دخلت "عاصفة العزم" اسبوعها الثالث. تدلّ معظم المؤشرات، أقلّه إلى الآن، أن الجانب الأهمّ في العملية العسكرية العربية ـ الإسلامية ـ الدولية التي تقودها المملكة العربية السعودية تحقّق إلى حد كبير. يؤكّد ذلك ردّ الفعل الإيراني على تلك العملية الذي فاق في حدّته كلّ تصوّر. تميّز هذا الردّ بهجوم عنيف على المملكة شارك فيه "المرشد" علي خامنئي والأمين العام لـ"حزب الله" في لبنان السيّد حسن نصرالله.
أفشلت "عاصفة العزم" وضع اليد الإيرانية على اليمن. هذا انجاز في حدّ ذاته. تبيّن أن السعودية تعرف جيّدا ما الذي تفعله ايران في اليمن. قرّرت بكل بساطة التحرّك من أجل وضع حدّ لعملية تستهدف أمنها بشكل خاص والأمن الخليجي عموما.
كانت عملية وضع اليد هذه تنفّذ بهدوء وبلغت ذروتها بالإتفاق الذي وقّعه الحوثيون، أي "انصار الله" مع السلطات الإيرانية باسم الحكومة اليمنية. سمح هذا الإتفاق لإيران بتسيير أربع عشرة رحلة جوّية في الإسبوع إلى صنعاء ومنها. بالطبع، تضمن الإتفاق السماح للخطوط اليمنية بتسيير العدد نفسه من الرحلات إلى طهران ومنها. ماذا لدى اليمنيين يفعلونه في طهران وماذا لدى ايران تقدّمه لليمن؟ هل لدى الخطوط اليمنية طتئرات تسمح لها بتسيير رحلتين يوميا إلى طهران؟
كلّ ما في الأمر أنّ ايران تراهن منذ ما يزيد على خمسة عشر عاما على الحوثيين. بدأت بالسعي إلى تغيير طابع المجتمع الزيدي في اليمن مستفيدة في بداية الأمر من دفع الرئيس السابق علي عبدالله صالح في اتجاه تشجيع الحوثيين على تشكيل قوّة سياسية ودخول مجلس النوّاب. حدث ذلك في وقت كان الحوثيون يلعبون، انطلاقا من صعدة، تحت تسمية "الشباب المؤمن" دور التيار الزيدي المستقلّ عن العائلات الزيدية الكبيرة المعروفة بالعائلات الهاشمية مثل آل حميد الدين والمتوكّل. معظم هذه العائلات من محافظة حجّة، وكانت لدى علي عبدالله صالح في كلّ وقت حساسية تجاهها.
إبتداء من العام ٢٠٠٣، فوجئ علي عبدالله صالح بأن "الشباب المؤمن" بات خارج سيطرته وذلك خلال توقّفه في صعده في طريقة، برّا، إلى مكّة لإداء فريضة الحج. إكتشف وقتذاك أن الحوثيين صاروا في الحضن الإيراني، خصوصا بعدما أطلق شاب في وجهه ما يسمّى "الصرخة"، أي "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". كانت تلك "الصرخة" التي أُطلقت في وجه علي عبدالله صالح، بعد صلاة الجمعة في أحد مساجد صعده، إشارة الإنطلاق لست حروب مع الحوثيين الذين صاروا يعرفون باسم "انصار الله".
وصل الحوثيون في السنة ٢٠١٤ إلى أن يصبحوا القوة العسكرية الرئيسية في اليمن جراء الفراغ الناجم عن سقوط الصيغة التي كانت تحكم البلد والتي كانت قائمة على الحلف بين علي عبدالله صالح من جهة وآل الأحمر، زعماء حاشد من جهة أخرى. كان هناك حلف بين الجانبين، من دون أن يعني ذلك غياب التجاذب بينهما، خصوصا أنّ علي عبداله صالح أقام تحالفات مع قوى يمنية أخرى عرف دائما كيف يقيم من خلالها توازنا معيّنا يخدم نظامه.
ضم هذا الحلف الإخوان المسلمين الذين كانوا يعملون بغطاء من آل الأحمر. هؤلاء قرّروا خطف "ثورة الشباب" اليمني ذات الأهداف المثالية. كذلك، قرّروا التخلص جسديا من علي عبدالله صالح عن طريق تفجير مسجد النهدين في دار الرئاسة حيث كان يؤدي صلاة الجمعة مع كبار مساعديه في الثالث من حزيران ـ يونيو من العام ٢٠١١.
