قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


على هامش الإحتفال بالذكرى الرابعة& لـ"ثورة الخامس والعشرين من يناير"، يعود الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى الواجهة، خصوصا أنّه صار شبه طليق. تبدو الذكرى الرابعة للثورة مناسبة& لوضع عهد مبارك، وما شهده من احداث وتطوّرات، في حجمه الحقيقي بعيدا عن المبالغات في أي مجال من المجالات. فبداية تصحيح وضع مبارك هو في نهاية المطاف دليل على أن الثورة باشرت عملية إعادة تصحيح نفسها بعيدا عن كلّ انواع الظلم والإنتقام. فالظلم وروح الإنتقام لا يبنيان ثورة ولا يبنيان دولا ولا مؤسسات حقيقية تعترف بحكم القانون وسيادته أوّلا وأخيرا.
الرجل ظُلم، وظُلم معه نجلاه علاء وجمال اللذان سجنا في ظروف غير لائقة لا علاقة لها بدولة القانون التي كان مفترضا أن تقوم بعد "ثورة الخامس والعشرين من يناير". في حال هناك إتهامات لمبارك ونجليه، لماذا لا يكون توضيح خطّي لكلّ شاردة وواردة كي لا يكون من مجال للشكّ في أن الثلاثة ارتكبوا تجاوزات بدل ترك الأبواب مفتوحة أمام كل نوع من الإشاعات؟
&ازاحت "ثورة يناير" قبل أربع سنوات من الآن حسني مبارك الذي لم يكن نظامه سوى امتداد لإنقلاب عسكري سمّي "ثورة الثالث والعشرين من يوليو". أطاح الإنقلاب العسكري النظام الملكي في العام ١٩٥٢. كانت النتيجة، بعد "ثورة يناير"، أنّ النظام المصري الذي عرفناه تغيّر بعض الشيء وليس كلّيا كما يحلم الشبان الذين كانوا وراء الثورة. هناك مصر جديدة تقوم على انقاض نظام عاش ستين سنّة، لكنّه ما زال يرفض أن يتغيّر إلى يومنا هذا.
قبل كلّ شيء، لا بدّ من الإعتراف بأنّ حسني مبارك لم يكن رجلا دمويا. كلّ ما يمكن قوله أنّه حكم مصر طوال ثلاثين عاما على طريقة الضابط& الذي يرفض أن يتعلّم شيئا. لعلّ أوّل ما افتقده حسني مبارك، الذي لم يكن سوى رئيس بالصدفة، القدرة على إتخاذ القرارات الجريئة على غرار أنور السادات.
بقيت مصر هادئة ومستقرّة لفترة طويلة، إلى أن طفح الكيل أواخر العام ٢٠١٠ عندما نزل المواطنون إلى الشارع وقرّروا الإنتهاء من نظام على رأسه رجل مريض في الثمانينات من عمره كان في استطاعته تقديم الكثير لبلاده لو كان يعرف ولو قليل القليل في السياسة داخليا وإقليميا ودوليا.
كان حسني مبارك ضابطا جيدا. هذا ليس كافيا كي يكون سياسيا جيدا. تكفي أسماء أعضاء المجموعة التي أحاط نفسه بها من أجل التأكد من ذلك. كان العمل الإيجابي الوحيد الذي قام به أنّه لم يأخذ على محمل الجدّ شخصا من مستوى أقلّ من متواضع لا يليق بتراث مصر يدعى محمد حسنين هيكل. وهذا لم يكن عائدا إلى ذكائه الحاد بمقدار ما أنّه عائد إلى حساسيات ذات طابع شخصي. أمّا بقية المسؤولين في مصر والإعلاميين العرب الذين تعاطى مبارك معهم واستقبلهم، فكانوا من أتفه التافهين، بما يدلّ على أنّه لم تكن لديه أي معرفة لا بالناس ولا بالعالم.
