وأحب شعبه بدون تمييز، ولا يحضرنى مثال على ذلك إلا الزعيم عبد الكريم قاسم الذى انقلب عليه الأكراد والعرب، لأن زعماء الأكراد يريدون استقلالا تاما، والعرب منقسمون الى متدينين وعلمانيين وطامعين بالحكم. والمتطرفون من السنة والشيعة اختلفوا بحسبما لقنه إياهم شيوخ الظلام فجعلوهم يقتلون بعضهم بعضا وهم لا يعرفون على ماذا يقتتلون، فان هؤلاء الشيوخ ربطوا أفكارهم بحوادث وقعت قبل أربعة عشر قرنا. وتعددت وتنوعت المصادر التأريخية ولم نعد نستطيع التمييز بين الحقائق والأكاذيب عن الحوادث التى وقعت فى تلك الحقبة من الزمن، وكيف نصدق إذا كنا نسمع اليوم خبرا ونسمع فى الغد تكذيبه؟ أضف اليهم السياسيين الذين تقتصر غايتهم على الحصول على الكرسي الذى يطمحون اليه بجنون ولا يهمهم الثمن، فتراهم يقفزون من دولة الى أخرى ومن حاكم أجنبي الى آخر يناشدونهم أن يشملوهم بعطفهم للحصول على الكرسي اللعين، بل منهم من يطلب من أمريكا وبريطانيا التدخل فى العراق لصالحهم وهم فى عجلة من أمرهم لا يستطيعون الصبر حتى الانتخابات القادمة، مخالفين بذلك روح الديموقراطية التى يتشدقون بها.

لو حصلت المعجزة واتفق الأكراد والعرب على الحدود سلميا، تبقى المشكلة الأعوص وهي كيف ترسم الحدود بين السنة والشيعة. إن السنين التى ساد فيها السلام بين القوميتين شجعتهما على الاختلاط والتزاوج فيما بينهما، إضافة الى الصداقات الفردية والمصالح المشتركة وخاصة بين الأكراد الفيلية والعرب فى بغداد، الأكراد الفيليون الذين يعيش معظمهم فى بغداد ولا يقل عددهم عن مليون انسان (كما يقولون)، قد عانوا كما عانى أكراد الشمال على يد البعثيين وسيدهم المقبور صدام حسين، حيث رموا الآلاف منهم على الحدود الايرانية بدون ماء ولا طعام وافترست الكلاب المتوحشة المئات منهم.

والفصل بين العرب سنة وشيعة، يتطلب تقسيم الكثير من المدن العراقية بين الطائفتين، وهذا من أشق الأمور وربما كان مستحيلا، تصوروا كيف سيتم تقسيم بغداد والبصرة والحلة ومحافظ ديالى وصلاح الدين وغيرها من المدن والمحافظات التى عاشوا فيها سوية منذ سنين طويلة ؟ واذا أصر الطرفان على التقسيم فهل سيستغرق ذلك أقل من عقدين من الزمن ؟ وإذا أفلت الزمام وقامت الحروب بين الطرفين فكم سيقتل منهما ؟ مليون، مليونين، ثلاثة ملايين ؟ هل هناك من يستطيع وضع رقم للمبالغ الهائلة التى ستنفق لاجراءات التقسيم ؟ هل هناك من يستطيع وضع رقم للتدهور الاقتصادي والدمار الهائل بسبب ذلك التقسيم ؟ هل أن النتيجة ستبرر كل تلك الخسائر الجسيمة ؟ وماذا سنفعل بالزيجات المختلطة بين الطائفتين ؟ هل نفرق بين الزوج وزوجته ؟ وما هو مصير أطفالهم ؟ ألا تكفينا ضحايا حروب صدام الخارجية والداخلية التى كلفت العراقيين مليون قتيل وخمسة ملايين ما بين جريح ومعوق وجيوش لا تحصى من الأرامل واليتامى حتى نضيف إليها ضحايا جديدة نتيجة لحروب التقسيم إذا ما نشبت؟ وهل سيصلح الندم على إقدامنا على التقسيم الخسائر المروعة التى ستصيب العراق إذا ما تمت تلك الخطوة الغبية؟

كل الأديان والطوائف والقوميات تدعوا الى السلم والمحبة والوئام، فماذا لا نجنح للسلم وفيه الخير والسعادة للجميع، ونبتعد عن الحروب وويلاتها، وننسى خلافاتنا ونقف سدا متينا حائلا بيننا وبين من يطمع فى عراقنا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ونعمل يدا واحدة متحدين لإعادة إعمار بلدنا وإسعاد شعبنا المظلوم الذى ذاق من الويلات والحروب كما لم يذقه شعب من قبل.

كندا