مفهوم الاغتراب
الاغتراب Alienation,Entfremdung كمفهوم فلسفي له دلالات عدة ومختلفة الاصول والاسباب. فهو يمثل نمطا من تجربة يشعر بها الانسان بالغربة عن الذات، فهو لا يعيش ذاته كمركز لعالمه وكخالق لافعاله ومشاعره. كما ان له معاني متعددة اخرى اجتماعية وثقافية ونفسية واقتصادية يمكن اجمالها بانحلال الرابطة بين الفرد والآخر، أي العجز المادي عن احتلال المكان الذي ينبغي على المرء ان يحتله وشعوره بالتبعية او معنى الانتماء الى شخص او الى آلية اخرى، بحيث يصبح المرء مرهون بل وممتلك من سواه، وهو ما يولد شعور داخلي بفقدان الحرية والاحباط والتشيؤ والتذري والانفصال عن المحيط.
وقد استخدم مفهوم الاغتراب في العصر الحديث على نطاق واسع للاشارة الى ظواهر اجتماعية ونفسية تنتاب الكبار والصغار من النساء والرجال مثل حالات القلق واليأس والوحدة وفقدان المعنى وحالات انحلال القيم وفقدان الشخصية وغيرها.
في تاريخ الفكر الاجتماعي هناك مؤشرات كثيرة تشير الى ان الاديان الكبرى كاليهودية والمسيحية والاسلام وغيرها تفسر الاغتراب بكونه انحلال الرابطة بين الفرد والاله، وانفصال الانسان عن ربه. وبمعنى آخر تجعل الانسان بعيدا عن الله او منفصلا عنه.
ويعود مفهوم الاغتراب الى روسو وهيغل وماركس وغيرهم. فقد اكد هيغل على مفهوم الحرية كتحديد لماهية الانسان، التي تعني المصالحة بين الانسان ومحيطه، وكذلك مع الطبيعة، وهذا المفهوم الذي يعود الى الفلسفة اليونانية. فالدولة الرومانية جعلت الدولة فوق الافراد وان الافراد تابعين لها، وهو بداية الاغتراب وقطيعة بين الفكر والممارسة. كما تحدث هيغل في مراحل لاحقه عن انفصال الانسان عن ثقافته. فالثقافة بما هي حياة للروح، لما لها من اهمية في تحديد موقع الفرد من ذاته، فان الانسان، بقدر ما يعيش ثقافته مع ذاته، بقدر ما يزداد الاغتراب عنده، أي ان الروح ستفشل في التعرف على ذاتها في عالمها الموضوعي.
اما ماركس فقد ربط الاغتراب بالعمل الأجير وتموضعه فيه. فالانسان ينتج عملا لكنه يصبح عبدا له، بمعنى انه يشعر بالغربة عما انتجته يده. وتتفاقم هذه الغربة، اذا علمنا، بان في العمل توجد امكانيات تفتح طاقات الفرد وتطوره. وهكذا حول ماركس الاغتراب من ظاهرة فلسفية ماورائية، كما عند هيغل، الى ظاهرة تاريخية لها اصولها التي تمتد الى المجتمع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية. وبهذا استخدم ماركس مفهوم الاغتراب لوصف اللاانسنة التي تنجم عن تطور الرأسمالية.
ويستعيد كثير من المؤلفين فيما بعد ومن بينهم ماركوزة ورايت ميلز واريش فروم وغيرهم الذين يؤكدون على الاغتراب عن الذات بصور عديدة. فما زال الانسان يخضع لانواع من الصنمية والتشيؤ تبعده عن ذاته وترميه فريسة بيد الغير.
والحال ان شعور الفرد بان ايجاد معنى لوجوده اشق عليه في المجتمعات الشمولية منه في مجتمعات اخرى. ولهذا فان الامتثال يشكل قاعدة الاغتراب من الناحية الاجتماعية التي تمليها شروط متعددة في مقدمتها الاقتصاد من الخارج والشعور بوجوب الامتثال من الداخل.
وقد تكون الفلسفة الوجودية قد املت مثل هذه الافكار بما روجته عن تأثير quot;الجماهيرquot; او فكرة quot; الحشدquot; او حتى الرأي العام، من جعل الافراد اسرى مجموعتهم، حيث لا حياة لفرد خارج جماعته. وعلى المستوى النظري لا تختلف نظرية هايدغر كثيرا عن ذلك. فالذات لا تتعرف على نفسها الا من ذات اخرى تتماثل معها من خلال صراعهما، ولكن الملفت في الامر، بان رغم وجود تيارات عديدة، دينية واجتماعية ونفسية تتحكم بها، فان الدعوى للانصياع باتت الاقوى واصبح الانسان اسير موقعه واسير ما يفرض عليه من الخارج بحيث اصبح ذا بعد واحد.
