قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من مفكرة سفير عربي في اليابان

الثقافة اليابانية غنية، وتتميز بالذكاء العملي لخلق تناغم مجتمعي جميل، يجمع بين أدب وظرف فن المحادثة الكلامية والصامته، وهدوء وحكمة ضبط الأعصاب، وصدق وصراحة التعامل، وأمان وسلامة السلوك، ليخلق كل ذلك نوع من الطمأنينة، والحكمة، والسعادة في المعيشة الحياتية اليابانية. والعجيب بأن تناغم السلوك ترافق باحترام الوقت، ودقة الأداء، وحرفية المهنة، وإتقان العمل، وقد أدى كل ذلك لتناسق رائع بين روحانية الشخصية اليابانية، وجمال أخلاقيات سلوكها، وبراعة أدائها في العمل. وقد تطورت هذه الشخصية عبر العصور من خلال ثقافة مجتمعية تجمع تالف جميل بين الإنسان والطبيعة، ومرتبطة بفلسفة روحانية عملية هادئة، وتضم ظواهر فنية مجتمعية، تجمع بين جمالية تنسيق الزهور، وبراعة الكتابة الكولوغرافية، وفن مسرح النو، وإحتفالية شرب الشاي.
فالمواطن الياباني يبتعد عن أي جدال ديني، بل لا يعتبر نفسه متدينا، ولا يتشدق بعقائده، مع أن جوهر العقيدة وروحانيتها بارزة، لا ايديولوجيا في خلفية عقله، بل عمليا في كل جزء من سلوكه اليومي. ومن الملفت للنظر التناغم الجميل الذي يعيشها مع روحانياته، ليحولها لمظاهر ثقافة حضارية جميلة، فالمواطن الياباني يحتفل عمليا بولادة طفله في معبد الشنتو، وبجزء من زواجه في كنيسة الفندق، وبمراسيم الوفاة على الطريقة البوذية. ومع أن عقيدة اليابان الاصلية هي عقيدة quot;الشنتوquot; ولكن استفاد الشعب الياباني من روحانيات حضارات الشرق والغرب. وحينما انتقلت البوذية لليابان مع انتقال الحضارة الصينية في القرن الخامس الميلاي، انتقلت كمزيج عملي من الفلسفة الطاوية والكنفوشيسية والبوذية، والتي أضافت عليها روحانيات عقيدة الشنتو، وبلورتها في فلسفة روحانية عملية سلوكية عرفت في اليابان بquot;فلسفة الزنquot;.
والجدير بالذكر بأن البوذية بدأت في القرن السادس قبل الميلاد، حيث كان هناك امير هندي يسمى، سيدهارثا جوتاما، يعيش في قصر والده بمنطقة النيبال في شمال شبه الجزيرة الهندية. وقد توقع منجم لهذا الأمير أن يكون ملكا عظيما، أو قائدا روحانيا، فحاول والده إبعاده عن هموم الحياة، وتهيئته ليكون ملكا عظيما. ولكن حينما بلغ 29 سنة من عمره، أقنع والده بضرورة تركه لحياة القصور، والبحث عن وقائع الحياة مع عامة البشر. فترك الأمير الهندي قصر والده فعلا ليعيش حقائق الحياة القاسية، بملاحظته للفقر والمرض والموت، ومع الوقت انغمس بمعاناة البشر، وحاول معرفة أسبابها، وطرق معالجتها، والوقاية منها. لذلك اختفى الأمير الهندي في الغابة، ليتعرف على حياة الطبيعة والبشر، وليتفرغ للتفكير والتأمل والصوم، وحينما وجد بأن الصيام المستمر يبلد تفكيره، بدأ يأكل من جديد، واستمر في التأمل حتى يجد الإجابة لأسئلته المحيرة.
