معظم القراء يعرفون باتريك سيل، الصحفي والكاتب البريطاني، وقرؤوا، أو سمعوا عن، كتابيه حول الصراع في الشرق الأوسط وحول سوريا، ومدى إعجابه بالنظام السوري، وخصوصا بشخص مؤسسه حافظ الأسد. وقد انتقل الكاتب من الصحف السورية ليكتب بانتظام في صحيفة quot;الحياةquot; عن شؤون الشرق الأوسط، وعن مواقف وسياسات النظامين السوري والإيراني خاصة، وردود الفعل الدولية والإقليمية تجاهها.
في المراحل الأولى من الانتفاضة السورية الراهنة، كان باتريك سيل يراوغ ويراوح مع ميل واضح لموقف النظام واتهام المعارضة. ومع وصول الأزمة للنقطة الحرجة، أي استمرار تداعي النظام، راح الكاتب يعاتب الحاكم السوري لعدم تنفيذه الإصلاحات التي كان قد أعلن عنها عند تربعه على عرش الوالد. وينتقل الكاتب في مقالاته من الدفاع عن النظام السوري إلى تزيين وتبرير السياسات الإيرانية واتهام إسرائيل والغرب بتعمد معاداة إيران وحقها النووي quot; المشروعquot;.
هكذا يتقدم باتريك سيل اليوم كداعية للنظامين الحليفين، وكمحام عن سياساتهما، ونائبا عاما يضع الآخرين جميعا في قفص الاتهام: من إسرائيل وواشنطن، فدول الاتحاد الأوروبي، فتركيا والدول العربية التي تدعم المعارضة السورية.
في مقاله الأخير، المعنون quot; هل يمكن أن نعقد الولايات المتحدة صفقة مع إيرانquot;، يبسط باتريك سيل جميع سلسلة وخيوط تحليلاته المعوجة للوضع في الشرق الأوسط، ولسياسات نظام الفقيه خاصة، ويكشف عن تمنيه في إمكان عقد صفقة دولية تستطيع بها إيران المضي في مشروعها النووي وفي سياسات التدخل العدوانية في المنطقة. ولكنه يرى الأمنية صعبة التحقيق بفعل quot;دعاة الحربquot; في أميركا وإسرائيل. وهو، شأن القوميين والإسلاميين، وشأن بعض اليسار الغربي المتطرف الكاره لأميركا، أمثال نعوم شومسكي وروبيرت فيسك، لابد وأن يقحم الدور الإسرائيلي المفترض في كل تحركات المنطقة والعالم ، سواء كان ذلك عن كره أيديولوجي وسياسي أو عنصري، أو عن مغازلة العواطف العربية والإسلامية التي تعشق نظرية المؤامرة التي تكون إسرائيل طرفا فيها. ومنذ أيام، قرأنا للأستاذ سلمان مصالحة مقالا مثيرا بعنوان لماذا يحب العرب الكذب.
في نظر باتريك سيل، إن إسرائيل هي التي حرضت واشنطن على إسقاط صدام لتهديد إيران، متناسيا أن النتيجة النهائية جاءت لصالح النظام الإيراني بالذات. وينتقل للقول بان إسرائيل أيضا هي حرضت وتحرض ضد إيران وحقها المشروع في التخصيب، متناسيا أن اتهام النشاطات النووية الإيرانية بكونها لغرض عسكري جاءت من وكالة الطاقة النووية مرارا وتكرارا، وأن العقوبات فرضها مجلس الأمن أولا، وان المفاوضات، التي بدأت منذ ست سنوات، لم تكن إسرائيل طرفا فيها بل دول المجموعة 5+1. وفي كل مرة كانت إيران تناور وتداور مع المضي قدما في نشاطاتها. وقد كتبنا كثيرا عن التقارير الدولية المتتالية الصادرة عن وكالة الطاقة، ولاسيما منذ مغادرة البرادعي لها، ولحد اليوم، وهي التي تؤكد الهدف العسكري للمشروع، بل إن المسؤولين الإيرانيين أنفسهم يعلنون على الملأ بأنهم لن يتراجعوا عن حق التخصيب على أرضهم بنسبة 20 بالمائة وحتى بأعلى من ذلك.
