شكراً روسيا!.

لم تعد روسيا اللاعب الاساسي في الازمة السورية، يمكن القول أنها تراجعت إلى درجة ثانوية في مدى قدرتها على التأثير، وهي درجة يمكن معها وصف التأثير الروسي بالرمزي، أو الإستشاري، مع إمكانية الإستفادة منه كشبكة أمان دولية. وكل ما تقوم به روسيا من تفاوض وإستعراضات عسكرية، لاتعدو كونها محاولة للعب في الفراغ.
كيف حصل ذلك وما هي أسبابه؟، وكيف قبلت روسيا بهذه المكانة المتدنية في التأثير بالأزمة؟، لا شك بأن المتابعون للسياسة الخارجية الروسية لاحظوا حدوث بعض الإختراقات المهمة في الموقف الروسي من الأزمة السورية خلال شهر كشفت عنها الدبلوماسية الروسية، إن من خلال التلميح، تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي غينادي زيغانوف في جلسة خاصة حول الوضع الميداني للحرب السورية ورجحان كفة المعارضة، او عبر التصريح العلني للرئيس فلاديمير بوتين: أن روسيا تدرك بأن عائلة الأسد تحكم منذ أربعة عقود وأن روسيا تتفهم مطالب التغيير لدى السوريين، لقد كان واضحاً أن هذه التصريحات كانت تمهد الأرضية لنقلة سياسية تالية تتقارب فيها المواقف الروسية من مواقف المجتمع الدولي إزاء الازمة. إذاً الموقف الروسي وصل إلى منعطف لكنه لم ينعطف!.
ثمة حمولات كثيرة تضمنتها تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغيه لافروف من أن روسيا لو أرادت فلن تستطيع إقناع بشار الأسد بالتنحي والرحيل، اول معاني تلك الحمولات أن موسكو فقدت، أو ربما، هي في طريقها لذلك، مراكز القوى التي كانت تعتقد أنها تحت سيطرتها او على تنسيق معها، داخل بنى النظام الامنية والعسكرية، أو انه جرى تحييدها وعزلها وصارت بلا تأثير، ومنها أيضاً ان النظام صار بنية مغلقة وصلبة وخرج من كونه نظاماً سياسياً لديه مرونة التفاوض أو يعمل بوظائف النظام السياسي عموماً، وهو ما يفسر حقيقة أن الجماعة الحاكمة في دمشق تكرست كنخبة طائفية وأنها تخوض حرب مصيرية ضد الأخر ولم يعد يهمها غير غير الحفاظ على وضعيتها كجماعة حاكمة أو الحصول على حصة من سورية المستقبلية، ووفق هذا السياق فإن التنحي يصبح لامعنى له سوى إعلان الجماعة الحاكمة الهزيمة في المعركة وليس محاولة لعلاج الأزمة او البحث عن مخارج لها.
يحيلنا هذا المعطى إلى البحث عن الدائرة البديلة التي بات النظام ينضوي في إطارها ويصدر عنها ويتغذى من خلالها لمواصلة حربه المكلفة والباهظة الثمن التي يخوضها ضد السوريين، الامر الذي قد يسلط الضوء على أفاق الأزمة ومألاتها.
تشير أغلب المعطيات التي تتيحها الوقائع الميدانية والسياسية إلى بروز مؤشرات خطيرة حول تشكّل دائرة عمل متكاملة بما يشبه خلية إدارة الأزمة لمتايعة الحالة السورية تتكون من قيادات إيران والعراق وquot; حزب اللهquot;، ووجود توزيع للأدوار بين مالي وعسكري ودعم لوجستي وإعلامي، يترافق مع حالة إستنفار وتعبئة للموارد اللازمة لإنجاز المهمة المطلوبة وهي كسر الثورة السورية، أو أقله تعويم النظام وتثبيته لمرحلة التفاوض على سورية، وهو ماعبر عنه أمين عام quot; حزب اللهquot; حسن نصر الله بوصف كل من يعتقد بإنتصار المعارضة السورية بأنه واهم، وليبشر بعد ذلك، بنبرة تهديدية واضحة، بتقسيم الدول العربية من سورية إلى السعودية وما بينهما في حال إستمرار الثورة السورية!.
لقد كان واضحاً ان ثمة أمر عمليات صدر من طهران، بالتزامن مع إنتصارات المعارضة السورية المتواصلة في مختلف أرجاء البلاد ومع بدء الزحف على دمشق، بالتزامن مع رخاوة الموقفين الروسي والصيني، بضرورة شد الإزر والنزول إلى أرض المعركة وتطوير المواقف وتحريكها من عملية دعم غير منظمة إلى تنسيق وإشراف ومتابعة وتخطيط وتنفيذ، وقد دللّت المذابح الأخيرة في غوطة دمشق وحمص على جدية هذا التوجه الجديد كما تنذر الأيام القادمة بالكثير من هذا النمط العسكري المفتوح على أقصى مدى من العنف والدمار، غير انه أيضاً ينذر بصراع مفتوح يشمل المنطقة كلها في ظل حالة الإنقسام الطائفية الواضحة التي بات يفرزها هذا النمط التحالفي وهو ما بدأت إرهاصاته تظهر بوضوح في العراق.
روسيا خرجت من المولد السوري بون حمص، وقريبا بدون طرطوس، لان المطلوب منها كان يفوق قدرتها على الوفاء بإلتزاماتها الدولية كقوة مسؤولة عن السلم والأمن العالمي، فقد كان المطلوب منها يتمثل بتأييدها الدائم لسياسات الجماعة الحاكمة وليس المطلوب أن تكون مفاوضاً بديلاً، خرجت روسيا بتحية شكر على لسان رئيس الجماعة الحاكمة على ماقدمته لحمايته، ولم يبقى امام موسكو سوى خطوة واحدة قبل إغلاق هذا الملف، وهو الإمتناع عن التصويت في مواجهة أي قرار دولي في مجلس الامن يخص الازمة السورية.