قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

المتطرفون المتعصبون من مختلف الديانات، وحركات التعنصر والكراهية من شتى الآيديولوجيات.. أمة واحدة في جوهرها وإن اختلفت حواضنهم وعقائدهم،.. إنهم خامة واحدة تشترك بطييعة المعتقد وإن اختلف وتتشابه بالتكتيك وإن تنوعت الستراتيجيات لكل فئة متطرفة.

تشترك جميع حركات التطرف بجوهر واحد يقوم ابتداءً على الإدعاء بـ (الإيمان النقي) واحتكاره، فسواء كان المقدس دينياً أم مذهبياً وسواء كانت الحقيقة ايديولوجية أم ثقافية.. فإن حركات التطرف الديني والعرقي والآيديولوجي تدعي الإيمان النقي وتحتكر المقدس والحقيقة على أساس من هذا الإدعاء، وهو ما يقود الى التكفير ورفض المخالف سواء داخل مجتمعاتها أو قبال المجتمعات الأخرى.
أيضاً، تشتغل القوى المتطرفة على فكرة التعصب للأنا الدينية أو القومية أو الآيديولوجية وجعلها المركز والباقي أطرافا، كأفكار شعب الله المختار، والفرقة الناجية، والعرق الأنقى، والآيديولوجية الحقة، والثقافة الأنموذج. إنَّ جعل الأنا مركزاً هو الذي يؤسس لإستبعاد الآخر المختلف مما يخلق الشعور بالأفضلية ويقود لصناعة وهم التفوق ويرسخ نزعة الإستعلاء.
كذلك، تركز القوى المتطرفة نظريتها وجهدها على الهوية الجمعية المتمركزة حول فكرة الأمة أو الجماعة قبال الهوية الفردية للإنسان وخصوصياته وحقوقه وحرياته واختياراته، وهو تركيز على مستوى الفكرة وعلى مستوى الإشتغال، فلا أهمية ولا إرادة للفرد ضمن نطاق الأمة.

أيضاً، ترفض حركات التطرف استحقاق التعايش الإنساني استناداً الى التعددية الدينية والعرقية والمذهبية والثقافية التي تميز الجنس البشري، فالحركات المتطرفة وإن كانت تعترف بالتعددية كحقيقة إنسانية لكنها تقول بالحفاظ على الخصوصية كي لا تتلوث، وترفض إيجاد مساحات اللقاء على أساس من المشترك الإنساني والتمازج الثقافي بين الأمم حفاظاً على الخصوصية المدعاة، وهو ما يؤسس لإستحالة التعايش. إنَّ حركات التطرف هنا تعتمد الإختلاف كقيمة تأسيسية في تشكيل الأنا والإشتغال لتحقيق المصالح، وتتخذ من الإختلافات البيولوجية أو الآيديولوجية أو الثقافية قاعدة لتحويل الإختلاف (وهو طبيعي) الى خلاف (وهو مصنوع) وتعميقه بين الأعراق والأديان والمذاهب والثقافات، فحركات التطرف تشتغل على الإختلاف لصناعة التناشز المؤدي الى التعنصر والتعصب ولا تشتغل على التناغم والتكامل الإنساني الذي يجود به التنوع والإختلاف، وتراها دائمة التركيز على انعاش الذاكرة الخلافية وتنشيط الغرائز الإنتقامية لضمان ديمومة الخلاف المنتج للتعصب.

كذلك، توظف حركات التطرف الأزمات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية لزعزعة وضرب فكرة الدولة المدنية الديمقراطية لصالح الدولة الثيوقراطية أو العنصرية أو الأبوية، وهذا هو أهم جهد تشتغل عليه لإعادة إنتاج منظومات الدولة المفاهيمية والتشريعية والسياسية أياً كانت.

أيضاً، تستخدام حركات التطرف العنف والإرهاب كأدوات لتعميق الخلاف بين المكونات الدينية والعرقية والإثنية لهدف ضرب وحدة المجتمعات والدول أو لخلق الجبهات الدينية والمذهبية والقومية والثقافية وتعبئتها ضد الجبهات الدينية والقومية الأخرى. إنّ العنف والعنف المضاد خير وسيلة لخلق التعصب والتمحور والتحفز ضد الآخر، إنه أقصر طريق لمصادرة العقلانية لصالح العواطف الواهمة التي تستثيرها مجموعات التطرف التي تعتمد أنساقاً دائمة من التوتر السياسي والمجتمعي والأمني لنشر الفوضى. إنّ الفوضى سلاح القوى المتطرفة لزعزعة سياق المجتمعات وأنظمة الدول لإعادة إنتاجهما وفق معايير وسياسات التطرف.
كذلك، تؤكد حركات التطرف دائماً على استنفاذ الطاقة الكامنة في مبادىء جوهرية من قبيل المواطنة والديمقراطية والليبرالية والمدنية والعولمة في بناء المجتمعات والدول، وتعمل على طرح الممانعة التاريخية المتأتية من الأنا والمصالح الدينية والقومية والحضارية كمصد يفشل هذه المبادىء ويفرغها من محتواها في صناعة التاريخ.

يأخذ التاريخ اليوم منحى خطيراً بفعل تنامي تأثير القوى المتطرفة الدينية الأصولية والقومية اليمينية المتكثرة في مختلف الحضارات والديانات والمجتمعات، فالتطرف المتعاظم والمتنوع آخذ بالزحف على مراكز القوة المدنية في أكثر من حضارة ودولة، وهو واقع إن استمر على وتيرته العالية الحالية فسيبتلع العالم ويعيد صناعة التاريخ الإنساني برمته، تاريخ يقوم على الكراهية ويتقوم بالتعصب ويشتغل على التناقض ويتسلح بالعنف.
تحتاج الإنسانية الى مصدات قانونية وثقافية وسياسية مدنية حازمة على المستوى المحلي والأممي لضمان مواجهة زحف أمة التطرف في مختلف المجتمعات والدول والحضارات،.. وإلا سيبتلع التطرف التاريخ ويعيد انتاجه حروباً وصدامات لا تعرف حدا.