هناك مفارقة يمكن ملاحظتها بسهولة في واقع العلاقة بين الأوطان ونظام العولمة الاقتصادية وفلسفته السياسية يمكن صياغتها على الشكل التالي: كلما تطور نظام العولمة وتعمق واتسع، وتمكن من السيطرة على مستوى أهدافه وأساليبه على كل مناحي الحياة، وأعطى الانطباع بوحدة العالم، وتحوله إلى مجرد قرية صغيرة، كلما برزت نزعات استقلالية وانفصالية في مختلف أنحاء العالم باسم الدفاع عن الخصوصية القومية أو الثقافية مما يعزز اتجاه تفتت الأوطان وتشظي مكوناتها واندلاع النزاعات المسلحة في مختلف بقاع العالم دفاعا عن مقومات مختلف الهويات وما تعتبره شرط وجودها واستمرارها في الوجود. ويزداد هذا الطابع حضورا وتميزا في حالات علاقات اللاتكافؤ بين الدول والشعوب بما يضع بعضها في موقع السيطرة والهيمنة العامة ويبقي بعضها الآخر في مواقع الدونية والخضوع وربما الوصاية والاستعمار في بعض الأحيان. ذلك ان الشعور بالانسحاق تحت وطأة الهيمنة الشاملة وتقلص هوامش حرية الحركة والمبادرة امام القوى المسودة يدفع باتجاه البحث عن العوامل المعنوية والذاتية التي تمكن من الصمود خاصة اذا كانت الغاية من الهيمنة السائدة سلب مقومات الهوية الخاصة بعد من مكونات المجتمع الصغير او المجتمعات الخاضعة على مستوى العالم. وهو ما يشكل مفارقة في حد ذاته على اعتبار ان تقدم نظام العولمة في توحيد مختلف أنماط التفكير والإنتاج والاستهلاك لا يوازيه الا البروز المطرد لخصوصيات عدد من مكونات ما يمكن اعتباره أطراف المراكز وهي خصوصيات قد تتخذ أشكالا متطرفة في نظرتها الى العولمة او كل ما ينحو باتجاه توحيد أنماط التفكير وغيرها من أساليب الحياة الجماعية والفردية على حد سواء بحيث تتماهى في عرف تلك التيارات المتطرفة مع الهيمنة الخانقة للأنفاس والتي ترفض في نهاية المطاف كل أشكال التعددية والخصوصية التي لا تخضع لمحددات رؤية القوى السائدة.
&
فهل تلعب فلسفة العولمة الدور الأساسي والمحدد الحصري في بروز هذه المفارقة؟ أم أن هناك عوامل أخرى ذات التأثير الأساسي في الدفع نحو هذا الاتجاه؟ وفي هذا السياق ما هو الدور الذي يلعبه الانتصار لفلسفة حقوق الإنسان والدفاع عن حقوق الأقليات القومية في المجتمعات السياسية الحديثة في هذا الاتجاه؟ وهل يمكن القول بأن النظام الديمقراطي غير قادر على تجاوز هذه المفارقة والتقليل من دورها السلبي؟&
&
لم يعد ممكنا تقديم تفسير وحيد وأوحد لمختلف الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد ان تبين، بالملموس، ان هذا النوع من التفسير مجانب للصواب، في كل الأحوال التي يتم فيها اعتماده. بل الأصح، هو التفسير متعدد العوامل، والأسباب، وان كانت، تلك العوامل والأسباب، متفاوتة التأثير والفعل في صنع هذه الظاهرة أو تلك. وبغض النظر عن العوامل الثانوية التي ليست ذات أهمية كبيرة في تحديد شكل الظاهرة او مضمونها فإن هناك صنفا من العوامل التي يمكن اعتبارها العوامل الضرورية غير انها ليست كافية للقيام بالعملية التفسيرية برمتها الأمر الذي يقتضي التفكير في العوامل الكافية التي تظل حيوية في كل عمليه تفسيرية.&
&