وحينما كان الأمير الهندي في منتصف الثلاثينيات من عمره جلس تحت ظل شجرة لمدة 49 يوما، وحينها زارت مخيلته رواء الثراء الكبير، والمتعة الجسدية، والتنوير الكاذب، وبعد رحلة تأمل طويلة رأى حقيقة طبيعة الحياة ليصبح مستنيرا، بعد أن اكتشف بأن: quot;حقيقة الأشياء في الحياة نقية، ولكن الذهن البشري يمنعنا من رؤيتها.quot; ومنذ تلك اللحظة عرف بالمستنير، أي quot;بوذاquot;، ليقضي بقية حياته في تطوير أفكاره ونشر تعاليمه في بلده الهند.
وقد بدأت تنتشر البوذية في بداية الألفية الأولى لتصبح عقيدة رسمية في الصين في عام 67 ميلادي، ولتمتزج التعاليم البوذية بالفلسفة الكنوفوشيسية والطاوية، وقد عرفت الفلسفة البوذية في الصين بفلسفة quot;الشانquot;، كما عرفت في اليابان بفلسفة quot;الزنquot;، وقد انتقلت إلى اليابان في منتصف الألفية الأولى، بعد أن وصلت من خلال كوريا إلى القصر الإمبراطوري الياباني، كما اعتنقها أمراء الشوجن وعساكر السموراي ليقوا سيطرتهم على البلاد، بينما أخذت تنتشر بين عامة الناس في القرن الثاني عشر. وقد ناقشنا في الجزء الأول من المقال ثقافة احتفالية شرب الشاي اليابانية وهي أحد الظواهر الثقافية لروحانية تناغم الفلسفة الطاوية والكنوفوشيسية والبوذية والشنتو في ما سميت في اليابان بفلسفة quot;الزنquot;، وسنحاول عزيزي القارئ في هذا الجزء من المقال دراسة علاقة احتفالية الشاي بفلسفة quot;الزنquot; اليابانية.
فحفلة الشاي اليابانية تجمع بين الضيف والمضيف في تجانس روحي هادئ، وتستولي على بيئة أجواءها quot;عملياquot; فلسفة الزن اليابانية، لتشمل أساسيات أربع تجمع بين احترام البشر لبعضهم، وتناغم الإنسان مع الطبيعة، وتطابق القلب والعقل في النقاء، وراحة البال مع طمأنينة النفس. وقد نمت هذه الأسس منذ القدم بين كهنة الزن الذين كانوا يجتمعون للعبادة يوميا، ويشربون الشاي من قدح برونزي مشترك، وأمام تمثال لبوذا. كما تطورت ثقافة شرب الشاي مع الزمن لتتبلور في طقوس حفلة الشاي اليابانية، مع تناغمها مع فلسفة الزن، والتي تتمحور حول حقائق أربع نبيلة: وهي أن الحياة معاناة، وسبب هذه المعاناة هي شهوة الغريزة، وللوقاية من تفاقم هذه الشهوة نحتاج لثمانية طرق منيرة، والتي تشمل فهم الإنسان لنفسه، مع إدراك ما يدور حولها في العالم، واستيعاب السلوك المرتبط بالشهوة الغريزية، وإدراك بأن كل شيء في الكون جامد أو حي في تغير مستمر. لذلك التعصب لفكرة معينة كحقيقة مطلقة دائمة ما هو إلا وهم كاذب، يبعد السعادة عن النفس ويخلق تعاسة بأبشع صورها.
وتشمل الطرق المنيرة في فلسفة الزن أيضا ضرورة تحكم الإنسان في سلوكه، لكي لا تطغي المصلحة الذاتية على مصلحة المجتمع، وذلك بأن يجمح شهواته ورغباته الذاتية، ويتجنب الاحكام المسبقة، ويبتعد عن العنف، والتذكر دائما بأن الكلمة ليست فقط كلمة، فهي قد تبني الحاضر أو تدمر المستقبل. فيجب أن نكون حذرين في ما نقول، فنتجنب الكذبة المقصودة أو الكلمة المخادعة، ونتحاشى استخدام كلمة نابية مؤلمة للاخرين، كما علينا تجنب كثرة الكلام، والتحدث بصيغة إيجابية مختصرة ومفيدة. ومن الضرورة تجنب العمل الطالح، لنقي النفس من إيذاء الاخرين أو قتلهم، والابتعاد عن السرقة، أو سوء معاملة الأخرين ذهنيا أو جسميا أو جنسيا، لنعيش حياة متواضعة وشريفة، لنثري حياتنا بالسعادة والنقاء لعمل الخير، كما علينا تجنب التعامل في الاسلحة والعبودية وأكل لحوم البشر، والكحوليات والمخدرات. بل يجب أن نستخدم كل جهودنا في عمل الخير وتجنب الشر، لنطور موهبة معرفة النفس والعقل، مع ضرورة مراقبة أجسمنا وعواطفنا وأذهننا، لنتجنب الانحراف والفتنة.
