قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

لم يترك نظام الأسد وسيلة من وسائل القمع والتنكيل إلا واستخدمها بوجه الثورة السورية تحت عنوان واحد هو اركاع الشعب السوري وارجاعه إلى بيت الطاعة الأسدي وجمهورية العبيد التي حطم شباب سوريا الثائر جدرانها إلى غير رجعة.

لأن الاعلام سلاح فتاك وتدميره شامل تطال سهامه جميع الفئات باختلاف طبقاتها الإجتماعية والفكرية وقدراتها العقلية وتبايناتها الثقافية، ويحاكي مشاعر البسطاء من الذين تسيرهم العواطف، من خلال حبكة درامية ممزوجه بالشعارات الوطنية والأنسانية المؤدلجة, ويتلاعب بمشاعرهذه الفئات الغير قادرة على تكوين رأي خاص بها نتيجة عوامل،إجتماعية وثقافية، ويتأثرون بشكل مباشر بمايتلقونه من وجبات أعلاميه، مدفوعين بمحبتهم لبعض "الممثلين أو الإعلاميين" الذين نجحوا في التمثيل على الشعوب زمناً طويلاً بشعاراتهم البراقه وكلماتهم المعسولة، عن مناصرة الحق والحرية والعدالة وأنتقاد أخطاء الحكومات وفضح الفساد.

مع انطلاق الثورة السورية أسقط الكثير منهم القناع وبان وجهه الحقيقي دون مساحيق التجميل التي طالما خدعوا بها الجمهور, وسارع الكثير منهم إلى دعم النظام المستبد وتبنوا روايته للأحداث وعملوا على تسويقها معتمدين على مالديهم من رصيد شعبي،وبانت للعيان حقيقتهم الطائفية وفضلوا مصالحهم الشخصية ومكتسباتهم المادية والمعنوية من النظام على المصلحة الوطنية.

لايخفى على متابع الدورالذي تعلبه استراتيجيات الأعلام الفعالة والمؤثرة في إحداث الصدمة, وأستخداماتها في الحرب النفسية،من بث إشاعات وتشويه الخصم والنيل منه.

فسخر لها نظام الأسد،مجموعة من الكتاب المأجورين ومرتزقة القلم،للترويج لبضاعته التي لم يعد يجترها أحد عبر سنوات الثورة السورية الأربعة.

بما أن نظام الأسد هو المتحكم الرئيس في الأنتاج الفني "الدرامي" من خلال شركات تتبع له يديرها شكلياً أشخاص من محازبية، فطوع الدراما السورية التي تحظى بنسبة متابعة كبيرة خاصة مسلسلات البيئة الشامية التي لاقت رواجا كبيراًعبر الفضاء العربي، مستغلا هذه الشعبية لخدمة حربه المسعورة ضد الشعب السوري وثورته.

انبرى لهذه الأعمال "الدرامية " مجموعة من الكتاب المأجورين بل الذين يعملون متطوعين من تلقاء أنفسهم أملاً في النظر إليهم بعين الرضى والقبول لدى النظام، في كتابة أعمال درامية بهدف تشويه الثورة وتسويق رواية نظام الأسد للأحداث الدامية التي تدور رحاها على الأرض السورية.

جسد هذه الأعمال مجموعة من الممثلين "الفنانين" الذين يمتهنون مهنة التمثيل، من أجل الأموال بغض النظر عما تقدمه من أفكار ورسالة للمجتمع تحاكي قضاياه بطريقة تؤدي لمعالجة الخلل وتقدم حلول معقولة له.

شهد الفضاء الالكتروني خلال هذه الفترة حملة من التراشقات الإعلامية بين ممثلين معارضين ومؤيدين وتم تصنيفهم من قبل ناشطين على قوائم سوداء وآخرى بيضاء حسب انتمائهم السياسي.

لنتذكر جميعاً الفترة التي كان نظام الأسد الأب في حالة خلاف مع النظام التركي في تسعينيات القرن الماضي التي كادت تودي إلى حرب بين النظاميين.

حينها تم أنتاج مسلسل أسمه "أخوة التراب" كان أول عرض له عام 1996، بغض النظر عن القصة الملحمية التي كتبت حينها, كان التوظيف السياسي واضحاً من خلال أحداث المسلسل،هو تشويه كل مايمت لتركية بصلة، مستتغلين فترة الحكم العثماني لبلاد الشام من أجل حبكة درامية تخدم أهداف النظام السوري سياسيا، حيث اظهر المسلسل العثمانيين كمجموعة من البرابرة والعنصريين المنفصلين عن الحضارة والعصر,والمتعطشين لدماء العرب وإركاعهم، هنا نحن لسنا بصدد الحكم على فترة تاريخية لها ما لها من أخطاء و ايجابيات، لكن كان الهدف الوحيد منه هو تشويه صورة الأتراك في أذهان العرب المتابعين للمسلسلات السورية حينها بكثافة في فترة سيطرة الدراما السورية على الساحة العربية.