لقد سبق لباتريك سيل أن أشاد بحافظ الأسد باعتباره كان بطل الدفاع عن المصالح العربية والحقوق الفلسطينية، وكونه ضمن استقرار سوريا. ولكنه تجاوز واقع كون المرحوم أباد حماة، وأنه هو الذي أمر بالانسحاب من الجولان عام 1967، وأنه خرب لبنان، وشق صفوف التنظيمات الفلسطينية. وها هو ولده يقصف معسكر اليرموك الفلسطيني بالطائرات. كما تجاهل انقلاب حافظ الأسد على رفاقه وعلى مؤسس البعث، وهو ما جرى في العراق أيضا حين تحول النظام لسلطة الفرد والعائلة والنخبة المحيطة المستفيدة من المناصب والامتيازات، وصار الحزب ملحقا بالمخابرات. ويتجاهل باتريك سيل أيضا الدور التخريبي الإيراني المتسع والمتفاقم، في العراق ولبنان وغزة والبحرين والكويت واليمن والسنغال ونيجيريا وغيرها، ودعم وتسليح المليشيات، ومساعدة طالبان، وإيواء قادة وكوادر القاعدة واستخدامهم للتخريب، كما حصل في العراق بعنوان ضرب القوات الأميركية مع أن معظم الضحايا كانوا من العراقيين.
ما يجري في سورية والمواقف من إيران هي، حسب الكاتب، لغرض ضرب quot; محور الممانعةquot; المتمثل، كما يقول في سوريا وإيران وحزب الله! أما الثورة السورية، فهي مؤامرة طائفية وامتداد للصراع بين البعث وبين الإسلاميين! وهنا يبدو التناقض بين ادعاء هدف ضرب الممانعة، وهو هدف سياسي بحت، وبين الهدف الطائفي. ويتناسى الكاتب أن القاعدة، التي شقت لها منافذ في سوريا، كانت لوقت قريب أداة سورية ndash; إيرانية ضد العراقيين. وإذا كان هناك بعد طائفي معين في مواقف بعض اللاعبين الأساسيين في المنطقة، ونقصد المحور التركي - القطري- الخليجي ضد المحور الإيراني ndash; السوري، ومن معه كعراق المالكي وحزب الله، فإن البعد الإقليمي والخارجي الأكبر هو سياسي، وأعني الصراع على النفوذ في منطقة حساسة، ولاسيما بسبب النفط وممراته. وأما الانتفاضة السورية نفسها، فقد بدأت بعوامل ذاتية سورية نتيجة القهر واحتكار السلطة والفساد، ونتيجة التأثر بالانتفاضات العربية الأخرى. وبشار الأسد لم يحسن التعامل مع البدايات بالمبادرة لإصلاحات ديمقراطية معقولة ومتدرجة، بل تعامل مع شعبه بالبطش الدموي الرهيب حتى انتهى الوضع لما هو عليه اليوم. وأما دور اللاعبين الخارجيين، فقد تحرك وتبلور وتطور مع تطور الانتفاضة وتصاعد البطش، حتى صارت المشكلة السورية بؤرة وساحة ساخنة لمنافسات وصدامات بين مصالح وحسابات إقليمية ودولية مختلطة بما يشبه الدوامة، دون أن ينفي ذلك أبدا أن الأسباب الحقيقية للانتفاضة كانت داخلية، وأن أية أدوار ومؤامرات خارجية ما كان بإمكانها أن تشعل الفتيل لوحدها. وهذا ينطبق على بقية الانتفاضات العربية التي اشتعلت.
- آخر تحديث :
التعليقات