و تؤكد فلسفة الزن أيضا على أهمية محافظة الإنسان على ذهنه هادئا منفتحا ومنتبها، بتجنب سفسطة التفكير الفوضوي، لنركز على مجريات الحاضر الحقيقة، لا الوهمية التي تصوره مخيلة عواطف كاذبة، بل نتجنب الحكم المسبق، والتحليل والتفسير الكاذب، مع تطوير عقلنا وتركيز ذهننا بالتأمل، وهو تمرين يحقق وضوح الذهن والنفس لما نقوله ونفعله، لنبعث الطمأنينة والسعادة والحكمة في النفس البشرية. ولنتذكر بأن كل شيء في الكون في تغير دائم، فلا يبقى أي شيء على حاله، وما لا يتغير فليس موجود، وحتى الجبال تتغير مع الوقت لتصبح تلال، ولذلك معاناتنا في الحياة متعلقة بتغير عواطفنا، وفقدان احبتنا، وفي نفس الوقت قد يكون التغير مفيدا، فقد يترك جارك المزعج بيته، وتتعلم أشياء جديدة كلما تقدم بك العمر، ويختفي الحزن مع الوقت، كما أن الحكومات الفاسدة قد تتغير مع الزمن. والغريب بأننا نتصور بأن الأشياء السيئة ستبقي للأبد، بينما نخاف أن تنتهي الأشياء التي نحبها بسرعة، وبذلك نعاني مرتين، من وهمين بعيدين عن الحقيقة.
ومن الجدير بالذكر بأن السيطرة على الذهن ليس في الواقع ممكنا، فكلما حاولنا تجنب التفكير في شيء كلما زاد تفكيرنا فيه، فالعقل البشري لا يتوقف عن التفكير والنقاش مع نفسه، بل يستمر دائما في تفسير ما يمر به من خبرة أو تجربة حياتية. كما أننا لا نستطيع توقيف التفكير في عقولنا لأن تلك هي وظيفة العقل، ولكن ما نستطيع أن نفعله هو التوقف عن التدخل في قطار تفكيرنا، فقد تأتي الفكرة ولكن علينا تجنب إزعاجها بمتابعتها وتفسيرها بوهم انفعالاتنا وعواطفنا الكاذبة. ويجب علينا حينما تمر فكرة في الذهن ألا نتبعها، ولا نفسرها، ولا نحللها، ولا نربطها بذاكرتنا، بل ندعها تمر بسلام، لنجرب الحياة كما هي، بدون أحكام مسبقة وبدون ربطها بشيء أخر.
وتعلمنا فلسفة الزن كيف ندرب عقولنا على السيطرة على أذهاننا وعوطفنا الانفعالية، وذلك بالتركيز والتأمل، بأن نختار مكانا ووقتا في اليوم، لا يمكن أن يزعجنا فيه أحد، ربما قبل العمل صباحا، أو قبل الخلود للنوم مساءا. ولنجلس ورجلنا اليسرى على الفخذ الأيمن، والرجل اليمنى على الفخذ الأيسر، ولمدة 5 دقائق، ونزيد الفترة تدريجيا لتصبح 25 دقيقة، مع تجنب التفكير في ما حولنا، ونتنفس بالبطن لا بالصدر، مع محاولة تحسس الأصوات من حولنا، والهواء على جلدنا، والأرض من تحتنا، كما علينا تحسس الهواء في الأنف والقصبات الهوائية، والبطن، وعد عدد أنفاسنا . ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين في اليابان