عندما تحولت الأوضاع وأتفقت المصالح مع وصول نظام "بشار الأسد " وحكومة " أردوغان "إلى السلطة شاهد المراقب كيف تبدلت نبرة الدراما السورية اتجاه الحكومة التركية، نلاحظ ذلك في مسلسل أهل الراية" عام 2008 الذي كان يحاكي مرحلة الوجود العثماني في سوريا, كيف ظهر الوالي العثماني وجنوده بوجه جميل متعاطف مع المظلومين رحيم بهم،وأصدرالسلطان أوالوالي حينها " عفو عام عن جميع المساجين والمحكومين".

لنتذكر جميعاً تلك الفترة التي جعل فيها نظام بشار الأسد أبواب سورية مشرعةً أمام الأتراك ضارباً عرض الحائط مصالح السوريين وصغار الصناع والتجار.

مع تحول الموقف التركي ضد نظام بشار الأسد وقرار حكومة "أردوغان"حينها الوقوف بشكل حازم إلى جانب مطالب الشعب السوري،عاد النظام سيرته الأولى بالحديث عن أطماع "أوردغان " في السيطرة على الوطن العربي من خلال عودة الدولة العثمانية والحديث عن الأحلام الأمبراطورية لـ"الطيب اردوغان".

في هذا العام كان ملفت للنظر الكم الهائل من التشويه المقصود للثورة السورية وأظهارها على أنها مجرد مشروع صهيوني - تركي، يقوده مجموعات من المتطرفين أو رجالات فاسدين تم طردهم من النظام بعد أكتشاف أمر فسادهم فتحولوا إلى المعارضة لتبييض صفحاتهم المشوهة،هذا ما بدى واضحاً للعيان في مسلسل " في ظروف غامضة" المسلسل الذي أعتبر الثورة وتضحياتها مجرد أزمة، وتساءل أبطال المسلسل، هل هذا هو الشعب السوري " الطيب الحبوب المسالم "؟ وهم يلمزون إلى مرتزقه يقودون هذه الأعمال التخريبية، والشعب السوري ليس له يد في مايحدث.

أما مسلسل "بقعة ضوء"كان أكثرجرءة ووقاحة في توجيه سيل هائل من التشويه والتعريض بالثوار,في حلقاته الأولى،حيث عرض مجموعة من المسلحين يقومون بأعمال القتل والنهب والتفجير لمن يدفع لهم الأموال، وهم من نفس الحي وأقارب لكن لكل منهم ممول وجهة تدفع له.

أما الشيئ الأكثر فجاجة ولا يمكن لأي سوري أن يتخيلة قبل اندلاع الثورة السورية وربما كان يودي به إلى غياهب السجون ومسح عائلته عن خارطة سكان سورية،ما تم صناعته في المسلسل الشهير بفصولة السبعة "باب الحارة "وهوجزء من مجموعة مسلسلات قدمتها الدراما السورية تحت عوان البيئة الشامية.

باب الحارة في جزءه السابع،بما احتواه من مغالطات وتشويه للبيئة الشامية فرغها من محتواها الأخلاقي والإجتماعي،وماحوته من مخزون ثقافي ربيت عليه أجيال كثيرة, وتناقض مع ماسبقه من مسلسلات ضمن نفس اطار البيئة الشامية.

حيث أصبح أختلاط النساء بالرجال أمرا مألوفاً,الأمر الذي لم يكن موجود في ماسبق من اجزاء هذه الدراما المؤدلجة،الطويلة التي عرفنا متى بدأت ولا أحد يمكنه التنبأ بنهايتها،وأظهر الحارة الشامية عبا رة عن جملة من التناقضات الأخلاقية والمجتمعية، وجنوح شبابها ورجالتها إلى الرغبة والشهوات، حيث أصبح عكيد الحارة عبارة عن شخص متسكع عاطل عن العمل طائش لاهث خلف شهواته ومجونه الأمر الذي كاد أن يؤدي لفتنة طائفية بين المسلمين واليهود الذين أقحموا في هذا الجزء إقحاماً في توظيف سياسي مفضوح هدفه الوحيد التسويق بأن نظام الأسدهوالضامن لعلاقات بناءة مع جميع الطوائف وخاصة الاحباء اليهود المسالمين حسب المسلسل.