واذا كانت المساواة حلما قديما ودعوة اخذت بها تيارات فلسفية واجتماعية عديدة، فان معناها قد تغير الآن. لقد اصبحت المساواة اتجاه الآلة، واتجاه آلية العمل وتوجهات السوق وتسلط العلم والتقنية التي هي اساس الاغتراب، التي تقوم مكان السلطة، وتحول النشاط الخضوعي الى نشاط آلي ينساق الفرد لاغترابه بشعور داخلي غير واع.

الاغتراب ظاهرة اجتماعية وليست فردية
يشير عالم النفس الاجتماعي الالماني اريش فروم الى ان النظام الرأسمالي الذي اسهم بشكل مباشر في تعزيز الشعور بالغربة عن طريق خلقة مجتمعا استهلاكيا يمتلخ الانسان ويسحقه ويخضعه لنظام لا علاقة له به، فهو لا يقف عند حريات الافراد او قناعاتهم، اذ لا يوجد للافراد فيه اي اهمية. وهو يسوقهم جميعا بعصا واحدة، ويتحول الافراد الى حشد، اي جماعة غير واعية. وعلى الفرد وسط هذا الحشد الامتثال والطاعة فقط دون سؤال، ففي هذا المجتمع الاستهلاكي يصبح الحب، بفعل نظام العمل والحياة، آلية شأنها شأن العمل الآلي، وبذلك يفقد الانسان هذا الاحساس الجميل بالحب، اذ ان انانيته وسعيه للامتلاك يجعلان حبه مسعى للامتلاك بحيث يتعامل مع شريك حياته وصديقه وقريبه بطريقة تعامله مع مجتمع آلي التي يهرب منها اليها، والا يفقد عمله ورزقه، فيما يتحول حبه الى مخدر لتأمين استمرار حياته. وهكذا يتحول الاغتراب عند فروم من قضية فردية الى ظاهرة اجتماعية عامة.
كما اكد فروم على ان الاغتراب السياسي يعود بالدرجة الاولى الى سيطرة آيديولوجية معينة وتقديسها، او الاذعان لزعيم سياسي معين (كارزما)، كما في تجربة المانيا النازية مع هتلر، حيث تتغير القيم نحو عبادة الفرد وتقديسه او تقديس السلطة واعتبار الحياة وهما ينتهي بالحاق بها، حيث يتحول الفرد الى أداة همه الاساسي الكد فقط ويفقد الانسان بذلك حريته ويصبح مغتربا، وبقدر ما تنتفي الحرية يزداد الاغتراب.
والحال لا شيء يحول دون استعمال مفهوم الاغتراب لوصف الشعور بالعجز والاحباط الذي يمتلك الفرد، كما في المجتمعات الشمولية التي تستلب الانسان، فلا يعود قادرا على وعي شقائه. وهذه الفكرة لا تنفصل عن صيغتها المعروفة وهي فكرة الوعي الخاطئ وبدائلها الوظيفية. ومثال على ذلك التعارض بين الرآئي وجمهور العميان، الذي يحمل فكرة حبلى بكل ما هو شمولي، حيث يقول فروم : quot; تعتقد انك سعيد وليس ذلك سوى نتاج وعيك الخاطئ. لديك انطباع بأنك حر، وهذه اشارة لا تخطئ ابدا كونك مستلب.انت ترى ابدا القيود التي تخنقك و ذلك اثبات على دقتها وفعاليتهاquot; ومن فكرة الوعي الخاطئ تشتق فكرة الاستلاب.
واذ يضع فروم بعض الوصفات لمعالجة حالات الاغتراب، الا انه يؤكد على عدم جدواها طالما بقي المجتمع بدون تغيير، الذي هو سبب الاغتراب.
ومن الممكن ان تكون الدعوات الى الوعي بالذات والتسامي والتحول الى العمل والانتاج دعوات توفر الانتصار على الذات، غير ان هذا لا يكفي، لأن المسألة المطروحة من جانب سايكولوجي سيظل الانتصار عليها نفسيا، كما ان ارادة التغيير لا تكفي لصنع التغيير، خاصة في المجتمعات الشمولية التي يتم تغييرها من فوق، وعلى المرء ان يدرك ابعاد موقفه الانساني والتناقضات التي تكمن في وجوده. ان عليه ان يكتشف قواه وامكانياته الانسانية ويعمل على تنميتها حتى يكًون نفسه ويحقق ارتباطه التلقائي بالعالم وبالآخرين عن طريق العقل والحب والعمل المنتج.
ومع تشاؤم فروم، وهو دافعه للكتابه والتحليل والنقد، فقد آمن بقدرة الانسان على صنع حياته ومصيره وتغيير مجتمعه وذلك عن طريق الوعي بالذات والتسامي والتحول الى الانتاج غير الاستهلاكي، الذي يوفر امكانيات الانتصار على الاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي، ذلك ان وعي الازمة هو جزء من حلها.