استفاد حسني مبارك طويلا من إرث أنور السادات. عاش على هذا الإرث. في النهاية، وُجد من يغتال أنور السادات في العام ١٩٨١ بعدما استعاد سيناء وثرواتها من الإحتلال الإسرائيلي. من المفارقات المصرية أنّه وُجد في الوقت ذاته، داخل مصر وخارجها، من يمجّد جمال عبد الناصر الذي خسر الأرض وأخذ العرب إلى كارثة حرب الأيآم الستة عام ١٩٦٧. أكثر من ذلك، وُجد طوال ثلاثين عاما من يجد الأعذار لحسني مبارك الذي لم يعرف يوما، لا كيف يبني على ما تركه له سلفه ولا كيف يطوّر النظام لإخراج مصر من أزماتها التي لا تحتاج إلى مجرّد مسكّنات.
ما عجز حسني مبارك عن استيعابه هو أنّه خلف أنور السادات بالصدفة لأن السادات كان يريد إلى جانبه، في موقع نائب الرئيس، شخصا ضعيفا. كانت النتيجة أن دفعت مصر ثمن خيار السادات.
من المفارقات أيضا وأيضا، أن مبارك لم يمتلك حدّا أدنى من الثقة بالنفس كي يختار نائبا للرئيس. بقي ثلاثين عاما من دون نائب له. لم يعيّن اللواء عمر سليمان، وهو شخص يمتلك قدرات ذهنية محدودة، نائبا له إلآ بعدما وجد نفسه مجبرا على الإستقالة. كان من الضعف إلى درجة أنّه لم يستطع تحمّل شخص مثل المشير عبد الحليم أبو غزالة كان في الإمكان أن يساعده في تحمّل أعباء تطوير النظام بدل البقاء في اسر الإنقلاب العسكري الذي أطاح الملك فاروق والعقد النفسية للضباط الآتين من الريف إلى المدينة بهدف ترييفها...وهذا ما حصل لاحقا في العراق وسوريا وليبيا والجزائر والسودان ودول أخرى في المنطقة سقطت تحت جزمة العسكر وجهلهم وجهالتهم.
كانت "ثورة الخامس والعشرين من يناير" ثورة حقيقية قان بها المصريون.& أراد شباب مصر التخلّص من رئيس تقدّم به السنّ، كما لم يعد يعرف ماذا يريد. هل يريد توريث نجله جمال أم لا؟ خطف الإخوان المسلمون تلك الثورة التي أفضت إلى خروج حسني مبارك من السلطة. حصل ذلك بتفاهم مع المؤسسة العسكرية التي كانت تفضّل عدم محاكمته، بل الإكتفاء بإزاحته. كانت هذه المؤسسة ضدّ التوريث أيضا. لذلك حمت الثورة.
بعد اربع سنوات على الثورة المصرية، ثمة ايجابيات كثيرة. في مقدّم هذه الإيجابيات تصحيح خطأ محاكمة حسني مبارك ونجليه. الأهمّ من ذلك كلّه أن الثورة التي حصلت في الثلاثين من حزيران ـ يونيو ٢٠١٣ عرفت كيف المحافظة على مصر ومنع سقوطها في يد الإخوان. هؤلاء لا يمتلكون أي مشروع سياسي واقتصادي وحضاري للبلد باستثناء تجربة "الإمارة الإسلامية" التي اقامتها "حماس" في قطاع غزّة على الطريقة الطالبانية.
كانت الحاجة إلى ثورة أخرى هي "ثورة الثلاثين من يونيو" كي يستعيد المصريون ثورتهم الأصلية. وفي هذا السياق، يأتي انصاف حسني مبارك خطوة أولى على الطريق الصحيح الذي يعني بين ما يعني اقامة نظام جديد أكثر إنسانية يتفادى أوّل ما يتفادى تكرار تجربة استمرّت ثلاثين عاما كان التعامل خلالها مع مشاكل مصر بشكل سطحي. كانت هناك حاجة إلى ثورة تصحّح الثورة. إنصاف مبارك مجرّد بداية وليس نهاية تسمح بالتساؤل هل عبد الفتّاح السيسي، وهو آت من الجيش أيضا، قادر على القول للمصريين أنّ حكمه ليس امتدادا للإنقلاب العسكري الذي وقع قبل ثلاثة وستين عاما؟ هل بات في استطاعة المصريين أن يحلموا بنظام جديد ينكبّ على معالجة المشاكل العميقة التي يعاني منها البلد بشكل عصري، بدل اللجوء إلى المسكّنات أيضا وأيضا؟
&&&&