تجسيداً لما قاله "رامي مخلوف " أبن خال رئس النظام السوري" بشارالأسد" أمن سورية من أمن اسرائيل، تم الزج بحارة اليهود وإلغاء "حارة الماوي " وتم شطب الحكيم "حمزة" صهر ابو حاتم صاحب قهوة الحارة، من أجل أفساح المجال للحكيم "موسى" اليهودي صاحب الأخلاق الرفيعة المتعالي على الجراح المتسامح من أجل الوطن الذي ضحى بكرامته وشرف ابنته من أجل اللحمة الوطنية،مع كم من المنكهات الدرامية التي تحاكي مشاعر البسطاء وماهي الا لدس السم بالعسل, كان ملاحظ عدد المرات التي تم فيها أستخدام عبارة " من أجل وئد الفتنة" في رسائل إلى المعارضة أو بعض البسطاء أنه بأمكاننا أن نتعايش وكل ماحدث مجرد فتنة أشعلتها دول معادية لسورية المقاومة.

في مشهد تراجيدي عاطفي مشهد تصالح أبو عصام والحكيم موسى مد أبو عصام يده بالسلام لكي يصافح الحكيم اليهودي, في رسالة أخرى هذه المرة لاسرائيل بأننا يمكن أن نصبح أصدقاء ولا شيئ بيننا واليهود المتسامحين هم سكان أصيلون في الشام وهم من أساس هذا البلد، مقابل أن تدعموا بقاء نظام الأسد الذي كان الحارس الأمين، لحدودكم عبر أربعين سنة من حكم عائلته لسورية.

أخطر مافي الأمر أن التسويق لليهود وجذورهم الشامية بغباء سياسي واضح هدفه استجداء الدعم السياسي للنظام من اللوبيات الصهيونية الفاعلة في العالم، الأمر الذي يساعد الصهاينة على تسويق مشروع الوطن القومي لليهود, ودعايتهم أن العرب طردوهم منها إبان الحكم الأسلامي ويمكنهم طلب التعويض،من الشعب السوري الظالم لهم!.

قد يحتج علينا البعض بقوله أن نظام الأسد الأب سمح بهامش حرية وتعبير من خلال الأعمال المسرحية مثل" ضيعة تشرين - وغربة"1974 صحيح أنه كان في المسرحيتين هامش كبير من الحرية استطاع فيهما الماغوط من إيصال رسائل هامة عندما قال أن العدوان فشل وذلك لأن المختار مازال في منصبه، وفي الآخرى عندما قال أن الأحكام تتم بموجب الدستور الذي أكله الحمار، بمعنى أن النظام القائم كان يختصر الوطن بشخص الرئيس "حافظالأسد" وانه هو الدستور وهو مصدر التشريع والقرار له وحدة، رغم ذلك كان حافظ الأسد مستفيداً من التوظيف السياسي للخطاب المسرحي بل عمل على تكريسه وأقناع الشعب السوري بحقيقة واضحة أنه هو الحاكم بأمره وأنه الوطن والوطن هو. على عكس ما أراد قوله الماغوط والذي وصل للكثيرين،رغم أن ما أراده حافظ الأسد من تسويقه في هذا الخطاب هو الذي تم على أرض الواقع حتى يومنا هذا.

حتى لا نبخس الناس أشيائهم علينا أن نميز بين الفنان والممثل, ففي كل العلوم والمجالات هناك فنان مبدع وآخر ممثل مخادع،لكن الفرق بينهما شاسع, الفنان هو الذي يحمل بصدق هم أمته ويرغب في المساهمة ببناء نهضتها وتقدمها.

بينما الممثل ما هو إلا دمية تقرأ ما كتب لها وتنفذ تعليمات المخرج "القائد", مقابل المال وترتمي بأحضان من يدفع لها أكثر دون رادع أو واعز من ضمير.

ماسقناه بين ثنايا هذه السطور هو غيض من فيض ويظهر لجميع المتابعين بمن فيهم الفئات الصامته أو المغيبة عن حقيقة نظام الأسد الذي لطالما تغنى بالمقاومة والممانعة ومناهضة اسرائيل، فإذا به عند أول مطب يكشف عن وجهه القبيح وحقيقة وجوده وأستمراريته حتى الأن كخادم للمصالح الصهيونية في المنطقة والراعي الحقيقي للمشروع الصهيوني

حيث يخوض غماراكبر تجربة مسلسل سياسي اسود عنوانه المقاومة والممانعة على مسرح البسطاء من شعوبنا المخدوعه بشعارته البراقة.

مجيراً الفن والأعلام لخدمة مشروعه "البقاء في السلطة" على حطام وطن.

كاتب وباحث سوري