ويبدو أن النظام الديمقراطي، متى تم تعميمه، داخل مجتمع من المجتمعات، يلعب دورا هاما في الإبقاء على نوع من الروابط الوحدوية بين مكونات المجتمع، رغم الطبيعة اللامركزية لتنظيم السلطات والتوجه نحو أشكال من الحكم الذاتي الموسع أو التنظيم الجهوي المتقدم او حتى التنظيم الفدرالي، في بعض الأحيان. وهذا يعني، على عكس ما يبدو من أن التنظيم المركزي الصارم هو الذي يضمن وحدة المجتمع، وانسجامه الداخلي، ان ضرورة احترام الخصوصيات التاريخية والثقافية والقومية لمكونات مجتمع من المجتمعات غالبا ما يصطدم بتصورات ذات النزعة المركزية المتطرفة، والتي لا يمكن أن تكون، على المدى البعيد، عاملا من عوامل الوحدة الوطنية، بل تلعب دور المفجر، الأكيد، لها بقدر ما تعي مكونات المجتمع خصوصياتها، ويحتد لديها هذا الوعي، وترغب، بالتالي، في الانتصار لها، ومواجهة كل ما يعترض سبيلها على المستويات الفكرية والإيديولوجية والسياسية، ولو كان ثمن ذلك صراع مفتوح بين تلك المكونات، ونزوع كل منها ليس إلى الاستقلال بعضها عن البعض الآخر فحسب، وإنما الى اعتبار أن تقدمها مشروط بفرض نفسها على التي تخالفها، وتعتبرها العدو الذي ينبغي هزمه، والقضاء عليه. وهذا هو الترجمة الفعلية لنزعات التفكيك والتدمير التي تجد أساسها البعيد في المركزية المفرطة في تنظيم السلطة. ولعل هذا يتضمن نوعا من التفسير او التجسيد الفعلي للقول المأثور حول توليد الضغط للانفجار متى تجاوز حدودا محتملة حتى وان لم تكن مقبولة من قبل المجتمع، وخاصة من طرف الجماعات التي تميل الى تمييز نفسها عن الأغلبية أو التي تشعر انها تخضع لقوانين وممارسات أقلية قوية ومتنفذة لا تترك لها المجال الكافي للتعبير عن نفسها بالحرية الضرورية والدفاع عن مصالحها وحقوقها الأساسية في مختلف مجالات ومرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
&
لقد حولت الثورة الصناعية وفي مجال الاتصال، بالاضافة الى تعميم قواعد الاقتصاد المعولم العالم الى قرية صغيرة كما يقال. غير ان التأمل العميق في هذه القرية الصغيرة المفترضة يفيد بأنها تعيش توترات وتمزقات هوياتية تكاد تقضي على العوامل اللاحمة بين مكوناتها. وهذا ما تدل عليه النزاعات الثقافية والقومية والمذهبية التي اصبحت تحتل مركز الصدارة في أكثر من بقعة من بقاع العالم المعاصر، وخاصة منها البلاد التي لم تقطع بعد مع أسباب التخلف وعوامل التأخر في مختلف المجالات، ولم تأخذ، بالتالي، بأسباب التقدم في مختلف المجالات، الأمر الذي حولها الى مرتع لنزاعات تهدد بتفككها وانفراط عقدها الوطني تحت تأثير عوامل داخلية فاقمتها كل أشكال التدخلات الخارجية الناعمة منها والعنيفة على حد سواء.
&
وفي الواقع، فإن تفاقم أشكال الاستبداد السياسي والهيمنة الاجتماعية والثقافية لقوى تهدف الى طمس كل التمايزات، ووأد الخصوصيات، قد فتح المجال أمام اتجاهات مضادة تستهدف تغذية تلك التمايزات، والدفع بتلك الخصوصيات الى حدودها القصوى، باسم مبادئ وقيم تبدو غير قابلة للدحض عند المنطلق، لكنها على طرفي نقيض مع ما تعلن استهدافه في الأغلب الأعم، كما هو مبدأ الدفاع عن حقوق الانسان وحقوق الأقليات التي اصبحت تؤدي وظيفة تفجيرية للأوطان وتذرير للمجتمعات تحت إشراف مباشر، او غير مباشر، من قبل القوى الدولية المتنفذة في مختلف المجالات.&
&
كاتب وباحث مغربي&