إنتقل اليمن بعد "ثورة الشباب" إلى ثورة من نوع آخر. الواقع أن اليمن إنتقل إلى الفراغ الذي تسببّبت به عوامل عدّة. من بين هذه العوامل ضعف الرئيس الإنتقالي عبدربّه منصور، الذي لا يزال يمثّل، مع مجلس النوّاب، الشرعية الوحيدة في اليمن، وانتقال الصراع إلى داخل اسوار صنعاء. دار هذا الصراع بين علي عبدالله صالح والموالين له من جهة وابناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر من جهة أخرى مدعومين من القوات الموالية للواء علي محسن صالح الأحمر (قائد الفرقة الأول/ مدرّع)، قريب علي عبدالله صالح وشريكه في الحروب الست على الحوثيين بين ٢٠٠٤ و٢٠١٠.
ملأ "انصار الله" الفراغ تدريجا بدعم واضح من ايران التي عملت منذ فترة طويلة على ايجاد موطئ قدم لها في اليمن.
استند "انصار الله" إلى كل نوع من التبريرات للقول إنّهم النظام الجديد في اليمن وأنّ لديهم شرعية ما هي "الشرعية الثورية". كان لا بدّ من الردّ عليهم، خصوصا بعدما إتجهوا جنوبا من أجل السيطرة على ميناء عدن بالتنسيق مع القوات التي ما زالت موالية للرئيس السابق.
ما لا بدّ من الإعتراف به أن ما كان تحالفا تكتيكيا مع علي عبدالله صالح، سهّل على الحوثيين السيطرة على صنعاء وفرضهم "إتفاق السلم والشراكة" بقوّة السلاح، صار مع تطوّر الأحداث تحالفا في العمق.
بكلام أوضح، ما كان في استطاعة الحوثيين الإلتفاف على تعز والتقدم في اتجاه عدن عن طريق أكثر من محور، لولا القوات التي بقيت موالية لعلي عبدالله صالح. هنا يكمن الخطأ الكبير الذي ارتكبه الرئيس السابق الذي كان يفترض به العضّ على جرحه بعد طرد القوات الخاصة (قوات الأمن المركزي سابقا) التي كنت مرابطة في معسكر لها في عدن بقيادة العميد عبد الحافظ السقّاف.
لم يكن ممكنا السكوت عن ملء ايران الفراغ القائم في كلّ اليمن والناجم عن انهيار الدولة ومؤسساتها وفشل مؤتمر الحوار الوطني بسبب ضعف عبد ربّه منصور وغياب القيادات اليمنية الفاعلة من جهة وشراسة الحوثيين ومن خلفهم ايران، من جهة أخرى.
ليست "عاصفة العزم" سوى بداية عملية اثبات وجود بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز الذي استهلّ عهده بسلسلة من القرارات الجريئة التي تؤكّد أن السعودية قادرة على إتخاذ مبادرات على الصعيد الإقليمي تؤثر في التوازن الذي تحاول ايران فرضه في المنطقة.
في ظلّ الفراغ القائم في اليمن والذي سعت ايران إلى ملئه، ثمّة اسئلة تطرح نفسها بقوّة. في مقدّم هذه الأسئلة كيف سيستفيد اليمنيون الموجودون على الأرض من "عملية الحزم" لإثبات أن هناك مقاومة حقيقية للمشروع الإيراني في اليمن؟ هل الإستعانة بآل الأحمر والإخوان المسلمين تساعد في ذلك؟ هل العملية البرّية مسألة وقت فقط بعدما حقّقتت الضربات الجوّية الهدف المطلوب لجهة تشتيت القوات الحوثية وتلك الموالية لعلي عبدالله صالح؟
ليس سرّا أنّ ثمّة حاجة إلى صيغة جديدة لليمن يتفق عليها اليمنيون في مؤتمر حوار وطني بعيدا عن هيمنة السلاح. هذه الصيغة لا يمكن أن تنبثق من خارج إعادة التوازن السياسي والعسكري إلى بلد ليس مسموحا بأي شكل أن يكون مستعمرة ايرانية، أي قاعدة لإبتزاز دول مجلس التعاون على رأسها السعودية...